محمد صالح المسفر يكتب: لو كنت مسؤولا في صنع السياسة الخارجية السعودية

لا جدال بأن الأخطار محدقة بالمملكة العربية السعودية من كل جهاتها الجغرافية مترامية الأطراف، وأن هناك أطرافا دولية تؤلب المجتمع الدولي على النيل من هذه الدولة قبلة العالم الإسلامي ومهد ديانته وحضارته.

ولا يمكن تجاهل قوى داخلية تعمل جاهدة على إرباك النظام السياسي اقتصاديا واجتماعيا وأمنيا، آخر تلك القوى الداخلية تم القبض على 54 شخصا من جنسيات مختلفة في موسم هذا الحج واستهداف رجال أمن في المنطقة الشرقية، ولا شك عندي بأن القيادة السياسية في المملكة مدركة لتلك الأخطار.

* * *

السؤال: ما الإجراءات التي اتخذتها القيادية السياسية في البلاد على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي الداخلي للحيلولة دون تكرار أو تصاعد تلك الأفعال؟

الإجراءات الأمنية عامل مهم، لكن ترسيخ مفهوم المواطنة وقواعد الوحدة الوطنية وتوحيد الجبهة الداخلية وإشعار كل مواطن بأنه مستهدف، عوامل لا بد من أخذها في الاعتبار وأن تعطى أهمية فائقة. نحن الشعب، يجب أن ننخرط في الدفاع عن الوطن والنظام السياسي والمكتسبات التي تحققت ونطلب المزيد من الانفتاح والشفافية، ذلك لا يتعارض مع وقوفنا صفا واحدا في وجه كل باغ أو معتد على كرامة الأمة والوطن ووحدته وسلامته.

في الساحة الدولية ونقطة البدء عندي من واشنطن وقانون جاستا لـ”مقاضات السعودية” الذي اعتمده مجلس النواب الأمريكي بغرفتيه في الذكرى الـ15 لإحداث تفجير مركز التجارة العالمي عام 2001، ومؤدى ذلك القانون أنه يسمح لأسر ضحايا تلك الهجمات برفع دعاوى ضد الحكومة السعودية أمام المحاكم الأمريكية، تحت حجة أن من بين المتهمين سعوديين.

وهذا القانون يخالف قاعدة قانونية تقول تقام الدعوى في وطن المدعى عليه، ومخالفة أخرى لقانون أمريكي صدر عام 1976 يمنح الحصانات القضائية للحكومات الأجنبية أمام المحاكم الأمريكية.

العائد على هذا القانون أن مر تحديا للفيتو الرئاسي المزمع استخدامه من قبل الرئيس باراك أوباما إشاعة الفوضى القانونية عبر العالم، وسيكون أول ضحاياه هم القيادات الأمريكية. مثلا في تاريخنا المعاصر، العراق تعرض لغزو عدواني من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا عام 2003، تحت ذرائع متعددة منها أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، وأنه ملجأ الإرهاب المتمثل في تنظيم القاعدة، ولم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية أو بريطانيا إثبات تلك التهم على العراق.

ونتيجة للغزو الأمريكي البريطاني راح آلاف الضحايا من الشعب العراقي، إلى جانب الجرائم ضد الإنسانية اللا أخلاقية التي مورست على أسرى عراقيين وعرضت على شاشات التلفزة العالمية في أبشع صورها (سجن أبو غريب)، وإعدام الرئيس صدام حسين رغم إعلان وزارة الدفاع الأمريكية أنه أسير حرب، ولا تجيز قوانين الحرب تسلم أسرى الحرب لجلاديهم المختلفين معهم سياسيا.

الاحتلال الأمريكي لأفغانستان وما لحق بالشعب من جرائم على يدي قوات الاحتلال، والطائرات الأمريكية بدون طيار التي قتلت الكثير من المدنيين اليمنيين بحجة أنهم ينتمون إلى تنظيم القاعدة.

أقصد من وراء هذا العرض التذكير بأن الإدارة الأمريكية ستكون تحت طائلة الكثير من المحاكم عبر العالم، وسوف يتعرض مواطنوها إن لم يُقتص من القيادات السياسية والعسكرية والأمنية لعواقب مخيفة وسوف لا يكون المواطن الأمريكي في مأمن، وعلى ذلك لا بد من إسقاط هذا القانون الظالم، علما بأن المملكة السعودية قدر بُرئت من تلك التهم وصادق عليها مجلس النواب الأمريكي. (الشرق الأوسط 16/ 9).

