ممر «شمال-جنوب» بين الهند وروسيا.. لاعب جديد على الساحة الدولية

تجري في هذه الأثناء الاختبارات النهائية لممر أطلق عليه «شمال-جنوب»، أو «مومباي-سانت بطرسبرغ»، للنقل الدولي، حيث سيربط الممر، كما تشير تسميته، بين مدينة مومباي، على الساحل الغربي للهند، ومدينة سانت بطرسبرغ، غربي روسيا، ما قد يتسبب بتضرر بضرب طرق تقليدية للتجارة الدولية، مثل قناة السويس، وخلق لأخرى، بجانب خلط للأوراق في عدد من الملفات السياسية الحساسة.

وبحسب تقرير لصحيفة «فيستنيك كافكازا» (Vestnik Kavkaza) الروسية، نشرته في 3 أكتوبر/تشرين أول الجاري، يعتبر المشروع أحد أكبر مشاريع النقل الدولي في العالم.

كما أنه يعد ذا جدوى اقتصادية مرتفعة، حيث سيقلص تكاليف النقل بين الهند وروسيا بنحو 30%، والزمن الذي تستغرقه بنحو 40%، مقارنة بالطرق التقليدية، بحسب تقرير لـ«ذي ديبومات» (The Diplomat) بتاريخ 4 مايو/أيار 2015، حيث يبدأ بطريق بحري، يصل الموانئ الهندية، وفي مقدمتها مومباي، بالموانئ الإيرانية، ومن إيران يتحول إلى طريق بري سريع يوازيه خط سكة حديد، لنقل البضائع من الموانئ الإيرانية إلى روسيا، عبر أراضي أذربيجان، والمسار نفسه بالعكس من روسيا إلى إيران كذلك، على أن يضاف خط آخر ينقل البضائع بين موانئ كل من إيران وأذربيجان وروسيا في بحر قزوين.

وسيرتبط بالخط الرئيسي للممر خطوط فرعية تخترق وسط آسيا وشرق أوروبا، قبل وصول الممر إلى سانت بطرسبرغ، ومنها إلى الأسواق الأوروبية براً وبحراً، الأمر الذي يزيد من أهمية المشروع الاقتصادية والاستراتيجية.

بالمقابل، ستكون قناة السويس المصرية من أكبر المتضررين من المشروع، حيث تمر بها البواخر التجارية نحو الجزء الشمالي والغربي من الكرة الأرضية، إضافة إلى عدن اليمنية وجدة السعودية، التي تمثل محطات مهمة على طرق التجارة البحرية، وكذلك موانئ أوروبية جنوبية، شكلت نقاط تجمع للبضائع، في عملية التبادل التجاري بين أوروبا وكل من آسيا وإفريقيا.

الدور الأذري

حتى 8 أغسطس/آب الماضي، عندما اجتمع قادة روسيا وإيران مع الرئيس الأذري، «إلهام علييف»، في باكو، كانت الخرائط الرسمية المنشورة للمشروع على موقعه الرسمي، تسعى لتجنب عبور الممر في أراضي أذربيجان أو مياهها الإقليمية من بحر قزوين، الأمر الذي يعني عبورها في المياه التركمانية والكازاخية، قبل دخولها المياه الروسية، وذلك بحسب جميع الخرائط المقترحة لتقاسم مياه البحر، الأمر الذي سيتغير بعد التوقيع على اتفاقيات تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الثلاث في باكو.

لم تكن أذربيجان عضواً أساسياً في المشروع حتى مراحل متأخرة، فتاريخ توقيع الاتفاقية بين إيران والهند وروسيا يعود إلى 16 مايو/أيار عام 2002، إلا أن تنفيذه تأخر لعدة أسباب، كان أهمها العقوبات الدولية على طهران، وفقدان الحلقة الواصلة بين إيران وروسيا، والمتمثلة بتركمانستان أو أذربيجان، حيث أبدت الأولى رفضاً للمشاركة، بينما شهدت علاقات كل من طهران وموسكو توتراً مع باكو، بالرغم من مباركة الأخيرة للمشروع مبكراً.

وإلى جانب تحفظ تركمانستان، ساهمت مشاركة دول تشكل ضمانات لدور باكو، أهمها تركيا، في تشجيع الدول الرئيسية على المضي قدماً في إقحام أذربيجان، علاوة على مساهمة مشاركتها في تعزيز الجدوى الاقتصادية للممر، حيث ستمكن الخط البري الإيراني للارتباط بنظيره الروسي براً عبر الأراضي الأذرية.

