من تراث د. طه جابر العلواني (ر): «السلام» ذلك الأمل المنشود

السلام: اسم من أسماء الله –جلّ شأنه- حبيب إلى القلب تستريح إليه النفس، ويمنحها شعورًا لا يمكن أن يقدمه اسم آخر؛ فالله تبارك وتعالى هُوَ السلام المؤمن المهيمن، والله تبارك وتعالى يدعو إلى دار السلام، ويجعل دار السلام دارًا يختص بها أهل محبته] {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (البقرة: 3–5) هؤلاء لهم دار السلام عند ربهم، وهو وليهم وناصرهم ومعينهم بما كانوا يعملون.

والسلام مفهومٌ قرآنيٌّ بناه القرآن لبنة لبنة، وجعل منه غايةً وهدفًا وجعل له سبلاً وطرقًا ومناهج، وأُنزل الكتاب الكريم ليهدي به الله تعالى من اتّبع رضوانه سبل السلام، فالرسول جاء للبشريّة نورًا يبيّن لهم كثيرًا مما كانوا يخفون من الكتاب، فجاء نورًا يحمل كتابًا مبينًا يهدي إلى صراط مستقيم؛ لأنّ القرآن المجيد الَّذِي نزّله الله –تعالى- على رسوله -صلى الله عليه وآله وسلّم- ليكون مصدر هدايته يهدي للتي هِيَ أقوم.

وتحية أهل الجنة من الله تعالى: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ[(الرعد: 24)، وتحيتهم؛ أي: تحية بعضهم لبعض «سلام» وعندما تفتح أبواب الجنان لدخول أولياء الرحمن؛ فإنّهم يستقبلونهم بقوله –جلّ شأنه: ]سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} (الزمر: 73).

والقلب السليم: هُوَ مفتاح الجنة، به تفتح أبوابها، ففي ذلك اليوم {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء: 88–89)، سليم من الآفات وأمراض القلوب كافّة، قلب لا غلّ فيه ولا حسد ولا حقد ولا بغضاء ولا رغبة في إضرار أو إيذاء. قلب استقر الإيمان به واتخذه اليقين دارًا ومسكنًا، مشغولٌ بحب الله تعالى وحب رسوله -صلى الله عليه وآله وسلّم- فلا يبقي فيه فراغ يمكن أن يحتله الغلّ والبغضاء.

إنّ حياة الناس إذا خلت من ذلك السلام فإنّها حياة قد يفضّل الإنسان الموت عليها، وقد يرجح العدم على ذلك النوع من الحياة، فحياة القلق والخوف والفزع والبغض والكراهية والحقد والحسد حياة ملؤها العذاب والشقاء.

وحين نلاحظ أحوال المنتحرين وأسباب انتحارهم ونتأمّل ونتدبّر أسباب ذلك نجدها في غالبيتها ترجع إلى العذاب والشقاء والحيرة والاضطراب والقلق الَّذِي يحدث للقلب فيفسده ناجم عن تلك المشاعر السلبيّة، والاعتقادات الردية التي تفقد الإنسان الإحساس بالسلام وسبل السلام فتصبح الحياة جحيمًا لا يطاق.

والبشريّة اليوم تمر بأحوال عصيبة من الاضطراب والتذبذب، وفقدان الاستقرار وفقدان الإحساس بلذة الأمن والطمأنينة والسلام، تسود أقطارها المختلفة الفتن وعوامل القلق والحروب والكراهية والبغضاء، وفقدان الإحساس بالأمن وغلبة عوامل الاضطراب على عوامل الأمن والسلام.

وكلّها بكل شعوبها بل وحكامها تتمنى لو عرفت إلى السلام سبيلا، وإلى الأمن طريقًا، وإلى الخلاص من ذلك الشبح المخيف الذين يطلقون عليه تارة الاضطراب وتارة الإرهاب، وما إليه ويتمنون لو تخلصوا منه أو بعدوا عنه، ولكنهم لم يستطيعوا لأنّهم لم يهتدوا إلى مصدر الهداية إلى سبل السلام وطرق الطمأنينة والأمن، فهم يقلّبون أفئدتهم وأبصارهم ولكنّهم لم يصلوا بعد إليه، وما هم بواصلين إلاّ إذا استطاعوا أن يزيلوا الحواجز بينهم وبين ذلك المصدر الوحيد الَّذِي يحمل السلام؛ السلام مع الله تعالى، والسلام مع النفس، والسلام بين أبناء الكيان الواحد، والسلام بين البشريّة كافّة.