الجديد في الأمر أن إيران هي المتهمة بإحداث تفجيرات نيويورك وواشنطن ولم تتناولها وسائل الإعلام الأمريكية ولا القيادات السياسية في واشنطن بأي ذكر، وقد حكمت محكمة أمريكية بضلوع إيران في تلك الأحداث وغرمتها 7.5 مليار دولار لصالح أسر الضحايا، وحكمت أيضا على إيران بدفع تعويضات لشركة التأمين قدرها 3 مليارات دولار.

لكن مع الأسف الإعلام العربي عجز عن إبراز دور إيران في تلك الجريمة الكبرى واكتفى بالدفاع المتواضع عن السعودية.

لا أقلل من أهمية الزيارات لبعض عواصم العالم من قبل قيادات سياسية عالية المستوى، إنما الأهم عندي دور مؤسسات المجتمع المدني السعودي مع مؤسسات المجتمعات المدنية في عواصم الدنيا لشرح دور المملكة في مجال محاربة الإرهاب وتحقيق العدالة والمساواة في ربوع العالم.

تعالوا نعترف بأن وسائل إعلامنا لا يخرج تأثيرها عن الاستوديو الذي تذيع منه، أن كثرة بروز رجال الفقه الديني على وسائل الإعلام غير مجد في حالتنا والأكثر جدوى بروز رجال علم الاجتماع وعلم السياسة والعلاقات الدولية. والحق أننا محتاجون إلى كل جهد صادق.

* * *

لو كنت مسؤولا عن صنع السياسة الخارجية السعودية، كنت طلبت انعقاد مجلس الأمن الدولي بصفة عاجلة على مستوى رؤساء الوفود الحاضرة اليوم في نيويورك لحضور الدورة الـ71 للأمم المتحدة ووضعهم في حقيقة ما يجري في اليمن مستعينا بشاشات تعرض عليها الجرائم والدمار (صور حية) الذي يرتكبه الحوثيون والمخلوع ضد الشعب اليمني الشقيق وعرض الأسلحة الإيرانية المهربة إلى اليمن، التي تمت مصادرتها عن طريق البحرية الغربية والأمريكية واليمنية المتواجدة في بحر العرب والبحر الأحمر.

وعرضت صور الأطفال الذين يجندهم الحوثيون لخوض الحرب هناك، واستخدامهم للمدارس والمستشفيات والمراكز الصحية لأغراض عسكرية.

من حق السلطة الشرعية والمملكة السعودية إحضار مشايخ قبائل يمنية للإدلاء بشهادتهم أمام مجلس الأمن الدولي عما يفعله الحوثيون بالبلاد والعباد.

من حق المملكة وطبقا لقواعد الإجراءات في مجلس الأمن وبموجب سوابق مارستها الولايات المتحدة الأمريكية (الطائرة الكورية المدنية التي أسقطها الاتحاد السوفيتي في ثمانينات القرن الماضي وحرب أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي) إحضار الشهود وإحضار فيديوهات تثبت الوقائع والجرائم التي يرتكبها الانقلابيون في اليمن، إلى جانب الاعتداءات على مدن وقرى المملكة العربية السعودية، وحق السعودية في الدفاع عن حدودها بكل الوسائل.

ومهمة الوفد السعودي الدائم في نيويورك حشد أكبر عدد من المتحدثين الذين يناصرون الشعب اليمني في استعادة سلطته وسيادته من يد الانقلابيين.

لو كنت مسؤولا سعوديا لجعلت هذه الدورة للجمعية العامة دورة سعودية بامتياز، على كل الصعد، وفي لجان الجمعية العامة دون استثناء ويمكن إحضار شهود من مشايخ ومفكري اليمن والسعودية للإدلاء بشهاداتهم أمام هذه اللجان التابعة للجمعية العامة عن حال اليمن في ظل حكم الحوثيين والرئيس المخلوع صالح، ودور إيران في اليمن والخليج العربي والعراق وسوريا ولبنان.

آخر القول: دبلوماسية نشطة في نيويورك، وإنجازات حيوية في ميدان القتال لصالح المقاومة والشرعية عن طريق التسليح الجيد والمال والعناية بالمدنيين وجرحاهم سيتحقق النصر على البغاة بإذن الله عز وجل.

* د. محمد صالح المسفر أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر.

المصدر | الشرق القطرية