من تراث العلامة د. طه جابر العلواني (ر): لو رجعنا إلى التمر واللبن

أوضاع العرب والمسلمين تلخصها جملة واحدة بكل أزماتها ومشكلاتها هي جزء من حديث طويل: “.. حب الدنيا وكراهية الموت”[1] فحب الدنيا وكراهية الموت أصل الاستبداد، وأصل الاستحمار، وأصل الاستئثار، وأصل المفاسد كلها، هما أم الخبائث، وأبوها، فكل ذلك يرجع إلى شيء يمكن أن نسميه حب الدنيا وكراهية الموت، وهناك قول آخر هو جزء من حديث طويل أيضًا لرسول الله (ص) فيه: “.. فواللهِ لا الفقرُ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبْسَطَ عليكمُ الدنيا، كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتَنَافسوها كما تَنَافسوها، وتُهْلِككم كما أهلكتهم”[2].

فالعربي عزيز لا يقبل الذل، كان عزيزًا في جاهليَّته، وأقبل على الإسلام لإدراكه ويقينه أنَّ في الإسلام عزته، وأنَّ في الإسلام ذكره وشرفه، وسؤدده، والعربي قبل ذلك وبعده ذو أنفة، وذو رغبة دائمة مستمرة في الحريَّة، وما زاده إسلامه إلا عزة وكرامة وأنفة، بل لقد طهره الإسلام من كل ما ينافي العزة التي جعلها الله (جل شأنه) له ولرسوله وللمؤمنين، ووصف المؤمنين بأنَّهم: ﴿.. أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ..﴾ (المائدة:54)، ﴿.. وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون:8).

ولو نظرنا لكل أزمات العرب ومصائبهم، وحاولنا أن نضع لها عنوانًا واحدًا فإنَّ أقرب العناوين للدلالة على كل تلك الأزمات منابعها وامتداداتها وآثارها وانعكاساتها هو: “حب الدنيا وكراهية الموت”، وحب الدنيا أذل أعناق الرجال، ذلوا لأعدائهم، وربوا على الذل أبناءهم بأشكال مختلفة حتى قبلوا الفساد والاستبداد، واليوم نجد الفتن تشتعل في بلداننا اشتعال النار في الهشيم، لا تهدأ في قطر إلا لتشتعل في قطر آخر، أتعرفون لماذا؟ حب الدنيا وكراهية الموت.

حب الدنيا يدعو إلى الحسد، ويحمل على البغي، ويحرض على البغضاء، ويوجد أرضيات ممهدة للصراع بكل أنواعه، سواء أكان صراعًا طائفيًّا أو صراعًا قبائليًّا، أو صراعًا بين مدني وبدوي، أو حضري وأعرابي، أو صراعًا بين الأغنياء والفقراء، أو حكامًا ومحكومين، أو صراع طبقات، كل تلك الصراعات تجد وراءها حب الدنيا وكراهية الموت. حين اضطرت العرب إلى خوض المعارك المختلفة التي فرضتها إسرائيل عليهم منذ قيامها، بحيث تجد أنَّ معركة تنشب بينهم وبين إسرائيل في كل ثماني سنوات أو عشر، وتفرض عليهم فرضًا في الكثير الغالب من قبل إسرائيل، وفي كلها كان الذي يحول بينهم وبين استرداد حقوقهم “حب الدنيا وكراهية الموت”.

ولعل من يتابعون كتاباتي يتذكرون أنَّني كتبت أكثر من مرة عما في باطن الأرض أكان ظهوره نعمة على العرب أم نقمة عليهم؟ من ذلك البترول والغاز، وغيرهما؛ لأنَّ ظهور تلك الأثقال من باطن الأرض إلى ظاهرها زاد لدى العرب والمسلمين حب الدنيا وكراهية الموت، فانغمسوا أو بعضهم على الأقل في الترف والبطر، ورضوا بالحياة الدنيا، واطمأنوا بها، وغفلوا عن آيات الله، وعن هدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكانت النتائج ما رأينا، استهانة بالدماء، سفه في الأموال، انتهاك للأعراض، تدمير للقيم، طغيان في الفساد والاستبداد، تضاعف في مظاهر الفساد، إلى غير ذلك.

وحين تزعَّم الراحل فيصل بن عبد العزيز آل سعود -طيب الله ثراه- سلاح البترول لأول وآخر مرة في تاريخ العرب سنة 1973 في حرب أكتوبر أو العاشر من رمضان، واطلع على بعض تلميحات القادة والساسة الغربيين التي تشير إلى أنَّ العرب لن يصبروا طويلًا على إغلاق أنابيب البترول في وجه أمريكا وأوروبا، وأنَّ إرادتهم ستنكسر أمام شهواتهم ورغباتهم؛ قال الراحل -طيب الله ثراه- حين تجرأ بعض الساسة الغربيين على تهديد البلدان التي قطعت البترول: “ماذا يخيفنا؟ هل نخشى الموت؟ وهل هناك موت أفضل وأكرم من أن يموت الإنسان مجاهدًا في سبيل الله؟ أسأل الله (سبحانه) أن يكتب لي الموت شهيدًا في سبيل الله” وأشار إلى: “أنَّنا قوم كنا نعيش على ثمار هذه الشجرة -وأشار إلى نخلة- ونشرب لبن هذه النوق -وأشار إلى ناقة- ولم ينقصنا شيء، ولم نشعر بأنَّنا بحاجة إلى شيء آخر، ونربي الماشية، ونأكل من لحومها، ونحمد الله ونشكره على ما لدينا، ولن يضيرنا كثيرًا أن نعود لما كنا عليه لو اضطررنا إلى حرق آبارنا والحيلولة بين مغتصبي مقدساتنا واستعمال منتجات أرضنا لكسر إرادتنا”.

وكان أولئك الساسة يدركون أنَّ هذا الرجل الذي يوحي شكله بأنَّه قادم من عصور عزة الإسلام والمسلمين، فله سيماه أو الكاريزما التي كان يتمتع بها، بل كان البعض منهم يشبهه بالسيد المسيح، ويرى في شكله ما يذكِّر بالسيد المسيح، أدركوا منه الصدق فاحترموه، وصاروا يزنون أقواله بموازين في غاية الدقة، أدق من موازين الذهب أصفره وأبيضه؛ لأنَّه ليست العبرة بالكلمة وحدها، ولكن بما ورائها، وبقائلها، ومن يخاطب بها؛ ولذلك قال (جل شأنه): ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء﴾ (إبراهيم:24)!.

فهل نستطيع أن نتخلص قليلًا من حب الدنيا وكراهية الموت؟

لو فعلنا ذلك فسوف نحقق الكثير، وسوف نوقف سيول الدماء في مختلف الأنحاء، وسوف يعود الإخاء والصفاء إلى القلوب والنفوس. فهل من مدكر؟.

— — — — — — — — — — — — — — — — — -

[1] الراوي: ثوبان مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المحدث: الألباني، المصدر: صحيح أبي داود، الصفحة أو الرقم: 4297، خلاصة حكم المحدث: صحيح.

[2] الراوي: عمرو بن عوف المزني المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري، الصفحة أو الرقم: 3158، خلاصة حكم المحدث: صحيح.