مصطفى عبد السلام يكتب: العراق وإيران وسياسة توزيع الأدوار

للمرة الثانية وخلال أقل من أسبوع، يخرج من العاصمة بغداد تصريحان مضمونهما واحد، وهو أن العراق عازم على زيادة إنتاجه النفطي، بغض النظر عن أي اتفاق قد يتم خلال اجتماع كبار المنتجين للنفط في العاصمة الجزائرية يوم 25 و26 سبتمبر/أيلول المقبل.

وحجة الحكومة العراقية في ذلك هي حاجتها الشديدة لأموال بمليارات الدولارات تساعدها في مواجهة تنظيم “داعش” وتمويل الحرب عليه، وتلبية احتياجات المواطنين المتزايدة، وكذا في تمويل المشروعات الخدمية والتنموية وخطة إعادة إعمار ما دمره تنظيم الدولة الإسلامية.

التصريح الأول صدر عن رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، يوم الأربعاء الماضي، حين أكد أن العراق لم يصل بعد إلى كامل حصته في سوق النفط، ولذا سيواصل زيادة الإنتاج.

ورداً على سؤال عما إذا كانت بلاده ترحب بالاتفاق المتوقع لتجميد الإنتاج في اجتماع الجزائر قال العبادي نصاً: “بالنسبة لوضع سقف للإنتاج، لا نرحب بذلك، لأن العراق ما زال دون ما ينبغي أن ينتج”.

أما التصريح الثاني، فقد أطلقه أول من أمس وزير النفط العراقي الجديد، جبار علي اللعيبي، والذي أكد أن العراق لن يضحّي بهدفه لتوسيع حصته السوقية وسيواصل زيادة الإنتاج.

خطورة التصريحين اللافتين للنظر في هذا التوقيت بالذات تكمن في أن العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة “أوبك”، بعد السعودية، قد يتسبب في نسف المفاوضات الجارية لاستعادة أسواق النفط عافيتها وإيقاف نزيف الخسائر المستمر منذ منتصف عام 2014، وبالتالي إفساد اجتماع الجزائر المقبل قبل انعقاده.

فحتى لو التزم باقي المنتجين بسياسة تثبيت الإنتاج المقترحة في اجتماع الجزائر بهدف رفع الأسعار، فإن إغراق العراق الأسواق العالمية بالنفط قد يفشل أية محاولات لوقف تراجع الأسعار، خاصة مع ضخامة إنتاجه البالغ 4.6 ملايين برميل يومياً والتخطيط لزيادته بمقدار 100 ألف برميل يومياً.

تساعد بغداد في ذلك بالطبع إيران التي تزيد إنتاجها النفطي بمعدلات متسارعة منذ بداية العام الجاري بحجة الوصول إلى معدلات ما قبل فرض العقوبات الغربية وتعويض ما فاتها على مدى 13 عاماً هي فترة العقوبات.

ولا ننسى هنا أن طهران أفشلت عدة مفاوضات سابقة لكبار المنتجين للنفط أبرزها مفاوضات الدوحة في إبريل/نيسان الماضي، وبعدها مفاوضات موسكو في مايو/أيار 2016، وكذلك اجتماعات أعضاء منظمة أوبك نصف السنوية بجنيف.

التحرك العراقي الأخير لا يمكن فصله عن محاولات طهران المستمرة الإصرار على عدم إنجاح سياسة خفض الإنتاج أو حتى تثبيت الإنتاج بهدف مناكفة بعض دول الخليج، خاصة السعودية أكبر منتج للنفط، فهناك حروب تدور بين طهران والرياض في المنطقة، خاصة في سورية واليمن.

وسبقت هذه الحروب حروب اقتصادية كثيرة سعى كل طرف من خلالها لتكسير قدرات الآخر المالية، وبالتالي التأثير على قدراته في إدارة الملفات السياسية.

السؤال هنا: هل فضلت طهران اللعب هذه المرة من وراء الستار ومن دون اللجوء لسياسة الصدام المباشر مع السعودية، والاستمرار في ممارسة الحرب الاقتصادية ضد المملكة لكن بشكل غير مباشر وعبر حكومة حيدر العبادي، أم أن ما يحدث حالياً من إصرار بغداد على زيادة إنتاجها النفطي بغض النظر عن أضرار هذه الخطوة بسعر النفط هو سياسة توزيع أدوار بين بغداد وطهران في سوق النفط العالمية؟

سوق النفط لا يتحمل مثل هذه الممارسات، إذ إن تراجع أسعار النفط المستمر منذ منتصف 2014 ليس في صالح المنتجين بمن فيهم إيران والعراق، فالكل خاسر حتى ولو كسب حصة سوقية وعملاء جدداً.

ومع احتمال زيادة إنتاج ليبيا النفطي، خاصة مع توقعات بحدوث استقرار سياسي نسبي بالبلاد، واستمرار تباطؤ الاقتصاد الصيني، والمشاكل التي تواجه دول منطقة اليورو، تصبح خسائر الدول المنتجة مرشحة للزيادة في حال فشل اجتماع الجزائر.

* مصطفى عبد السلام كاتب ومحرر اقتصادي مصري.

المصدر | العربي الجديد