مصطفى عبد السلام يكتب: مصر.. الدولار والأسعار والأموال الساخنة

في منتصف فترة التسعينيات من القرن الماضي خرج علينا مسؤول مصرفي مصري بارز، كان يرأس أكبر بنك في البلاد، كما كان يشغل منصبا عربيا رفيعا، ليتفاخر بالأموال الساخنة القادمة لمصر سواء كانت ناتجة عن عمليات غسل أموال قذرة، أو ناتجة عن استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية كأذون الخزانة والسندات الحكومية، أو عن تلك الأموال التي يقوم بها قناصو الصفقات في البورصة وذلك عبر الاستثمار السريع في عدد من الأسهم المنتقاة بعناية شديدة.

كان هذا المسؤول المصرفي يقول في جلساته المغلقة مع الصحافيين “مرحبا بالأموال المغسولة إذا كانت تزيد السيولة الدولارية داخل السوق، وتعطي قوة للعملة المحلية مقابل الدولار، وتقضي على أي اختناقات في سوق الصرف الأجنبي، وتقضي على المضاربات المحمومة الدولار” ، والتي زادت حدتها عقب حادث الأقصر الشهير في نهاية عام 1997.

والأموال الساخنة لمن لا يعرفها، هي تلك الأموال التي تدخل أي بلد وتخرج منه بشكل سريع ومفاجئ، وتبحث عن الربح العالي والعائد السريع، وهي عادة أموال فائضة عن حاجة المستثمرين في الأسواق الخارجية تمكنهم من المضاربة في بورصات الدول النامية والاقتصادات الناشئة بهدف جني أرباح سريعة، ثم تخرج من السوق بمجرد وقوع هزة اقتصادية أو حدث ارهابي أو خطر سياسي بعد أن تكون قد قامت بتسييل ممتلكاتها.

ومع خروج هذه المؤسسات بشكل مفاجئ تسحب معها كميات كبيرة من الدولارات من داخل السوق المحلي، وهو ما يترتب عليه ارتفاع مفاجئ في معظم السلع بما فيها الدزولار والعملات والسلع الغذائية.

لم يكن هذا المسؤول المصرفي هو الوحيد الذي يعزف هذا اللحن الشاذ، بل انضم له في وقت لاحق عدد من وزراء المالية والاقتصاد والاستثمار وراسمي السياسات الاقتصادية والمالية في البلاد.

صحيح أن هؤلاء المسؤولين لم يكونوا يتفاخرون علنا بالأموال القادمة من عمليات غسل أموال، لأنها مجرمة قانونا، بل كانوا يتفاخرون فقط بالأموال الساخنة خاصة المستثمرة في الأذون والسندات والبورصة، بل وتعاملوا مع هذه الأموال على أنها مؤشر قوي على تعافي الاقتصاد القومي، وزيادة قدرته على جذب رؤوس أموال واستثمارات أجنبية، بل وتدل على تنامي ثقة المؤسسات المالية الدولية في مصر ونظامها السياسي والاقتصادي حسب تصريحاتهم المعلنة.

ومرت الأيام، ومعها زادت التصريحات الوردية حول الأموال الساخنة، وفي المقابل زادت التحذيرات من خطورة هذه الأموال التي يكون عادة ضررها أكثر من نفعها خاصة أنها قد تغادر البلاد خلال 24 ساعة فقط إذا زادت المخاطر داخل الدولة أو حدث لا قدر الله عمل ارهابي، وهو ما يتسبب في حدوث ارتباك شديد داخل الأسواق.

ساعتها اقترح كثيرون فرض ضرائب على الأموال الساخنة، أو على الأقل وضع سقف زمني لوجودها داخل البلاد، بحيث لا تغادر الدولة قبل مرور عدة شهور حتى يستفيد الاقتصاد منها، لكن الحكومات المتعاقبة على حكم البلاد ضربت بهذه الاقتراحات وغيرها عرض الحائط.

الا أنه مع اندلاع ثورة 25 يناير 2011 استيقظ الجميع على كارثة حينما عرفوا حجم الأزمة التي كنا نعيش فيها، فقد انسحب من البلاد أموال ساخنة لمستثمرين أجانب قدرت قيمتها في ذلك الوقت بنحو 16 مليار دولار وذلك في الشهور الأولى التي أعقبت الثورة، وترتب على ذلك تراجع الاحتياطي الأجنبي لدي البنك المركزي من 36 مليار إلى نحو 20 مليار دولار.

ولولا انتعاش قطاعات السياحة والصادرات وتحويلات المغتربين في عام 2011 لحدث انهيار في الاحتياطي الأجنبي، لكن مع تلاشي انتعاشة هذه القطاعات الاقتصادية بسبب اختفاء حالة الاستقرار السياسي والأمني التي مرت بها البلاد ظهرت تأثيرات عمليات خروج الأموال الساخنة من مصر، فقد انهار الاحتياطي، وسارعت الحكومة للاقتراض الخارجي لوقف هذا الانهيار، وحدثت ضغوط شديدة على الدولار، ومعها حدثت انخفاضات قياسية في قيمة العملة المحلية مقابل الدولار، وهو الأمر الذي لا تزال البلاد تعاني منه حتى الان.

الآن عادت “ريما لعادتها القديمة” كما يقول المثل العامي في مصر، فقد وجدنا كبار المسؤولين في البلاد يتفاخرون مجددا بالأموال الساخنة وبمزاياها ودورها في انقاذ الاقتصاد، وأكبر دليل التصريحات الأخيرة لهؤلاء والتي يتم تكرارها منذ نحو أسبوعين ومضمونها أن البورصة جذبت استثمارات أجنبية بقيمة 500 مليون دولار في شهر واحد، وأن أذون الخزانة والسندات جذبت رؤوس أموال من الخارج قيمتها 1.2 مليار دولار في 3 شهور.

هذه الأموال الساخنة خطر، فمن الممكن أن تنسحب هذه الأموال وبشكل مفاجئ عند حدوث أي خطر، وهو ما يفاقم من ازمة سوق الصرف وسعر الدولار.

وبالطبع، لن تتحول الأموال الساخنة لأموال مستقرة تفيد الاقتصاد القومي كما اثبتت التجارب، والحل هو جذب استثمارات أجنبية مباشرة يتم من خلالها إقامة مشروعات صناعية وزراعية وسياحية وخدمية وانتاجية.

وفي نفس الوقت تزيد السيولة الدولارية داخل السوق وتدعم العملة الحلية، وهذا الأمر في حاجة لاستقرار سياسي وأمني حقيقي، وكذا بحاجة لاستقرار في التشريعات والقوانين المنظمة للاستثمار، وخفض معدلات الفساد والبيروقراطية.

* مصطفى عبد السلام كاتب ومحرر صحفي اقتصادي مصري.

المصدر | العربي الجديد