«محمد خاتمي»: محرك العرائس الحقيقي في مسرح انتخابات الرئاسة الإيرانية

مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الإيرانية، يتابع النقاد وصناع القرار على حدٍ سواء كل حركة وساكنة للمرشد الأعلى «آية الله خامنئي»، بحثًا عن أدلة حول المرشح الذي يفضله. ويسري افتراضٌ ضمني بأنّ الانتخابات تعتمد في نهاية المطاف على صوت واحد فقط، هو صوت «خامنئي». وفي الواقع، يسيطر المرشد الأعلى على الانتخابات أقل بكثير مما يعتقده الشعب. وإذا كان هناك محرك لعرائس المسرح الانتخابي في إيران، فإنّه ليس «خامنئي»، ولكن منافسه الإصلاحي، الرئيس السابق «محمد خاتمي»، الذي يحمل تأييده الوزن الأكبر.

وعلى الرغم من القوى التي لا حدود لها التي تُعزى إلى «خامنئي»، فإنّ السجل التاريخي واضح، حيث تميل أصوات المعارضة إلى السيطرة على الانتخابات الإيرانية. وبما أنّ «خامنئي» يرمز إلى المؤسسة، يميل الناخبون الإيرانيون إلى رفض المرشحين الذين يؤيدهم. وفي عام 1997، رأى الناس أنّ «علي أكبر طارق نوري» هو المفضل من قبل «خامنئي»، مما دفع الكثيرين إلى الاعتقاد بأنه كان يعد للرئاسة. ومع ذلك، فاجأ الشعب الإيراني العالم، و«خامنئي»، من خلال تأييدهم لمرشحٍ إصلاحيٍ مجهولٍ إلى حدٍ كبير، وهو «خاتمي».

وبعد ثماني سنوات، نجح مرشح آخر غير معروف باسم «محمود أحمدي نجاد» على حساب الراحل «علي أكبر هاشمي رفسنجاني»، والذي افترض أنّه المفضل لدى «خامنئي»، والذي يعتبر أحد أركان النظام الثوري. لكنّ السبب الأكبر كان لأنّ «رفسنجاني» كان يُنظر إليه على أنّه تجسيدٌ للمؤسسة، وذهبت الأصوات المعارضة للمؤسسة إلى «أحمدي نجاد».

وخلال الانتخابات التالية في عام 2009، عُكس دور «أحمدي نجاد»، فحين أصبح يتمتع بدعم «خامنئي»، عاد رئيس الوزراء الإيراني السابق، «مير حسين موسوي»، إلى الظهور بعد أكثر من عقدين من المنفى السياسي الداخلي، واعتبره الناخبون مرشحهم ضد مرشح المؤسسة. ولكن عندما تم الإعلان عن النتائج، فاز «أحمدي نجاد» بنسبة 62.6% من الأصوات، وحصل «موسوي» فقط على 34%، وخرج عددٌ قياسيٌ من الناس إلى الشوارع احتجاجًا على النتيجة، واصفين التصويت بالمزور. وأعربت عددٌ من البلدان في الغرب عن قلقها إزاء المخالفات الانتخابية، وسرعان ما تحول الاستياء المحلي ليشكل «الحركة الخضراء».

واستمر هذا النمط من الناخبين ضد النخبة في انتخابات عام 2013. وكان يعتقد على نطاقٍ واسعٍ أن المفاوض النووي الإيراني السابق «سعيد جليلي» هو مرشح «خامنئي» في السباق. ولكن بعد فرز الأصوات، حصل جليلي على 11.31% فقط من الأصوات. وكان ذلك بمثابة الرفض الكبير لتعامل جليلي في المحادثات النووية، ويمكن القول لـ«خامنئي» نفسه.

وحتى كبار مراقبي إيران داخل الحكومة الأمريكية كانوا مقتنعين بفوز «جليلي» بالرئاسة. وقال لي أحد العاملين بالبيت الأبيض بعد عامين: «لقد فوجئ الجميع. كان لدينا رهانٌ كبير على ذلك، ولم يكسب أحدنا الرهان». مرة أخرى، صدم الشعب الإيراني العالم، على الرغم من النمط الواضح الآخذ في الظهور.

وعلى الرغم من أنّ البعض قال أنّ «روحاني» كان يمكن أن يكون قد فاز فقط بدعم من «خامنئي»، فإن هذه نظرة تآمرية تقريبًا تجاه السياسة الإيرانية تربط كل الأحداث بإرادة «خامنئي». وخلصت الحكومة الأمريكية إلى أنّ «خامنئي» وغيره من المتشددين كانوا ببساطة يفتقرون إلى القدرة على تغيير نتائج الانتخابات. وقال نائب مستشار الأمن القومي بن رودس: «انتُخب (روحاني) في تحليلنا اعتراضًا على خيارات المرشد الأعلى».