إنّ ذلك المصدر الَّذِي يحمل المنهج والطريقة المؤدية إلى السلام مَا هُوَ إلا كتاب الله تعالى الَّذِي نزّله على قلب مُحَمَّد -صلى الله عليه وآله وسلّم- ليكون للعالمين نذيرًا، وهذا الكتاب الكريم الَّذِي يهدي الله تعالى به من اتبع رضوانه سبل السلام قد جمع هذه السبل كلّها في أمرين:

الأول: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله.

الثاني: أن يكون الإيمان خالصًا لم يلبس بظلم {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (الأنعام: 82)، والأمن لازم من لوازم السلام فلا يتحقق الأمن ولا يقوم ولا ترسى قواعده إلا على قواعد راسخة من السلام، فإذا وجدت تلك القواعد واستقرت فآنذاك يتحقق الأمن؛ لأنّ الأمن ثمرة السلام ونتيجة عنه.

إنّ الله -تبارك وتعالى- قد جعل للناس حرمًا آمنًا، هُوَ بيته ليتذوق زائره فيه الإحساس بالسلام والشعور بالطمأنينة وليقوم كل مصلٍ أو طائف بالبيت بنيل حظه من السلام النفسي والطمأنينة القلبيّة. وقد مكّن الله -تعالى- للبشريّة حرمًا آمنًا، أمر إبراهيم أن يبنيه ليكون مثابة للناس وأمنًا، وجعل في الزمان أربعة أشهر هِيَ الأشهر الحرم؛ ليتعلم الناس كيف يجعلون من بعض أنحاء الأرض أماكن يسالم بعضهم بعضًا فيها إذا عجزوا عن تحقيق السلام في الأرض — كلّها — كذلك هدى الله –سبحانه وتعالى- البشريّة لتدرك أنّها إن لم تستطع أن تعيش بسلام في عصورها كلّها وفي سائر أجزائها فإنّ عليها -والحالة هكذا- أن تستمتع بالسلام والأمن والطمأنينة خلال أربعة أشهر حرم؛ لعلّ ذلك يعين البشريّة على أن تدرك أنّ في مقدورها إذا أرادت وتوافقت أن تجعل أيامها كلّها سلامًا وأمنًا وطمأنينةً ورخاء.

لقد ظنت الماركسيّة الليننية أنّها تستطيع تحقيق السلام، ورفعت أصواتها بالهتاف للسلام العالميّ ولكنها كانت من وسائل الحرب والصراع وما تزال، وتنادي أمريكا منفردة أو من خلال الأمم المتحدة بالسلام ولم تحقق شيء من ذلك، فهاهي تنثر قواتها في سائر بقاع الأرض فتخوض صراعات عديدة تحت اسم السلام والدعوة إليه، وما حققت سلمًا ولا أوقفت صراعًا؛ لأنّ طبيعة الحضارة الغربيّة بشقيها الماركسيّ والرأسماليّ هِيَ طبيعة صراعيّة لا تستطيع أن تحقق سلامًا.

ووسيلتها الوحيدة لتحقيق مَا تعتبره سلامًا تصدير التوتر والحروب إلى العالم الخارجيّ لإنقاذ مجتمعها من عوامل الصراع التي تفرزها هذه الحضارة وتشغل ماكينة الديمقراطيّة من أجل احتواء دوافع الصراع الكامن في مجتمعها والحيلولة بينها وبين انفلات الأمن وتهديد السلم الاجتماعيّ. ولا يُتوقع من جميع مَا هُوَ سائد ومعروف من فلسفات الشرق والغرب أن يدخل الناس في السلم كافّة.

لكنّ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلّم- بهديه وسيرته واتّباعه للقرآن الكريم وقيامه على مقاصده وتعليم الناس منهاجه قادر على تحقيق مَا عجزت عنه الحضارات الغابرة والمعاصرة، فهو يدعو الذين آمنوا وحدهم لأنّ الأخرين في هذه الحالة إن توقف المؤمنون عن القتال سوف يتوقفون في الغالب؛ لأنّهم لم يجدوا من يقاتلون ومن يصارعون فلا مندوحة للبشريّة بأن تستظل بظلال السلام الأمن. السلام الَّذِي يقدمه هذا القرآن المجيد وتؤسس له آياته، فادخلوا أيها الناس في السلم كافّة.