محمد الصادق يكتب: سعودي في تل أبيب

تأنف النفس وتشمئز الروح من الخبر الذي سطرناه على شكل عنوانٍ أعلاه. الجنرال السعودي المتقاعد، أنور عشقي، والمعروف بعلاقاته مع الصهاينة، لم يتورّع عن زيارة الكيان الغاصب، ولقاء مجموعة من النخب الصهيونية (المجرمين) الذين يمثلون ما يسمى المجتمع الإسرائيلي.

وحين نقول نخبة المجتمع الإسرائيلي، لا نتحدّث عن مجتمع طبيعي، نما وتكاثر في ظروفٍ طبيعيةٍ وسط أرضه وناسه، إنما عن عصابة (الهاغانا) التي سهل لها الاستعمار القديم، المتآكل اليوم تأثيره في الساحة الدولية، والمنكمش في حدود أراضيه التي كانت لا تغيب عنها الشمس.

تاريخ فلسطين لم ننسه بعد، تماماً كما تاريخ الحركة الصهيونية، ومشروعها الاستيطاني الذي هجّر مئات آلافٍ من الفلسطينيين، واحتل أرضهم وطردهم من منازلهم في ظلمة الليل الحالك، كما أرّخ له بإتقان، الفذ إيلان بابه، في كتابه المميز “الفلسطينيون المنسيون/ تاريخ فلسطين 1948”.

بل من واجبنا التذكير به ليل نهار، لكيلا يُنجب البطنُ العربي من يتحدّث عن دولة “إسرائيل”، وكأنها دولة طبيعية لمجتمع طبيعي، نختلف معه حول قضايا النفط والحدود والماء، أو كدولة جارة، بيننا وبينها خلافات سياسية وحدودية. هذا الصنف من الهراء هو ما يسعى زمرة اليمين العربي الرجعي إقناعنا به، من دون جدوى، فالاحتلال حاضر بجرائمه على مدار الساعة.

أخرج عشقي سبب زيارته تل أبيب على شكل نكتة، لكنها سمجة حد الغثيان الذي أصابنا من صوره في وسط جمع من أعضاء الكنيست. قال، في محاولةٍ منه تبرير جريمة التطبيع مع العدو، إنه كان ذاهباً في زيارة لفلسطين، للاطمئنان على المعتقلين الفلسطينيين وعوائلهم. يحتاج العقل السليم أن يُصاب بالعفن، حتى تمرّ عليه مثل هذه الأكاذيب.

فتاريخ الرجل ولقاءاته مع الصهاينة في المنتديات والمحافل الدولية تملأ الصحف، لكن أحداً لم يتوقع أن تصل جرأة (وقاحة) الرجل إلى أن يزور تل أبيب مع وفد من الأكاديميين ورجال الأعمال. فضلاً عن عدم وجود ما يثبت، لا من تاريخه ولا من حاضره، أنه كان، في أي يوم، نصيراً للقضية الفلسطينية.

لكن هذه الحجج التي يسوقها كل مطبعٍ مع العدو الإسرائيلي، اعتدنا على سماعها منذ أن سنّها أنور السادات عند زيارته التاريخية الكنيست. للأسف الشديد، ترمى كل القذارات على ظهر الشعب الفلسطيني. هذا الشعب المنكوب منذ 1948 على يد العصابات الصهيونية التي استخدمت السلاح والقتل العمد والترهيب، ولم تستخدم غيرها وسائل لتأسيس الكيان الغاصب، والذي لم يقم إلا بعد تشريد شعبٍ بأكمله من أرضه.

لكن الشعب الصامد والصابر لم يلق من هؤلاء المطبعين سوى تكسير روح المقاومة التي من دونها لن يهزم المشروع الصهيوني في فلسطين.

لم تخيّب الصحف الإسرائيلية ظننا فيها، كشفت للقارئ العربي تفاصيل الزيارة التطبيعية، وفضحت أهدافها، وعرّت أسماء الوفد وصفاتهم، وما تمت مناقشته معهم. أكثر من ذلك، نقلت لنا أماني أعضاء المعارضة الصهيونية في جعل اللقاء المقبل في الرياض.

في خضم هذا النوع من النقاشات، يحاول بعضهم التذاكي تارة، أو بستر عورته بشعاراتٍ ليس لها علاقة بالواقع تارة أخرى، كأن يقول إن هدف الزيارة الضغط على إسرائيل، للقبول بحل القضية الفلسطينية، أو يقول إن العلاقة الودية مع بعض النخب الصهيونية تدفع “الجناح المعتدل” داخل الحكومة إلى قبول المبادرة العربية، في حين أن التطبيع يشرعن الاحتلال، والأخطر أنه يكسر الحصار والمقاطعة التي يتعرّض لها الكيان، كما تساعده على بث دعايته المناهضة لحركة المقاطعة العالمية، وذلك بالقول للعالم “لماذا تقاطعوننا، في حين أن العرب أنفسهم لا يقاطعوننا”.

لكن مثل هذه الترّهات التي لا يستسيغها عاقل، ولا يمكن، بكل تأكيد، أن تطوف على من يفهم العقل الصهيوني، ومن يقف خلفه من المستشارين في واشنطن، وهم يسعون إلى استغلال التوترات الإقليمية والخضات الأمنية في هذه المرحلة، للضغط على بعض الدول العربية، من أجل إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، بما هو موجود على أرض الواقع اليوم، وليس على أساس 1967، أو حتى المبادرة العربية التي طرحها الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز.

يسعى الإسرائيلي، ومن خلفه الأميركي، إلى توريط السعودية، كي تكون بوابة عبور إسرائيل إلى الأمة العربية، مستغلين غضبة السعودية من إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في تعاطيها مع إيران، وذلك لإقناع المملكة بأن مفاتيح أبواب البيت الأبيض في جيب تل أبيب، في حين أن التاريخ القريب يخبرنا كيف فشلت الأخيرة في إقناع الولايات المتحدة بعدم توقيع الاتفاق النووي مع إيران.

تنقص زيارة الوفد السعودي التطبيعيّة الفجة من وزن الرياض عربياً وإسلامياً، ولا تضيف لها شيئاً، خصوصاً، وأن خصمها الإيراني اللدود مستثمر ذكي في القضية الفلسطينية. لكن، ماذا تقول عمن يكون توماس فريدمان مرشده؟

* محمد الصادق كاتب سعودي صدر له كتاب: “الحراك الشيعي في السعودية”.

المصدر | العربي الجديد