مصر.. حساب ختامي: سطوة الفساد وعجز الإدارة وغياب المراقبة

تعكس الحسابات الختامية لموازنة الدولة المصرية، جانبا هاما عن حالة الاقتصاد، وتكشف الفروق بين ما خطط له في الموازنة، وما تم تحقيقه فعليا بعد انتهاء العام المالي 2016–2017.

وتوضح الفروق بين النفقات والإيرادات مدى قدرة الحكومات على إدارة الاقتصاد بشكل حقيقي، لا بإطلاق الشعارات والدعاية المضللة. فحساب النفقات والإيرادات يقدم لنا صورة حقيقية للوضع المالي للهيئات العامة، سواء كان الفارق بالسلب، فتكون المحصلة عجزا في الموازنة يدفع إلى الاستدانة، أو بالإيجاب وتعني تحقيق أرباح يمكن توجيهها وإعادة استثمارها مرة أخرى.

ويمكن القول أيضاً إن الحساب الختامي يقدم لنا صورتين أساسيتين؛ الأولى تعبّر عن الأداء الإجمالي للحكومة ككل، وهل فعليا استطاعت تحقيق إنجازات حقيقية انعكست في زيادة الحصيلة المالية أو زيادة قيمة الأصول، بينما الصورة الثانية توضحها بنود وأبواب الحساب الختامي، وهي صورة تفصيلية لكل هيئة عامة على حدة، ومن خلالها يمكن معرفة المركز المالي لكل قطاع من القطاعات التابعة للدولة.

ونظرا لأن الحسابات الختامية تقترب من الأرقام وتبعد عن اللغة الدعائية، فإنها توضح بدقة مقدار ما تحقق من النجاحات والإخفاقات.

وعلى جانب آخر يعكس الحساب الختامي بوصفه أداة محاسبة مالية مدى التزام الحكومة وأجهزتها الرقابية بتطبيق قواعد الشفافية وسيادة القانون ومواجهة عمليات الفساد وإهدار المال العام.

وحسب الدستور الحالي، فإنه يجب على الحكومة «عرض الحساب الختامي للموازنة العامة للدولة على مجلس النواب، خلال مدة لا تزيد عن ستة أشهر من تاريخ انتهاء السنة المالية، ويعرض معه التقرير السنوي للجهاز المركزي للمحاسبات وملاحظاته على الحساب الختامي، ويتم التصويت على الحساب الختامي بابًا بابًا».

ووفقاً لذلك، ناقشت لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب، على مدار 4 أشهر، الحسابات الختامية التي قدمتها وزارة المالية للبرلمان، في نهاية شهر يناير/ كانون الثاني الماضي.

ورغم أن الوزارة لم تنشر التقرير على موقعها، إلا أن هناك بعض البيانات التي نُشرت على لسان أعضاء لجنة الخطة والموازنة في البرلمان تحتاج إلى نقاش، نظرا لما تضمنته من حقائق تمثل مؤشرات اقتصادية خطيرة.

فقد كشف التقرير عن أن بعض الهيئات الاقتصادية لم تقدم محاضر الحساب الختامي منذ 5 سنوات، وهذا الأمر لا يمكن النظر إليه بوصفه مخالفة إدارية فحسب، لأنه يدل على أن هناك احتمالات قوية بوجود وقائع فساد سعت تلك المؤسسات إلى إخفائها عن البرلمان والرأي العام، وهو أمر معتاد في الدول التي تحمي شبكات الفساد، فغالبا ما يتم تأخير أو حجب البيانات الختامية للمؤسسات الاقتصادية لإخفاء عمليات الفساد.

وفي هذا الإطار أيضا، بلغ عدد الهيئات التي لم تعقد مجالس إدارتها اجتماعات لاعتماد حساباتها 16 هيئة من إجمالي الهيئات، البالغ عددها 51 هيئة، بينما اعتمدت 28 هيئة حساباتها بعد المواعيد المقررة لها.

وعلى الجانب الآخر، تم الكشف عن مقدار الخسائر والتي وصلت إلى 119 مليار جنيه، كانت في مقدمتها خسائر هيئة السكك الحديدية، والتي وصلت إلى 47 مليارا، واتحاد الإذاعة والتلفزيون الذي وصلت خسائره إلى 32 مليار جنيه.

