مصطفى عبد السلام يكتب: أمن مصر الاقتصادي مهدد

يتصور كثيرون أن أمن مصر القومي يقف عند الأمن السياسي، واستقرار الأوضاع الداخلية، أو عند حماية حدود البلاد الخارجية خاصة من الجانب الشرقي حيث يقع عدو مصر التاريخي، وكذا من الغرب حيث بات تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” قابعا شرق ليبيا ويمكن أن يهدد حدود مصر الغربية.

ويتوسع البعض في الحديث عن مقومات هذا الأمن القومي بإضافة ملفات أخرى، منها القضية الفلسطينية ومقاومة الإرهاب الذي يقوده تنظيم “داعش” وولاية سيناء، ومن على شاكلتهم، والحفاظ كذلك على أمن مصر المائي في القارة الأفريقية، والدفاع عن الأمن القومي العربي، وفي مقدمته أمن دول الخليج.

ومنذ سنوات، مثّلت قضية مواجهة المد الشيعي المتنامي في المنطقة العربية أحد أبرز أركان الأمن القومي المصري، ومن هنا ساندت مصر العراق في حربها الطويلة مع إيران في ثمانينات القرن الماضي، ودخلت القاهرة في خلافات حادة مع حزب الله اللبناني، حتى أثناء حربه مع الكيان الصهيوني في صيف عام 2006.

لكن هذا المفهوم التقليدي لأمن مصر القومي بات قاصراً، ويحتاج إلى إعادة نظر، في ظل التطورات السريعة التي تموج بها المنطقة، وتصاعد الحروب والصراعات في أكثر من اتجاه، وتقسيم دول كانت حليفا قويا لمصر في سنوات سابقة مثل سوريا والعراق.

الأمـن الاقـتـصادي

لم يعد الأمن القومي المصري قاصراً على الملفات السياسية والحدودية والمخابراتية التقليدية، رغم أهميتها في حماية الدولة من المخاطر، بل إن ملفات اقتصادية مهمة وخطيرة يجب أن تشكل أولويات الأمن القومي المصري الحالية والمستقبلية.

على رأس هذه الملفات استقرار سوق الصرف، ووقف انفلات سعر الدولار أمام العملة المحلية والانهيار المتواصل للجنيه، وكذا الأمن المائي وأمن الطاقة، وأمن الغذاء خاصة وأن مصر باتت أكبر مستورد للقمح والذرة في العالم،

كما أن أمن مصر القومي في حاجة لمواجهة أزمات البطالة خاصة بين الشباب حتى لا يتم تركهم نهبا للمخدرات والإرهاب، وكذا معالجة كارثة تفاقم الدين الخارجي والمحلي التي باتت تهدد اقتصاد البلاد وتنذر بخطر شديد على الأجيال القادمة وتشل أي تنمية مستقبلية.

وهناك ملف الحفاظ على العمالة في الخارج، البالغ عددها 10 ملايين مصري وعدم اهمالهم حتى لا تنقطع صلتهم بالوطن الأم، وبالتالي نفقد تأثيرهم الخارجي والأموال الضخمة التي يحولونها للداخل والتي تجاوزت في بعض السنوات 20 مليار دولار.

وهناك ملفات ربما أكثر خطورة وتتعلق بالإنتاج وإعادة تشغيل الاف المصانع المغلقة والتي أثر اغلاقها بشكل شديد على الصادرات المصرية للخارج.

استقرار ليبيا

كما أن قضايا من عينة استقرار ليبيا داخلياً باتت أحد أركان أمن مصر القومي ليس السياسي ولكن الاقتصادي أيضاَ، وهنا لا أتحدث عن ضبط الحدود بين مصر وليبيا لمنع تهريب السلاح والإرهاب، ولكنني أتحدث عن دعم مصر لاستقرار ليبيا الداخلي، وليس مساندة طرف على حساب آخر، فاستقرار ليبيا يمكن أن يحل معظم مشاكل مصر الاقتصادية التي تهدد حالياَ أمنها القومي.

ففي حال استقرار الجارة الغربية، فإنها ستدعم استقرار أمن مصر القومي، عبر استيعاب أكثر من 2 مليون مصري كانوا يعملون على أراضيها قبل عام 2011، كما أن الأسواق الليبية يمكن أن تكون مصدراً مهماً للنقد الأجنبي لمصر، وزيادة تحويلات المغتربين وإنقاذ الاحتياطي لدى البنك المركزي، الذي فقد أكثر من 50% من قيمته منذ قيام ثورة 25 يناير.

وليبيا في حال استقرارها يمكن أن تكون متنفسا قويا للشركات المصرية الكبرى خاصة العاملة في مجال البناء والتشييد والعقارات، أو في مجال البنية التحتية كشبكات الطرق والكباري وانتاج الكهرباء والطاقة.

