مصطفى عبد السلام يكتب: صحة المصريين .. الملف الغائب في أزمة الصادرات المصرية

أن يصاب ملايين المصريين بأمراض الالتهاب الكبدي الوبائي (فيروس سي) والفشل الكلوي والقلب بسبب تناول أغذية مسرطنة أو أطعمة غير مطابقة للمواصفات فلا توجد مشكلة لدى السلطات المسؤولة، فهؤلاء مصريون كُثر عددهم يتجاوز 90 مليون نسمة، ولا توجد مخصصات مالية لدى موازنة الدولة لعلاجهم في المستشفيات، ولا يتوافر نقد أجنبي لدى البنوك لشراء أدوية من الخارج أو بيع الأدوية المحلية بسعر مناسب، والكلام أصلاً عن صحة المصريين شأن داخلي لا يجوز لأحد التدخل به.

أما أن تعلن وكالة الأغذية والعقاقير الأميركية يوم الجمعة الماضية أن الأجهزة الطبية شخصت حالات 119 أميركياً في ثماني ولايات على أنهم مصابون بالالتهاب الكبدي الوبائي (أ) وأن معظمهم تناول مثلجات بها فراولة مجمدة مستوردة من مصر، هنا تقوم الدنيا ولا تقعد، لأن هؤلاء أجانب أصحاب ياقات بيضاء وكعوب عالية.

ولذا لا بد من التحرك بسرعة ليس بهدف الحفاظ على سمعة مصر ومنتجاتها في الخارج، ولكن بهدف عدم إثارة مثل هذا الأمر من قبل المرضى الأجانب ودولهم في المحافل الدولية، أو أن يصل الأمر إلى حد إقامة دعاوى قضائية ضد الصادرات المصرية قد ينجم عنها تعويضات ضخمة لا تستطيع الخزانة العامة سدادها في ظل أزمة النقد الأجنبي الحالية.

وأن يصاب ملايين المصرين بأمراض مزمنة مثل السرطانات والسل والسكري وغيرها بسبب التلوث والأغذية الفاسدة والقمح المسرطن المستورد من كل بقاع العالم، فلا توجد مشكلة، فهؤلاء مصريون مننا وعلينا وهم يعرفون أكثر من غيرهم الوضع الاقتصادي للدولة.

أما أن يصاب فرنسي بوعكة صحية بسبب تناول فراولة مصرية ملوثة أو بطاطس بها عفن، فهنا تسارع الأجهزة المعنية بالدولة لتبحث عن هذه الثمرة اللعينة التي تم تصديرها لفرنسا الدولة الصديقة لمصر المساندة لها وأكبر مورد للسلاح، وكيف خرجت السلعة المارقة من مصر لتستقر في أمعاء هذا الفرنسي الطيب.

في أزمة الصادرات المصرية راح الجميع يتعامل معها على أنها مشكلة أرقام بالدرجة الأولى وأزمة مالية محتملة قد تهدد موارد البلاد الدولارية وتؤثر سلباً على المصدر الأول للنقد الأجنبي بعد السياحة، وربما تتسبب في إحداث قفزة في سعر الدولار.

لكن أحداً لم يتحدث عن صحة المصريين التي انهارت في السنوات الأربعين الماضية بسبب القمح المسرطن والغذاء الملوث والهرمونات والهواء المليء بالأتربة وشرب المياه الملوثة والزراعة التي يتم ريها بمياه الصرف الصحي.

كما راح الجميع يلهث بين خبر من هنا وحظر هناك، فالسعودية تحظر اليوم دخول الفاكهة والخضروات المصرية، والإمارات تشدد في إجراءات دخول الفراولة المجمدة، وأمس تحظر روسيا دخول الصادرات الزراعية، كما حظرت أميركا دخول منتجات 30 شركة مصرية، وغداً تنضم دول أخرى للدول التي تحظر دخول منتجات زراعية مصرية.

الكل دخل في دوامة الأرقام والمتابعات، لكن أحدا لم يلتفت لملف أخطر هو صحة المصريين ومستقبل الأجيال القادمة التي قد تضيع صحتها مع استمرار الفساد والتلوث والأغذية الملوثة.

لا أحد يتحدث عن صحة المصريين والأمراض الفتاكة التي تنهش أجسادهم عند إثارة الأزمة العنيفة التي تواجه الصادرات وحظر دخول سلع مصرية لبعض الدول، وكأن صحة الأجانب هي كل ما يعنينا في الأزمة التي تهدد موارد النقد الأجنبي.

والسلطات من جانبها تغض الطرف عن صحة المصريين، إما تحت زعم نقص الإمكانات المالية على الرغم من إنفاقها عشرات المليارات من الجنيهات على أمور لا تهم المواطن، أو تحت مبرر “ الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها”، وفي المقابل تنتفض هذه السلطات إذا تعلق الأمر بصحة الأجانب، أو لوحت دولة ما بحظر دخول المنتجات المصرية أراضيها.

* مصطفى عبد السلام كاتب ومحرر اقتصادي مصري

المصدر | العربي الجديد