بالرغم من إقحام أرمينيا بقوة في المشروع إلى جانب أذربيجان، إلا أن التقارب الروسي-الإيراني مع أذربيجان، لا يمثل تحولاً جيداً بالنسبة لـ«يريفان»، بغض النظر من البراغماتية التي يبديها كل من الرئيس الإيراني، حسن روحاني، والروسي، فلاديمير بوتين، فالمشروع يرفع من رصيد أذربيجان لدى حليفي أرمينيا الرئيسيين.

الدوافع الهندية

سيساهم المشروع في دعم الاقتصاد الهندي بشكل كبير، فمن ناحية، ستتمكن صادرات الهند من الوصول إلى أسواق جديدة، وتحقيق تنافسية أعلى من ذي قبل، خصوصاً في مقابل المنتجات الصينية، إضافة إلى ضمان حصة من مصادر الموارد الطبيعية في وسط آسيا، وتحويل الموانئ الهندية إلى محطات تجمع للبضائع، خصوصاً من دول جنوب وجنوب شرق آسيا وإليها، والأهم، تجاوز باكستان في عملية التبادل التجاري مع أفغانستان وإيران ووسط آسيا.

من جهة أخرى، تشكل التحركات الهندية منافسة للصين، خصوصاً إذا علم بأن دلهي عقدت اتفاقاً مع كل من إيران وأفغانستان في 23 مايو/أيار الماضي، في إطار مشروع ممر «شمال-جنوب»، للاستثمار في ميناء «تشاباهار» الإيراني وإنشاء منطقة تجارة حرة فيها تجمع الدول الثلاث، إضافة إلى سكة حديد تربط الميناء بالحدود الإيرانية-الأفغانية.

يعد ذلك استهدافاً لبكين وإسلام أباد معاً، فقد أبدت الصين منذ عام 2002 اهتماماً بتطوير ميناء في منطقة «جوادر» الساحلية في باكستان، حيث تم الانتهاء من المرحلة الأولى في 2006، بينما أطلق العمل بالمرحلة الثانية عام 2015، في إطار مشروع الممر التجاري الصيني-الباكستاني، الذي يضم، إلى جانب ميناء جوادر، إنشاء منطقة حرة وطريق يصل الميناء بالحدود الباكستانية-الصينية، بحسب تقرير لصحيفة «تشاينا ديلي» (China Daily) بتاريخ 30 أكتوبر/تشرين أول 2015، الأمر الذي يعد بمنافسة محمومة بين المشروع الصيني-الباكستاني وغريمه الهندي-الإيراني.

يذكر أن صحيفة «ذي إكونوميك تايمز» (The Economic Times) أشارت في 8 سبتمبر/أيلول الماضي، إلى اهتمام اليابان بالمشروع الهندي-الإيراني، الأمر الذي يأتي في سياق تقارب بين طوكيو ودلهي، لمنافسة « لمد الصيني»، بحسب الصحيفة، وهو الأمر الذي سيهدد بفشل المشروع الصيني-الباكستاني، ويزيد من عزلة إسلام أباد السياسية والاقتصادية.

حسابات موسكو وطهران

سيعمل المشروع، ولا شك، على تعزيز العلاقات الروسية-الإيرانية، ولكنه يحقق أهدافاً أخرى لكلا البلدين، فبالنسبة لروسيا، سيعزز المشروع سيطرتها على الأسواق الأوروبية، ويمنحها قدرة أكبر على منافسة الدور الصيني المتنامي في وسط آسيا، أما بالنسبة لإيران، فهو، من جهة، يمثل فرصة كبيرة لكسر العزلة التي فرضتها العقوبات الدولية لعقود، ومن جهة أخرى، يزيد من قدرتها على خلق وتعزيز التحالفات واستثمارها في صراعات تخوضها طهران في الشرق الأوسط، الأمر الذي يشكل تحدياً للسعودية، الغريم الأكبر لإيران في المنطقة.

وقد وقع على المشاركة في مشروع ممر « مال-جنوب»، إلى جانب دول الخط الرئيسي، كل من: تركيا، أرمينيا، عمان، كازاخستان، طاجيكستان، قرغيزستان، أوكرانيا، وبيلاروسيا، بالإضافة إلى بلغاريا كعضو مراقب، بحسب الموقع الرسمي للمشروع، حيث ستمتد طرق متفرعة من الخط الرئيسي إلى تلك الدول.

وبغض النظر عن الآثار السياسية، فإن الاستفادة من التكلفة والوقت الذيْن يوفرهما الممر في التبادلات التجارية، ستكون متاحة لجميع الدول، الأمر الذي سيضاعف عوائد المشروع من الرسوم المفروضة على استخدامه، وهو ما تعول عليه الدول المعنية، روسيا خصوصاً، في التخفيف من اعتماد اقتصاداتها على عوائد قطاع الطاقة.

المصدر | الأناضول