وليبيا التي ساندت مصر وبقوة في عام 2012، عن طريق منح البنك المركزي المصري وديعة بقيمة ملياري دولار، وأبقت على استثماراتها داخل البلاد، رغم عدم تسليمها رموز نظام معمر القذافي، يمكن أن تكرر هذا الدور، وأن تعوض الاستثمارات الأجنبية التي هربت من البلاد طوال السنوات الخمس الماضية.

غـاز (إسـرائيل)

أمن مصر القومي لم يعد قاصرا على ملفات الحدود والجاسوسية والقضية الفلسطينية والشيعة وأمن الخليج والأمن المائي، ولكن تعداه لما هو أخطر من ذلك، وقصدت بالأخطر الملفات الاقتصادية، وهي ملفات يجب أن تشكل أولويات الأمن القومي المستقبلية.

ولذا لم أستوعب بعد مسألة أن يصبح أمن الطاقة المصري المستقبلي في يد إسرائيل، فهذا يتناقض مع مفهوم الأمن القومي الذي من أبسط قواعده، ألا أعطي رقبتي للعدو التاريخي القابع على الحدود الشمالية الشرقية.

من المعروف أن مصر تمر بأزمة طاقة عنيفة تؤدي في بعض الأوقات إلى انقطاع في الكهرباء، اما تأثيرها الأخطر فهو على القطاعات الاقتصادية، وفي مقدمتها المصانع كثيفة الطاقة وبالتالي تعطل الإنتاج وتؤثر سلباَ على مناخ الاستثمار.

ودفعت هذه الأزمة الحكومة المصرية للتعاقد على استيراد الغاز ومشتقات الطاقة من الخارج.

والاستيراد اتجه هنا لمسارين: الأول يتعلق بمشتقات النفط كالمازوت والنفط المكرر والبنزين والسولار، وهذه يتم الحصول عليها من السعودية والإمارات والكويت، صحيح أن ثمنها لم يصبح مجانيا كما جرت العادة منذ منتصف يوليو 2013 ولكنها تكفي بالغرض، بل ان السعودية قدمت لمصر قرضا بقيمة 23 مليار دولار لتمويل واردات البلاد من المشتقات البترولية على مدى 5 سنوات.

والمسار الثاني هو استيراد الغاز، وهنا تكمن المشكلة، فغاز مصر صدره نظام مبارك إلى إسرائيل، والسوق المحلية بحاجة إلى غاز لتشغيل المصانع ومحطات إنتاج الكهرباء، وأسواق الغاز متوافرة لدى دول محدودة منها روسيا وقطر وإيران والجزائر.

وبالطبع لن تستورد مصر الغاز من قطر وإيران بسبب حساسية تعامل النظام الحاكم مع الدولتين، ولن تحصل مصر على الغاز الروسي بسهولة لتكلفته العالية وبعده المكاني رغم ابرام القاهرة عدة تعاقدات مع موسكو، أما الغاز الجزائري فلا تزال محاولات استيراده محدودة، في ظل اعتبارات كثيرة منها عدم منح الجزائر مزايا للحكومة المصرية تتعلق بأسلوب السداد وأجله.

أمـن الـطاقة

النظام الحالي في مصر وضعنا أمام خيارات محدودة لتأمين مصادر الطاقة والقضاء نهائيا على مشكلة انقطاع الكهرباء، ومن أبرز هذه الخيارات استيراد الغاز من إسرائيل رغم وجود بدائل كثيرة لحل هذه المشكلة المعقدة، فمحطات إنتاج الكهرباء في حاجة إلى غاز، والغاز متوافر لدى إسرائيل، حسب مقربين من النظام، رغم أن دولاً أخرى كثيرة يتوافر لديها الغاز بنظافة أكبر، وربما بسعر أقل.

ومن هنا بدأ مشوار مصر لاستيراد الغاز من إسرائيل، عبر الدخول في مفاوضات تتسم بالسرية وتجري تحت الطاولة وبعيداً عن أعين الاعلام المصري والرأي العام.

ولدينا ثلاثة مصادر عالمية موثوق بها تؤكد أن الحكومة وقعت بالفعل خطابات نوايا لاستيراد الغاز من إسرائيل في صفقة قيمتها 60 مليار دولار ولمدة 15 عاماً، وهذه المصادر هي وكالة رويترز العالمية ومؤسسة بلومبرج الاقتصادية الشهيرة وميديل إيست مونيتورز الأميركية.

كما أكدت المعنى أيضاً صحف عالمية واسعة الانتشار، منها “وورلد تريبيون”، التي كشفت عن وجود مفاوضات مصرية مع كونسورتيوم إسرائيلي تقوده شركة “نوبل إنرجي” الأميركية لتزويد مصر بالغاز الإسرائيلي، كما تم توقيع خطاب نوايا مع مجموعة بي.جي البريطانية لنفس الغرض.