كيف مهد «خاتمي» طريق «روحاني» في الانتخابات السابقة؟

الأكثر من ذلك، فاز «روحاني» على الرغم من أنّه هو كان في الواقع جزءًا من النظام و بالكاد كان شخصية معارضة. لكنّه كان يُنظر إليه على أنّه مرشح المعارضة، لأنّه حصل على تصريحات مشجعة من قبل الرئيسين السابقين «رفسنجاني» و«خاتمي»، اللذان تضرر وضعهما بعد دعمهما للحركة الخضراء عام 2009. وفي ذلك الوقت، انقسمت أصوات المحافظين بين ستة مرشحين، مما دفع «روحاني» إلى الاعتقاد بأنّه سيكون قادرًا على تأمين كامل أصوات الإصلاحيين والمعارضة. غير أنّ ذلك كان يتطلب أن ينسحب نائب الرئيس الإصلاحي السابق «محمد رضا عارف» من السباق ويدعم «روحاني». وكان هناك شخصٌ واحدٌ فقط يمكنه إقناع «عارف» للقيام بذلك، وهو «خاتمي». ولا يمكن إقناع «خاتمي» بمحاولة إقناع نائبه السابق إلى الإقلاع عن السباق سوى عن طريق شخصٍ واحد، هو «رفسنجاني»، وقد فعل.

وما حدث بعد ذلك، وفقًا لمصادر مقربة من «روحاني» و«خاتمي»، أنّه قبل أسبوعٍ من يوم الانتخابات، أرسل «خاتمي» إلى «عارف» مذكرة مكتوبة بخط اليد، تلتها مكالمة هاتفية مطولة تحثه على الخروج من السباق. ولكن على الرغم من الجهود التي بذلها «خاتمي»، رفض «عارف». وفي نهاية المكالمة، لم يتمكن «خاتمي» من الحصول على التزامٍ من قبل «عارف» سوى أنّه سيبحث الأمر. ولكن في اليوم التالي، قرر «عارف» على مضض أنّه سيكون من صالحه الانسحاب من الترشح. وكما بدأ العديد من السياسيين الإيرانيين اتباعه، استخدم عارف فيسبوك لإعلان انسحابه صالح «روحاني». وقال: «بالنظر إلى رأي السيد خاتمي الصريح، وتجارب الانتخابات الرئاسية السابقة، أعلن انسحابي من الحملة الانتخابية».

ومع ذلك، كان «روحاني» متخلفًا بشكلٍ كبير عن منافسيه المحافظين قبل أربعة أيام فقط من الانتخابات، وكانت الاستطلاعات تشير إلى أنّه في المركز الرابع، مع وجود محافظ طهران «محمد قاليباف»، والذي بدا كقائدٍ لا يمكن التغلب عليه. ومع ذلك، أدرك «رفسنجاني» و«خاتمي» بأنّ المتشددين في إيران يفوزون في الانتخابات إما عندما يغشون أو عندما يقنعون السكان بأن أصواتهم لن تكون مهمة، وهكذا أطلق الثنائي حملة سريعة للخروج إلى التصويت. ومن خلال مقاطع فيديو على موقع يوتيوب مسجلة مسبقًا، والتي سرعان ما انتشرت كالفيروس، سعيا إلى إقناع الجمهور بعدم التكاسل عن الانتخابات، على الرغم من الاحتيال الذي حدث قبل أربعة أعوام.

وبمجرد أن انتشرت مقاطع فيديو يوتيوب «خاتمي» و«رفسنجاني»، تغير كل شيء. في غضون يومٍ واحد، ارتفعت نسب التصويت لروحاني في استطلاعات الرأي من 14.4% إلى 26.6%، في حين بدأ «قاليباف» يفقد الأصوات. وبين عشيةٍ وضحاها، اختفى زخم «قاليباف». وعلى مدى اليومين التاليين، ارتفع الدعم لصالح «روحاني»، ليصل إلى 38% في اليوم السابق للانتخابات. وقال أحد مستشاريه أنّ هذا تحولٌ ملحوظ في الأحداث، أي قبل خمسة أيام فقط من الانتخابات، كان «روحاني» غير متأكد من إمكانية حصوله على أكثر من 10% من الأصوات. وبفضل جهود «رفسنجاني» و«خاتمي»، أصبح هو المرشح الأول بين عشيةٍ وضحاها.

ويمكن استخلاص درسين حاسمين من هذه السلسلة من الأحداث. أولًا، لأنّ «خامنئي» يجسد المؤسسة، لا يتحكم تأييده في النتيجة، لكنّ الشخصيات المحظورة والتي تناهض المؤسسة هي المؤثرة والتي لا يزال لها الحظوة داخل المجتمع الإيراني. وحاليًا، هذا الشخص الذي نبحث عنه هو «خاتمي»، الذي تمكن من الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي للتحايل على حظره عن وسائل الإعلام الحكومية منذ عام 2009.

ثانيًا، على الرغم من التدقيق غير الديمقراطي بشكلٍ كبير للمرشحين من قبل مجلس صيانة الدستور الإيراني، لا تزال الانتخابات الإيرانية لا يمكن التنبؤ بها بشكلٍ كبير. وعلى الرغم من أنّ المرشحين الموالين للنظام الديني الإيراني فقط هم من يسمح لهم بالترشح، إلا أنّ المرشحين الذين لديهم نهج مختلفة بشكلٍ صارخ عن ذلك الذي يفضله «خامنئي»، يتجاوزون هذا التدقيق. وفي الوقت الراهن، كل من «روحاني» والمرشح الإصلاحي «إسحاق جهانغيري» يناسبان هذا القانون. وهذا هو بالتحديد سبب مشاركة الإيرانيين في الانتخابات. حيث تمثل مثل تلك الترشيحات واحدةً من الفرص القليلة لتأثير الجماهير بشكلٍ جماعي على اتجاه البلاد، وتعطيل سيطرة «آية الله خامنئي».

المصدر | فورين أفيرز