معهد دراسات الحرب: الأزمة الاقتصادية في مصر تهدد بقاء «السيسي»

http://www.thenewkhalij.org/node/51126


تتعرض مصر لخطر عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي بعد قرار الرئيس «السيسي» تنفيذ بعض السياسات الاقتصادية لتلبية شروط قرض من صندوق النقد الدولي، والذي يأمل في أن يساعد على إعادة الاستقرار للاقتصاد المتأزم. ويتعلق الوضع الاقتصادي لمصر بالتوترات الجيوسياسية. وجدير بالذكر أنّ قرار السعودية بإيقاف شحنات النفط قد وضع الحكومة المصرية في موقف مالي وسياسي لا تحسد عليه. وسيحاول الإسلاميون والجماعات المسلحة استغلال هذا الوضع غير المستقر، واستخدامه كفرصة للانقضاض على السلطة في مصر.

وقد أجبر الوضع الاقتصادي الكئيب الحكومة المصرية على تنفيذ إصلاحات اقتصادية غير مقبولة شعبيًا. وبدأت المشاكل الاقتصادية في مصر عام 2011 بعد أن تسببت الانتفاضة الشعبية في انهيار السياحة، الصناعة الأكثر أهمية في البلاد. وتدهورت السياحة بشكل أكبر بعد تفجير (تنظيم الدولة) لطائرة روسية في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2015. وعانت مصر أيضًا في محاولة جذب استثمارات أجنبية بعد التظاهرات الحاشدة التي أعقبت انقلاب عام 2013. علاوة على ذلك، بدأت الحكومة الاستثمار بكثافة في مشاريع عامة ضخمة، مثل توسعة قناة السويس، بعد تنصيب الرئيس «السيسي» في يونيو/ حزيران عام 2014.

تآكلت خزائن الدولة بفعل هذه الأحداث وهو ما وضع ضغطًا شديدًا على العملة المصرية. وعلاوة على ذلك، ورد أنّ دول الخليج، وخاصةً الإمارات، قد أوقفت مساعداتها لمصر منذ أكتوبر/ تشرين الأول هذا العام للضغط على الحكومة المصرية لتوفيق أوضاعها الاقتصادية. وطلب «السيسي» القرض من صندوق النقد الدولي، والذي أتى مع شروط صارمة. واتخذت الحكومة المصرية العديد من الإجراءات من أجل تلبية متطلبات صندوق النقد.

أولا: عومت الحكومة المصرية عملتها ورفعت أسعار الوقود من 30 إلى 48% في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني.

ثانيا: إضافة إلى ذلك، استطاعت مصر تأمين 6 مليار دولار من مصادر خارجية، بما في ذلك 2 مليار دولار من السعودية في سبتمبر/ أيلول، و2.7 مليار دولار في صفقة تبادل للعملة مع الصين في أكتوبر/ تشرين الأول.

ثالثا: وافق مجلس الوزراء المصري على خفض الإنفاق الحكومي بنسبة تتراوح بين 15 إلى 20%.

رابعا: أقرّ البرلمان المصري قانون الخدمة المدنية في أكتوبر/ تشرين الأول من أجل إصلاح البيروقراطية المتضخمة في مصر.

خامسا: أقرّ البرلمان المصري أيضًا ضريبة القيمة المضافة في شهر أغسطس/ آب.

ولكن قدرة مصر على مواجهة تكلفة إصلاحات صندوق النقد الدولي محدودة للغاية. وقد تراجعت شعبية الرئيس «السيسي» بنسبة 40% بين سبتمبر/ أيلول ونوفمبر/ تشرين الثاني هذا العام. ووصلت معدلات التضخم لأعلى مستوى لها خلال 7 سنوات. ولم تحقق أنشطة الأعمال غير النفطية أي نمو خلال 30 شهرًا، وتعاني مصر من نقص حاد في السكر والإمدادات الطبية.

ولدى مصر تاريخ من عدم الاستقرار السياسي الذي يتبع الإصلاحات الاقتصادية الجذرية. وقد شهدت مصر من قبل تظاهرات واسعة بعد رفع الدعم وارتفاع الأسعار عام 1977 وعام 2008.

في عام 1977، أصيب الاقتصاد المصري بالركود وطلب الرئيس «أنور السادات» قرضًا من صندوق النقد الدولي. وقامت الحكومة المصرية برفع الدعم عن الطعام والوقود لتلبية شروط الحصول على القرض. واندلعت الاحتجاجات عبر البلاد، مما دفع الرئيس السادات لاحتواء الأمر عسكريًا والتراجع عن الإصلاحات الاقتصادية.

بشكل مماثل في عام 2008، دفع نقص الحبوب وارتفاع أسعار الغذاء إلى انتفاض آلاف المحتجين في عدة مدن مصرية، واتهمت الحكومة جماعة الإخوان المسلمين بالوقوف خلف الاحتجاجات، وزادت من التواجد الأمني في الميادين الرئيسية عبر البلاد.

وقد استفادت جماعة الإخوان المسلمين من قبل من الاحتجاجات في مصر من أجل زعزعة استقرار النظام المصري، كما فعلت خلال ما يسمى بالربيع العربي عام 2011. وكانت المظالم الاجتماعية والاقتصادية محركًا أساسيًا للاحتجاجات الواسعة التي دفعت الرئيس المصري السابق «حسني مبارك»للتنحي في فبراير/ شباط عام 2011.