ورغم النفي المصري الرسمي المتكرر لهذه المفاوضات، ثم اعترافه بها في أوقات لاحقة ونادرة، الا أن المؤسسات الدولية كشفت عن أن توريد الغاز الإسرائيلي لمصر تم بالفعل الاتفاق على كل تفاصيله، حيث ستتم عملية التوريد من خلال حقل لوثيان الإسرائيلي الواقع في البحر المتوسط والذي سيزود مصر بسبعة مليارات متر مكعب غاز سنوياً، لمدة 15 عاماً عبر خط أنابيب بحري يجري حاليا تأسيسه .

وعلى الرغم من اكتشاف شركة ايني الإيطالية أكبر حقل لإنتاج الغاز على مستوي العالم قبالة السواحل المصرية ويكفي تغطية احتياجات السوق لمئات السنوات الا أن صفقة استيراد مصر الغاز الاسرائيلي لا تزال مستمرة.

إذن نحن أمام صفقة تتعارض كليا مع أبسط قواعد الأمن القومي المصري، ذلك لأنها ترهن أمن الطاقة المصري بإسرائيل ولسنوات طويلة.

أزمـة الـدولار

قفز سعر صرف الدولار في السوق السوداء إلى أكثر من 12.5 جنيهاً، وصاحب ارتفاع الدولار زيادات مماثلة وربما أكثر في أسعار السلع الرئيسية كالدواجن واللحوم والسكر والزيوت والأغذية ووسائل النقل والمواصلات والسلع الكهربائية وغيرها من السلع المتعلقة بالمواطن العادي.

لم يقف الأمر عند حد زيادة السعر، بل زادت عمليات تخزين الدولار من قبل تجار العملة انتظاراً لارتفاع محتمل في قيمته، وبالتالي تحقيق أرباح عالية، وزادت أيضاً حدة المضاربات على العملة الأميركية، خاصة من قبل تجار العملة والمضاربين وشركات الصرافة التي أغلق البنك المركزي نصفها مؤخراً لتعاملها في السوق السوداء، ومخالفة قانون النقد الذي يحظر عليها بيع الدولار بأسعار تختلف عن الأسعار المعلنة على الشاشات.

كما سارع التجار والمستوردون لشراء الدولار لتخزينه تفادياً للتعرض لخسائر ضخمة محتملة وتكاليف إضافية في حال ارتفاع سعره، بل ووصلت حدة المضاربات لرجل الشارع العادي الذي بات يعتبر أن المضاربة في الورقة الخضراء أفضل أنواع الاستثمار، خاصة مع ضعف جاذبية الاستثمارات الأخرى مثل الذهب لارتفاع سعره، والبورصة لعدم استقرارها.

أزمة الجنيه مستمرة

السؤال هنا: هل يتوقف سعر الدولار في مصر عن الارتفاع؟

بالطبع لا، فخفض قيمة الجنيه المتواصل أمر لا مفر منه، لأن المشاكل التي أدت لزيادة سعر صرف الدولار لا تزال قائمة ومستمرة وتتمثل في الانخفاض الحاد في إيرادات النقد الأجنبي، خاصة من قطاعي السياحة والصادرات، وكذا تراجع إيرادات المصادر التقليدية الأخرى مثل تحويلات المصريين العاملين بالخارج وقناة السويس والاستثمارات المباشرة.

ولذا على السلطات المسؤولة التدخل وبسرعة لحل أزمة الدولار، حتى لا يأتي اليوم الذي يصبح فيه حال العملة المحلية في مصر لا يختلف كثيراً عن حال عملات عربية منهارة مثل: الدينار العراقي والليرة اللبنانية والريال اليمني، وغيرها من العملات التي انهارت بسبب تردي الوضع الاقتصادي لبلادهم، وانهيار الوضع المالي واحتياطي النقد الأجنبي للبلاد.

ومن هنا على السلطات التدخل من أجل الفقراء الذين باتوا يتحملون العبء الأكبر من زيادة سعر الدولار، حيث إن مصر تستورد 70% من وارداتها من الخارج، خاصة السلع الغذائية كالدقيق والقمح والسكر والزيوت وغيرها.

وبالتالي فإن أي زيادة في سعر الدولار تنعكس بشكل سريع على الأسعار، مع الإشارة هنا إلى أن الحكومة فشلت فشلاً ذريعاً في التعامل مع أزمة الأسعار خلال الفترة الماضية.

الدولار في مصر بات قضية أمن قومي قد تعادل في خطورتها ملفات أخرى، منها سد النهضة ومياه النيل والإرهاب في سيناء.

* مصطفى عبد السلام كاتب ومحرر اقتصادي مصري.

المصدر | العربي الجديد