موريس عايق يكتب: الربيع العربي — حصاد ذاتي

لا أعتقد أن هناك أحدا لم يراجع نفسه وآراءه خلال السنوات الست التي مضت من عمر الربيع العربي، انتصاراته وهزائمه التي هي الأكثر طبعا.

وأفترض أن الكثير من هذه الآراء تعدلت وتغيرت، خاصة أن ما حصل كان يفوق مخيلة أغلبنا، هذا إن لم يكن أساسا في خانة غير المتصور منذ البداية، الملاحظات القادمة ليست تحليلا للربيع أو الدروس المستفادة، بل هي نوع من الحصاد الشخصي، لشخص لم يعايش هذا الربيع إلا عبر المتابعة والقراءة، وليس الحضور الشخصي.

سأتجاوز تحولات السياسة، وأعتقد أنها الأقل أهمية، وسأركز على مسألة أخرى، على النظرة التي حملتها للعالم يوما ما، وهنا سأهتم بنقطتين أعتقد أنهما حصادي الحقيقي من الربيع، وسأعرضهما بسرعة، وليس هنا أي مجال لتطوير نقد منطقي.

الأولى، تتعلق بمسألة الهيمنة. كالعديد من أبناء جيلي والذي أتى من وسط ماركسي، ولكنه نشأ بعد سقوط الاشتراكية الواقعية في التسعينيات، اهتممت بقضايا ما بعد الماركسية والسلطة والهيمنة في التحليل، فقد كانت هذه المسائل هي التي عولنا عليها لفهم السياسة والنزاع والعالم بعد الانهيار.

كانت الهيمنة تقدم الجواب على مسائل النزاع الاجتماعي، والهيمنة تقوم في النهاية على أساس السلطة، الدولة فاشلة لأنها غير قادرة على أن تهيمن بشكل ناجح، طبعا يمكن فهم السلطة التي تستند إليها الهيمنة ماديا، موارد اقتصادية مثلا، أو رمزيا وعلى مستوى الأساطير وفرض الإرادة وإنتاج المعرفة.

اليوم، وبعد تجربة الربيع العربي، أعتقد أن فكرة الهيمنة بهذه الطريقة فاشلة، ليس وحسب أنها قد تفتح الباب لأسوأ الممارسات والجرائم باسم الهندسة الاجتماعية، بل لأنها تغفل أن الشرعية والقبول لا يمكن اختزالهما في الهيمنة والسلطة، إذ إنه مهما كان لديك من قوة، لن تستطيع إقناع الجوعى بأنهم ليسوا كذلك.

القوة مورست، وبطريقة متوحشة في سورية والعراق، بل حتى في مصر. واليوم يرى المرء أن هناك شيئا يبقى منفلتا من الهيمنة. بالمقابل، في دول أوروبا كمثل مضاد، لا يمكن رد الإجماعات والأطر المتوافق عليها لمجرد هيمنة، تجد أساسها الأخير في السلطة.

هناك مسألة يتم إغفالها وهي الشرعية القائمة على أساس من مصالح مشتركة وشروط صلاحية متوافق عليها، هذه كلها لا يمكن تفسيرها بالسلطة. لا يعني أن السياسة لا تحتاج إلى قوة، على العكس هي تحتاج الكثير منها، ولكن القوة والسلطة لا تكفيان لشرح قبولنا بنظام ما، ما يشرح هذا القبول هو الجمع بين الشرعية والقوة، والشرعية لا يمكن إرجاعها إلى مجرد سلطة.

حنة أرندت، مثلا، قدمت نقدا لأفكار التيار الذي ينظر إلى السياسة بوصفها صراع وقوة، وقد حاولت من جهتها أن تعيد الاعتبار لتقليد آخر يستند إلى المحاججة والحوار العقلاني. طبعا عرفت هذين التقليدين قبل وبعد الربيع، لكن ما استجد مع الربيع هو استجابتي، ربما النفسية، للحجتين. اليوم أرى أن أرندت محقة.

المسألة الثانية تتعلق بالأخلاق، وهي نفسها مشتقة من سابقتها. إن نظرنا إلى وعينا وإدراكنا للعالم باعتباره نتاج علاقات قوة وهيمنة، فإن موقفنا تجاه الأخلاق يمكن اشتقاقه ببساطة إما بردها للقانون أو باعتبارها نتاج بنية فوقية ستتغير مع تغيرات البنية التحتية، في الحالتين هي مسألة ثانوية بشكل ما، وهذا ما كنت أعتقده.