توترات جيوسياسية

وجاء خطر عدم الاستقرار السياسي بسبب الوضع الاقتصادي المصري مصاحبًا لتوترات جيوسياسية على الساحة. فقد أعلن وزير البترول المصري في 7 نوفمبر/ تشرين الثاني أنّ السعودية قد أعلمت مصر بأنّها قد أوقفت شحنات النفط حتى إشعار آخر. وقد سبب هذا القرار صدمة لمصر، وفاقم من وضعها الاقتصادي المتأزم بالفعل. تتزايد التوترات بين مصر والسعودية. وقد دفع الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران السعودية لتحويل أولوياتها الاستراتيجية نحو دمج واحتواء القوى الإسلامية من أجل الوقوف ككتلة سنية موحدة ضد النفوذ الإيراني في المنطقة. على العكس من ذلك، يرى النظام المصري القوى الإسلامية، لاسيما جماعة الإخوان المسلمين، تهديدًا وجوديًا لاستقراره. وبذلك وجدت مصر والسعودية نفسيهما على خلاف علي عدة أصعدة:

أولا: رفضت مصر إرسال قوات برية لدعم جهود السعودية ضد الحوثيين في اليمن. كما رفضت الحكومة المصرية في مارس/ آذار عام 2016 فكرة إرسال قوات برية للقتال ضد الأسد و(داعش) في سوريا.

ثانيا: حاولت مصر في الوقت نفسه تهدئة الملك «سلمان» خلال زيارته للقاهرة في أبريل/ نيسان هذا العام بنقل ملكية جزيرتين صغيرتين بالبحر الأحمر للسعودية. ومع ذلك، فقد أوقفت المحكمة هذا النقل في شهر يونيو/ حزيران.

ثالثا: الأهم من ذلك، كان قرار مصر بالتصويت لصالح القرار الروسي في مجلس الأمن في 12 أكتوبر/ تشرين الأولو هو أشدّ ما وتر العلاقات بين البلدين. وكانت فرنسا قد اقترحت قرارًا بوقف الغارات الجوية وفرض منطقة حظر جوي، بينما اعترضت روسيا على قرار فرنسا بحق الفيتو واقترحت قرارًا آخر بوقف إطلاق النار فقط. وصوتت مصر لصالح القرارين، وهو ما جاء ضد توجهات السعودية بالتصويت ضد القرار الروسي. ووصف مندوب السعودية في مجلس الأمن القرار المصري بـ «المؤلم»، وخرجت شخصيات سعودية بارزة لتهاجم موقف «السيسي» على مواقع التواصل الاجتماعي وتصفه بعدم الولاء وأنّه حتى «ضد العرب».

وفي ضوء تراجع التعاون الجيوسياسي بين البلدين، وخاصةً كرد فعل على تصويت مصر لصالح القرار الروسي في مجلس الأمن، أوقفت السعودية بشكل مفاجئ تسليم شحنات النفط لمصر في 11 أكتوبر/ تشرين الأول. وبالتالي، لجأت الحكومة المصرية لشراء النفط من السوق العالمي بتكلفة أعلى بكثير. وأدّى هذا إلى زيادة الضغوط المالية على احتياطي مصر من النقد الأجنبي.، وانخفض احتياطي مصر من العملة الصعبة بواقع 550 مليون دولار في أكتوبر/ تشرين الأول.

وبقرار الحكومة المصرية المضي قدمًا في الإصلاحات الاقتصادية فقد أعطت الفرصة للخصوم لاستغلال حالة عدم الاستقرار الناتجة عن ذلك. وقد استغلت جماعة الإخوان المسلمين الفرصة بالفعل بالدعوة لاحتجاجات يوم الجمعة، 11 نوفمبر/ تشرين الثاني. ومع ذلك، فإنّ نظام «السيسي» يسير في مسار خطير من الأزمات السياسية والاقتصادية، مع عودة شعبية جماعة الإخوان المسلمين للتزايد، وارتفاع التضخم نتيجة تدابير الإصلاح الاقتصادي الجذرية التي فرضها صندوق النقد الدولي، وسوء توقيت الاستثمار في مشاريع ضخمة من قبل النظام، وفقدان الدعم الاقتصادي من دول الخليج. وتعزز هذه الظروف عدم الاستقرار والسخط الشعبي في مصر.

وستسعى الدول القوية وجماعات الإسلام السياسي وتنظيمات السلفية الجهادية المسلحة لاستغلال عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في مصر في المدى القريب. ومن المرجح أن تستغل جماعة الإخوان المسلمين أية احتجاجات كبرى في القاهرة للعودة إلى السلطة. وربما تعمل دول الخليج غير الراضية عن السلوك الاقتصادي والسياسي المصري على إعادة هذه الجماعات الإسلامية. وبالمثل، ستستغل التنظيمات السلفية الجهادية التوترات في المجتمع المصري لملئ الفجوات الحكومية من أجل تهديد الدولة المصرية. وإذا تدهورت الأوضاع الاقتصادية والسياسية بشكل أكبر، سينشأ فراغ أمني من الممكن أن يقود إلى بروز عدد من التنظيمات المسلحة، مثل ولاية سيناء، لتحقيق موطئ قدم أكبر على الأراضي المصرية الرئيسية. وتهدد الظروف الاقتصادية بقاء الرئيس «السيسي» في السلطة، ومن الممكن أن تدفع الظروف الاقتصادية والسياسية اليائسة مصر إلى مصادر جديدة للمساعدات السياسية والاقتصادية، مثل روسيا وإيران. وستطالب روسيا مصر بتنازلات، على الأرجح ستكون في شكل امتيازات بحرية أو حتى بالسماح لها بإنشاء قاعدة عسكرية بالبحر المتوسط.

المصدر | معهد دراسات الحرب