مصطفى عبد السلام يكتب: أزمة الدولار و«شيطنة» شركات الصرافة

تتعرض العديد من دول المنطقة لاضطرابات شديدة في سوق الصرف الأجنبي، وقد نجم عن ذلك حدوث ارتفاعات ملحوظة ومتواصلة في سعر الدولار والعملات الرئيسية الأخرى مقابل العملات الوطنية.

كما واكب ارتفاع الدولار حدوث زيادات قياسية في أسعار السلع والخدمات، وهروب جماعي للاستثمارات خاصة الأجنبية، وإغلاق مئات المصانع والشركات، وتعرض الاقتصاد لخسائر فادحة، إضافة لتفاقم عجز الموازنة العامة للدولة وزيادة تكلفة الواردات.

حدث ذلك في مصر وسوريا والعراق واليمن والجزائر وتونس وليبيا والسودان وجنوب السودان وغيرها .

وبدلا من قيام حكومات هذه الدول بمعالجة أصل المشكلة، وهي ندرة النقد الأجنبي الناتجة عن حدوث قلاقل واضطرابات سياسية وأمنية، وربما حروب داخلية بها، ومحاولة إيجاد حل للأزمة عبر الأدوات والسياسات الاقتصادية والمالية المعروفة، وتوفير الدولار للأسواق، تلجأ معظم الحكومات للحلول الأمنية والقمعية لحل الأزمة.

والغريب أن الحكومات تظن أن هذه الحلول الأمنية كافية لإعادة الاستقرار لسوق الصرف الأجنبي، لأنها من خلاله ترهب المضاربين وتردع تجار العملة والسوق السوداء، وبالتالي تؤدي للهدف الذي تسعى له وهو تحسن قيمة العملات الوطنية مقابل الدولار وإخماد نار أسعار السلع المشتعلة والتخلص من الدولار.

وهذا الأمر غير صحيح لأن الحلول الأمنية لا يمكن أن تعالج مشكلة اقتصادية، فقد تعيد هذه الحلول الاستقرار لسوق الصرف لمدة يوم أو أكثر، أو حتى أسبوع، لكنها لا تعيد الاستقرار لمدة شهر أو أكثر، حيث ستعود الأسعار إلى وضعها السابق.

وربما تلجأ الحكومات لحلول أخرى غير أمنية لمعالجة أزمة الدولار، منها استخدام سلاح الدين في معالجة الأزمات الاقتصادية، وإطلاق فتاوى على مقاس أولي الأمر والحكام، وهذا الأمر سنعود للحديث عنه في وقت لاحق.

وعودة للحلول الأمنية نجد أن آخر ما تفتق عنه ذهن الحكومات السابقة لمعالجة أزمة الدولار هو الإغلاق المكثف لشركات الصرافة، وسحب تراخيص العديد منها، بل وتهديد ما تبقى من شركات بسحب تراخيصها وإغلاق أنشطتها نهائيا مع مصادرة الأموال التي بحوزتها.

ويواكب ذلك أيضا حملات أمنية مكثفة لاقتحام مقار شركات الصرافة، وملاحقة تجار العملة والمضاربين في الشقق والوحدات السكنية التي يقيمون بها.

والأخطر من ذلك إطلاق حملات إعلامية مكثفة تهدف لـ “شيطنة” شركات الصرافة والمتعاملين معها، وإعطاء انطباع للرأي العام بأن هذه الشركات “شيطان رجيم” و”خائن أعظم” يسعى لتدمير الاقتصاد القومي ويهدد الأمن القومي والاقتصادي للبلاد، وأن أصحاب هذه الشركات يجمعون الدولار من السوق لصالح جماعات تسعى للإضرار بنظام الحكم، وأن هناك مؤامرة على مصر تدعمها شركات الصرافة إلى آخر هذه الكلمات البائدة والسمجة التي ظننا يوما ما أننا لن نسمعها مرة أخرى.

حدث ذلك في مصر، حيث تمت “شيطنة شركات الصرافة” خلال الفترة الماضية وتحميلها أزمة الدولار كاملة، على الرغم من أن القاصي والداني يعرف أن الأزمة سببها ندرة النقد الأجنبي بالبلاد وتهاوي قطاع السياحة.

بل وصل الأمر إلى حد مطالبة محامين بغلق شركات الصرافة 6 أشهر، بزعم تهديدها الأمن القومي، وحسب الدعاوى القضائية التي أقامها بالفعل محامون، فإن هذه الشركات تتلاعب بسعر الدولار وبيعه بسعر أعلى من البنوك الحكومية، مما يدمر الاقتصاد. وحددت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، أمس، جلسة 25 أغسطس/آب المقبل، لنظر أولى جلسات الدعاوى.

ولا تقف مصر فريدة في استخدام أسلوب الملاحقات الأمنية في معالجة أزمة اقتصادية، فالسيناريو يتكرر حرفيا في سورية، فهناك إغلاقات مستمرة لشركات الصرافة وملاحقات للعاملين بها، وقبل نحو ثلاثة أسابيع أصدر مصرف سورية المركزي، قرارا بإغلاق العديد من شركات ومكاتب الصرافة لمدة شهر، بحجة المضاربة في الدولار والتعامل بأسعار السوق السوداء، وعدم التزامها بشراء المبالغ المحددة من قبله وإعادة بيعها لتغطية الطلب على القطع الأجنبي.

وتكرر السيناريو في اليمن حينما قامت جماعة الحوثي، التي سطت على الحكم باليمن في سبتمبر/أيلول 2015، بإغلاق شركات الصرافة واستخدام العصا الأمنية في ملاحقة المضاربين.

هذه نماذج لمعالجات حكومية لواحدة من أخطر الأزمات، التي تهدد اقتصاديات دول المنطقة.

* مصطفى عبدالسلام — كاتب ومحرر اقتصادي مصري

المصدر | العربي الجديد