اليوم ومع كل هذه الانهيارات، أعتقد أن الأخلاق هي حصننا الأخير، ليس بمعنى أخلاق فاضلة تقدمها التقاليد الدينية أو أن الإنسان هو حيوان أخلاقي كمذهب طه عبد الرحمن، بل باعتبار الأخلاق هي ما يبقى من أساس للترابط الاجتماعي الذي يحمي من الكارثة، الألفة والتكافل والتعاطف الذي يسمح بنشوء أول أشكال التواصل ويصونها.

الأخلاق تأخذ مركزيتها من أنها تقدم الأساس الذي لا يمكن بدونه لمجتمع الاستمرار، الثقة في الآخرين هي ما يمكننا من الوصول إلى توافقات، والتسليم بأن الآخرين سينفذون ما يقع على عاتقهم منها.

قد لا يهم كثيرا المحتوى الخاص بالنظام الأخلاقي ولكن ما يهم أكثر وجوده، هنا نرى الفرق أيضا بين تجارب الانهيار لدينا ولدى الآخرين. لدينا انهيار أخلاقي دون أن نعيش ذلك الانهيار المفجع الذي حصل في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، بينما هناك استمر نظام أخلاقي استندت إليه المجتمعات في صمودها. غرامشي فسر صمود المجتمعات الأوروبية في وجه الثورة بعد انهيار الحرب العالمية الأولى بالهيمنة.

بعكس روسيا المتأخرة، نجحت البرجوازية الأوروبية في فرض رؤيتها للعالم في داخل المجتمع، إذ إن الدولة لم تعد الخط الأخير في وجه الثورة. أعتقد أن ما لم يصب غرامشي بشأنه، وإن كانت آراؤه أشد تعقيدا من بقية رهط السلطة والقوة في شرح الهيمنة، هو أن هذه الهيمنة لا تفسر وحسب بالقوة، بل هناك شيء ما لا يمكن اختزاله لها، وهو النظام الأخلاقي والشرعية، لقد قدما ما يمكن الوقوف عليه والاستمرار.

من باب الأخلاق، ربما، اكتسبت أيضا عينا جديدة لقراءة الإسلاميين. اللافت أنهم امتلكوا حساسية مرهفة لهذا الجانب، في الوقت الذي كانت فيه حساسية التاريخانيين والحداثيين العرب بشكل عام ضعيفة لها.

الجانب الأهم من نقد الإسلاميين للحداثة والعلمنة يقوم على أساس من فكرة بسيطة ومحددة، وبمعزل عن الصياغات المتفاوتة والمتنوعة للمسألة، وهي أن الجانب الأخلاقي هو جانب أساسي لا يمكن تحطيمه أو التغافل عنه أو اختزاله وحصره في الإطار الشخصي.

العلمنة أو الدولة الحديثة أو التقدم والعلم كلها تجعل الأخلاق دونما أساس حقيقي تقوم عليه، وهذه الأخلاق مسألة مركزية في بنية مجتمعاتنا “التقليدية”.

في التجربة التاريخية الأوروبية، كانت عملية تحويل الأخلاق وبناء المجال الخاص طويلة ومعقدة، عندنا تمت بين ليلة وضحاها ولم يكن لدينا كل هذا التاريخ الذي نتكل عليه في فهم نتائجها والذي يجعلنا قادرين على تحمل تبعاتها. لقد تركنا عراة، وهذا ما أحس به “التقليديون” ونبهوا إليه.

لا أريد القول إن الإسلاميين محقون، مرة أخرى لن اتفق مع أخلاقهم لجهة المبدأ، وما يدعون إليه، ولكن أعتقد أنهم كانوا الأكثر حساسية منا جميعا لموضوع لم نأبه له، واليوم ندفع ثمنه وبكل قسوة.

من الممكن استعادة تاريخ الفكر الألماني في وصف حصادي الذاتي. قبل الربيع كنت متعاطفا مع الفكر الألماني قبل وبين الحربين، لاحقا، وبعد الربيع، صرت أعتقد أن حجج مفكري ما بعد الحرب أشد صوابا. هذه الحساسية تعود للربيع، وبيدو أننا لا نتعلم فعليا إلا من تجاربنا.

طبعا يمكن قراءة الحصاد بطريقة أخرى، أني اقترب من الأربعين.

* موريس عايق — كاتب سوري مقيم بألمانيا

المصدر | العربي الجديد