محمد عايش يكتب: في #تركيا.. إفشال الانقلاب يحتاج للتطهير

تتزايد الانتقادات للإجراءات التي اتخذها — ولا يزال يتخذها — الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضد الانقلابيين الذين حاولوا الاستيلاء على السلطة بالقوة والانقضاض على صناديق الاقتراع، ويتمترس المنتقدون خلف ستار «حقوق الإنسان» التي باتت تُمثل شماعة مكشوفة لمؤيدي الانقلاب، حتى وصل الحال بأن ينشغل الإعلام المصري بالحديث عن حقوق الإنسان في تركيا لدرجة أن من يستمع لأحمد موسى يظن بأنه يتحدث من جنيف أو باريس وليس من بلد فيه 42 ألف سجين سياسي.

بعيداً عن المقارنات ورغم الإقرار بأن كل البشر سواء ارتكبوا جرائم أو نفذوا انقلابات أو ناموا في بيوتهم يجب أن يتمتعوا بحقوقهم الأساسية المكفولة في المواثيق والشرائع الدولية، فإن واقع الحال هو أن الإجراءات التي تم اتخاذها حتى الآن في تركيا لا تزال في الإطار الطبيعي، حيث أن الانقلاب لا ينتهي إلا بتنظيف كل ذيوله وآثاره، وإزالة المسببات التي أتاحت الفرصة له أصلاً بأن يظهر، والقضاء على البيئة التي نشأ فيها.

وفي كل مرة يتم الحديثُ فيها عن حقوق الإنسان التي ينبغي أن يتمتع بها المتورطون في محاولة الانقلاب، فانه لا بد من الإشارة إلى أن هؤلاء ارتكبوا خلال أربع ساعات نجح فيها الانقلاب مجازر ذهب ضحيتها 290 مواطنا تركيا، أي أن الانقلابيين سيطروا على الحكم لمدة ساعات قتلوا خلالها 290 مواطنا تركيا، ما يعني أن الانقلاب العسكري في تركيا كان يذهب ضحيته قتيل واحد كل دقيقة!

بلغة الأرقام والبيانات فإن الإجراءات التي اتخذتها الدولة التركية ضد الانقلابيين حتى الآن تظل طبيعية أو أقل، فبالنظر إلى حجم الجيش التركي فإننا نتحدث عن أكثر من نصف مليون إنسان، وهو ثاني أضخم قوة عسكرية في حلف الناتو، ما يعني أن اعتقال 18 ألف شخص، بين عسكري ومدني، على ذمة محاولة الانقلاب الفاشلة يمثل رقماً طبيعياً، كما أن تركيا التي مرت بأربع انقلابات عسكرية سابقة في تاريخها الحديث كانت في كل مرة تدفع ثمناً أكبر بكثير عندما ينجح الانقلاب من ذلك الثمن الذي تدفعه اليوم بفشل الانقلاب وانهيار الانقلابيين.

أضف إلى كل هذه الحقائق أن المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا كشفت أمراً بالغ الأهمية والخطورة ويهدد بانهيار الدولة التركية، وهو وجود تنظيم سري داخل المؤسسة العسكرية يقوده رجل يخلط بين الدين والسياسة ويقيم في الخارج (الولايات المتحدة)، ما يعني أن محاولة الانقلاب لم ينفذها الجيش أصلاً، وإنما نفذها عناصر تنظيم فتح الله غولن داخل الجيش، وهو التنظيم الذي يمتد بكل تأكيد نحو مؤسسات عديدة في الجمهورية التركية، ولا يتوقف على الجيش، إذ يبدو أن مجموعة غولن في الجيش ليست سوى الذراع العسكري الضارب للتنظيم ليس أكثر.

بهذه المعطيات فإن إفشال محاولة الانقلاب بشكل كامل يقتضي استئصال التنظيم (الكيان الموازي) من الدولة، خاصة بعد أن تورط هذا التنظيم في دماء المواطنين الأتراك، لا بل استخدم أسلحة الجيش الوطني التي كان مؤتمناً عليها في قتل المدنيين الأبرياء — كما شاهدنا على جسر البوسفور وفي أماكن أخرى من البلاد.

أما عملية استئصال تنظيم تغلغــل في الدولة التركية بهذه الطريقة العنكبوتية وبهذا الحجم فلا يمكن أن تنجح بمجرد اعتقال من اعتلوا ظهور الدبابات وحملوا السلاح ونزلوا إلى الشارع ينفذون أعمال القتل والترويع، وإنما من الطبيعي أن تمتد عملية الاستئصال إلى السلك القضائي والجهاز التعليمي ومختلف مؤسسات الدولة لضمان تجفيف منابع التنظيم الذي كاد يطيح بالديمقراطية في البلاد واعتدى على نتائج صناديق الاقتراع وأصوات الناخبين فيها.

خلاصة القول، فإن الإجراءات التي اتخذتها تركيا حتى الآن لإفشال الانقلاب لا زالت في إطارها الطبيعي والمعقول، لأن مرحلة ما بعد الانقلاب الفاشل هي مرحلة انقلابية، والانقلاب لا يفشل إلا بانقلاب، أما الثمن الذي تدفعه تركيا اليوم فهو لا شيء مقارنة بذلك الذي كانت ستدفعه لو نجح العسكر في الاستيلاء على الحكم وألغـــوا نتائج صناديق الاقتراع، فالانقلابيون كانوا يقتلون مواطناً تركياً كل دقيقة خلال استيلائهم على الحكم، بينما لم يقتل النظام ولو مواطناً واحداً منذ فشل الانقلاب وحتى الان.

المصدر | القدس العربي