محمد الصادق يكتب: ما بعد الدولة الريعية

ثمة خلط عجيب بين نقد الليبرالية الحديثة وتهمة الحنين للشيوعية، أو على الأقل، حينما لا تكون منحازا للدولة الريعية أو الرأسمالية الحديثة، فإن هذا يفسر كأنك، بالضرورة، متطابق مع النظرية المقابلة، مع أن ما نمارسه ليس أكثر من نقد نظري للنماذج الاقتصادية المطبقة لدينا، وقراءة انعكاساتها الاجتماعية والسياسية.

في المملكة العربية السعودية، حدثت نقلة هائلة على مستوى المعيشة، بسبب أموال النفط، وما عاشه أجدادنا، وما ألفوه من فقر وقلة حيلة قبل اكتشاف البترول، لا يمت بصلة لما نعيشه اليوم. ليس فقط على مستوى الخدمات وسهولة التنقل، وإمكانية الوصول إلى المعلومات، وكلها من مظاهر العولمة، لكن على مستوى طبيعة الوظائف التي نشغلها، ونمط الحياة التي نعيشها، ووفرة المال “السهل” في بعض الحالات، بالنسبة لقطاعات اجتماعية مهمة، لم تكن تحلم بكذا معيشة في مكان آخر.

بفضل النفط لا سواه، انتقل مجتمع الجزيرة العربية من كونه مجتمعا هامشيا منعزلا عن العالم، لتصبح دوله في قلب الصراع الدولي، ينظر معظم ساسة الكوكب إلى استقرارها السياسي والأمني بحذر، من أجل الاطمئنان على تدفقاتها النفطية التي تضمن استقرار الاقتصاد العالمي.

بالنسبة لدولة كالمملكة، ما قبل النفط ليس كما بعده، ليس فقط على مستوى “إدمان” تدفقاته النقدية، واعتماد 20 مليون مواطن على استمراريته، حيث يشتغل 3 ملايين منهم في القطاع العام، وقرابة من 1.7 مليون في القطاع الخاص (55% من العاملين في القطاع الخاص رواتبهم أدنى من 3600 ريال، بحسب المتحدث باسم التأمينات الاجتماعية). لكن على مستوى العادات والسلوكيات الاجتماعية التي انقلبت رأسا على عقب، بعد الطفرة الأولى.

المجتمع الذي كان يوما ما فقيرا، تحول سريعا إلى البحث عن شراء أفخم السيارات، واقتناء أثمن الكماليات، ويسافر إلى أهم الوجهات السياحية العالمية. هذا كله شامل الدراسة والطبابة المجانية، وبعض الوظائف المريحة، من دون أن يكون مساهما مساهمة حقيقية في “العملية الإنتاجية” التي عوض غيابها أموال النفط.

هذا الحال في طريقه إلى التغير، والجيل الجديد من المسؤولين في جيبه خطة اقتصادية جديدة، ليس ضمنها تقديم كل هذه الامتيازات مجانا، وإن خالف سياسة اتبعت ستين عاما. وقد أعلنت صراحة أن الوضع السابق انقضى إلى غير رجعة، ما يعني أن المجتمع مقبل على تغيرات اقتصادية مؤلمة، لن تحتفظ الدولة الريعية بإحدى أهم سماتها: دولة “توزيعية”.

بكلمة أدق، سوف تتخلى الدولة عن مسؤولياتها الاجتماعية، مع الإبقاء على شكلها السياسي، وستتحول اقتصاديا إلى شيء آخر، قريب من رأسمالية بريطانيا وأميركا، ولن تلتزم بأحد أهم وظائفها، أو صفاتها الرئيسية، وهي توزيع جزء من الدخل على المواطنين، عبر تكديسهم في الجهاز البيروقراطي، في مقابل عدم المشاركة في اتخاذ القرار أو المحاسبة، كما أنها لن تتبرع بتحمل تكلفة الخدمات الأساسية، بل تدور الفكرة الحالية حول تحويل الدولة إلى مستثمر لديه “زبائن”، وليسوا مواطنين.

علينا قبل نقاش النموذج الاقتصادي الجديد، وإذا ما كان مناسبا لهذا المجتمع أم لا، تثبيت نقاط ضرورية. أولا، أضر نموذج الريع بالمجتمع كثيرا، وأفاده كثيرا، وهذه مفارقة. أضره إلى حيث جعل المواطنين يهجرون الوظائف الدنيا للأجانب، متجهين إلى وظائف شكلية في القطاع العام، بالتالي، سمح لقرابة 8.2 ملايين أجنبي من الإفادة من هذا النموذج، من خلال حجم التحويلات الشهرية التي تخرج من المملكة، بما لا يقاس بأي نموذج آخر.

وأفاد المجتمع في أمور أخرى، لكونه قضى على الأمية في فترة قياسية، وجعل التعليمين، الثانوي والعالي، في متناول الجميع تقريبا، كما إن الطبابة مجانا، بغض النظر عن مستوى كليهما.

ليس لدينا شك في أن الانخفاض الحاد في أسعار النفط، في مقابل ارتفاع الصرف، سبب رئيسي في التفكير في ترك النموذج الريعي، وإن كان التخلي سوف يشمل جوانب الصرف الاجتماعي فقط، من دون أن ينعكس ذلك القرار على ترك الاعتماد على النفط، أو تنويع مصادر الدخل عن طريق الإنتاج لكن النموذج القادم قد يكون أسوأ على مستوى الاستقرار الاجتماعي.

فالتحول من اتكالية كاملة إلى تخل تام، من دون المرور بمرحلة انتقالية، تهيئ الناس، وتحمي الطبقات الضعيفة، سوف تصحبه اختلالات في البنى الاجتماعية، لجهة الضغط أكثر على الفئات الأقل حظا، والتي لن يكون في مقدورها الحصول على الحد الأدنى من الخدمات، من دون دفع رسوم. أي أن الصحة والتعليم، وهما المرتكزان الرئيسيان لحفظ التوازن الاجتماعي، سوف تتطلبان رسوما دورية.

وإذا ما أضيف إليها رفع الدعم عن الكهرباء والبنزين، فإن حالة الطبقة الفقيرة والمتوسطة سوف تتدهور أكثر، وقد تضطر عوائل إلى سحب أبنائها من الدراسة، وإرسالهم إلى سوق العمل، لإضافة دخل إضافي، يغطي المصاريف الشهرية، ومن شأن هذا إذا حدث أن يقضي على فرص الترقي الاجتماعي، وينهي مرونة الصعود الطبقي التي كان يوفرها الريع، عبر التعليم المجاني، وهي من أشياء ساهمت سابقا في نقل أبناء الطبقة الفقيرة إلى مصاف الطبقة المتوسطة.

البحث عن تجاوز النظام الريعي أمر مطلوب. لكن يجب الحذر من تبعات النموذج البديل، فالضرر الذي سيصيب الفئات الضعيفة، بسياسية رفع الرسوم وتحويل الدولة إلى شركة تجارية قد يهدد الاستقرار الاجتماعي.

* محمد الصادق — كاتب سعودي صدر له كتاب: «الحراك الشيعي في السعودية»

المصدر | العربي الجديد