أمام ما تضمنه التقرير من بيانات، يتضح أن جزءاً من حوادث الفساد وإهدار المال العام صادم، لذا أوصت لجنة الموازنة باتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المسؤولين في 44 هيئة اقتصادية وتحويلهم للنيابة الإدارية، وكذلك تشكيل لجان تقصّي حقائق للبحث حول أسباب خسارة تلك الهيئات.

اللافت للنظر أن بعض الهيئات الخاسرة هي هيئات خدمية تم رفع رسومها أكثر من مرة كهيئة السكك الحديدية، التي يستخدمها حوالى 500 مليون راكب سنويا، والتي لا يمكن فهم أسباب خسائرها في ظل تضاعف أسعار خدماتها المقدمة للجمهور، على مدار ثلاث سنوات مضت، وهذا يعني أننا أمام عمليات فساد واسعة يتم من خلاها نهب موارد الهيئات العامة.

كما تستفيد مجموعات الفساد والبيروقراطية من وجودها في الهيئات العامة، إذ تقوم مجموعات المصالح باستغلال الفرصة للاستفادة من هذه الأوضاع عبر ترويج مقترح هيكلة تلك القطاعات وبيعها أو تصفيتها بدعوى أنها خاسرة وتحمّل الدولة أعباء ضخمة.

وهذه الأصوات بجانب أنها تمثل مصالحها فإنها تساند النظام في تنفيذ عملية بيع الأصول المملوكة للدولة لزيادة الحصيلة النقدية لتحل أزمتها المالية، وتقدم هذه الأصوات أيضا تبريراً للحكومة لزيادة أسعار الخدمات، وإذا تم بيع أو تصفية بعض الهيئات فإن هناك قطاعات من المستثمرين ستضمن استدامة مصالحها وتراكم أرباحها عبر أمرين، الأول شراء بعض الهيئات التي يمكن أن تحقق أرباحا، والثانية إفساح السوق لشركاتها واستثماراتها لتحقيق مزيد من الأرباح عبر احتكار السلع والخدمات التي تقوم الدول بتقديمها .

ويتضح، من البيانات التي تم إعلانها، عدد من الحقائق:

أوّلاً: إن الأزمة الاقتصادية ستزداد اتساعا مع مؤشرات الفساد وإهدار المال العام.

ثانياً: علاقة النظام بشبكات الفساد علاقة معقدة تضعنا أمام احتمالين، إما عدم قدرة الدولة على مواجهة الفساد أو رغبتها في المواجهة، خشية مواجهة الكتل البيروقراطية التي تدير الهيئات الخاسرة وتعتاش على الفساد. وكانت سيطرة تلك الكتل الفاسدة على المؤسسات تمثل صفقة بينها وبين النظام كأداة لضمان تأييد البيروقراطية للسلطة، «نتغاضى عن فسادكم مقابل شراء الولاء والتأييد».

ثالثا: إن التشكيلة القائمة من الفساد والأداء الإداري المترهل يمثلان تحدياً لقدرة المجموعة الوزارية الاقتصادية لمواجهة أعباء الأزمة الاقتصادية، كما يعبران عن عجز أعضاء المجموعة الاقتصادية عن رفع أصواتهم ضد كتل الفساد، وأن بعضهم يخدم توجهات قطاعات اقتصادية واستثمارية خاصة يرتبطون بها قبل مجيئهم للحكومة.

وإذا كان الوضع هكذا في السلطة التنفيذية المتمثلة في الحكومة، فإن السلطة التشريعية، وهي مجلس النواب، لا ينتظر منها متابعة جادة أو القيام بمهام الرقابة والمحاسبة، خاصة أن أغلب أعضاء البرلمان ينتمون إلى دوائر تحمي كتل الفساد ومجموعات المصالح التي أتت بهم إلى المجلس.

خلاصة القول، إننا أمام صورة كلية لوضع اقتصادي مأزوم، وتوجهات خاطئة، وعجز في الإدارة، وسطوة لكتل الفساد أمام نظام المراقبة والمحاسبة.

* عصام شعبان كاتب وباحث مصري.

المصدر | عصام شعبان | العربي الجديد