مصطفى عبد السلام يكتب: المنطقة وأسـئلة المستقبل

لنترك الحاضر بصدماته، والماضي بمآسيه وجروحه، ولنفكر في المستقبل، ولو لبعض الوقت، ونطرح هذا السؤال المهم: ماذا لو بقي حال المنطقة على ما هو عليه لمدة 5 سنوات قادمة، أو بقي الحال على ما هو عليه لسنوات طويلة كما تتوقع مراكز بحثية مرموقة وأجهزة مخابرات كبرى؟

بالطبع، قد يفزع بعضهم من مجرد طرح السؤال أصلاً ويبادر ليسأل بتعجب وربما بعصبية: وهل ستظل المنطقة على ما هي عليه بهذا الكابوس المزعج كل هذه السنوات؟ إنه الدمار ولا غيره.

استمرار الوضع على ما هو عليه يعني حروباً هنا، واضطرابات هناك، وفقراً وجوعاً وقلاقل اقتصادية وعجز في الموازنات العامة في مكان ثالث، وصراعاً على السلطة في مكان رابع، وثورات مضادة في مكان خامس، وربما ثورات جياع في مكان آخر بعد فترة ربما لا تطول؟

ورغم فزع بعضهم من مجرد طرح السؤال الصادم، إلا أن الطرح في حد ذاته مشروع، خاصة إذا ما كنا نتحدث عن المستقبل بما يحمل من أهمية لنا ولأبنائنا وأحفادنا وللأجيال القادمة؟

ومن هذا السؤال الكبير تتفرع أسئلة فرعية قد يمثل مجرد طرحها مصدر إزعاج شديد للكثيرين، خاصة أنها قد لا تحمل بين طياتها الأمل لهؤلاء، من بين الأسئلة مثلاً:

- ما هو حال المواطن العربي بعد 5 سنوات من الآن؟ هل ستسوء أحواله المعيشية، أم ستتحسن؟ هل ستقوم ثورات جديدة في المنطقة تتبنى مبادئ وقيم الحرية والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثورات؟ أم تواصل الثورات المضادة إحكام قبضتها على السلطة والثروات وأنفاس العباد ورقابهم معاً؟

ما هو شكل الاقتصادات العربية في عام 2021 مثلاً وما بعدها؟ هل نحن أمام استنزاف مستمر لثروات الخليج المالية والنفطية واحتياطياتها من النقد الأجنبي البالغة تريليون دولار، والتي أكد صندوق النقد الدولي أنها يمكن أن تنفد خلال 5 سنوات في حال استمرار تهاوي أسعار النفط؟

وهل ستواصل الحكومات العربية تخصيص الجزء الأكبر من هذه الثروات لشراء أحدث الأسلحة وتخزينها وتمويل الحروب في اليمن وسورية وليبيا، وكذا الحرب ضد الإرهاب؟

أم تتنبه هذه الحكومات لحال مواطنيها وبنية البلاد التحتية المتهالكة والارتفاعات المستمرة في الأسعار؟

ماذا سيكون رد فعل هذه الدول النفطية إذا ما حدث هذا السيناريو المرعب بنفاد ثرواتها النقدية، هل ستواصل دول الخليج مثلاً سياسة الاستغناء عن العمالة الخارجية، سواء العربية أو الأجنبية، ومعها يتم خفض المعونات والمساعدات المقدمة لدول المنطقة ومنها مصر والمغرب والأردن وتونس، وما تأثير ذلك على قدرة دول الخليج على مواجهة خطر الإرهاب المتنامي؟

هل ستنتهي موجة الحروب والصراعات في المنطقة؟ أم سنستيقظ صباح يوم ما وبعد 5 سنوات من الآن وربما أكثر لنرى أن الحرب في سورية واليمن وليبيا والعراق ما زالت تتصدر عناوين الأخبار ونشرات الفضائيات؟

هل سيظل تنظيم داعش، وما يمثله من تهديد شديد للمنطقة واقتصادياتها ومواطنيها، هو الكلمة الأبرز في حياتنا اليومية طوال السنوات القادمة، أم سيختفي من الوجود بما يمثله التنظيم من قيم التطرف والعنف؟

وإذا اختفى داعش والقاعدة وأخواتهما.. هل ستظهر جماعات متطرفة أخرى تحت أعين وصنيعة أجهزة مخابرات كبرى؟

ماذا لو لم تتعاف أسعار النفط، ما هو حال الاقتصاد هنا في الدول التي تعتمد على النفط والغاز كمصدر رئيسي للإيرادات والموازنات العامة، ماذا سيكون عليه الحال في منطقة الخليج والعراق والجزائر وليبيا مثلاً؟، وماذا سيكون عليه حال اقتصادات تعتمد على الخليج في تصدير العمالة لها مثل مصر ولبنان وسورية والأردن؟

طيب.. ماذا لو استمرت متاعب الاقتصاد الأوروبي؟ وما هي السيناريوهات المطروحة لدى الدول العربية التي تعتمد على السائح والأسواق والاستثمارات الأوروبية مثل المغرب والجزائر وتونس ومصر؟

هل ستكون دول المنطقة طاردة للاستثمارات مع زيادة المخاطر بها كما هو الحال الآن؟ أم تسكت أصوات المدافع لتنطلق أصوات المصانع والأسواق؟

أعرف أن المواطن العربي يعتبر أن مجرد طرح هذه الأسئلة قد يكون نوعاً من الترف، خاصة أن الغد ربما لا يعنيه كثيراً؛ لأنه يلهث وراء الاحتياجات اليومية والمطالب السريعة، خاصة المتعلقة بالمأكل والمشرب والسكن، لكن كما قلت فإن الأسئلة السابقة مشروعة ويجب التعامل معها بجدية إذا كنا نستعد للمستقبل، أو على الأقل نحاول التعامل مع قضاياه وتحدياته وفرصه.

وبشكل عام على قادة دول المنطقة أن يرسموا لنا سيناريوهات للمستقبل حتى ولو كانت متشائمة حتى لا يتركوا شعوبهم في مهب الريح.

* مصطفى عبد السلام كاتب ومحرر اقتصادي مصري.

المصدر | العربي الجديد