«نيويورك تايمز»: قانون «جاستا» وإعادة التفكير في التحالف السعودي الأمريكي

خلال فترة وجود الرئيس «أوباما» في البيت الأبيض، شاهدت السعودية وحلفاؤها في الخليج العربي بقلق، انهيار التحالف الذي استمر لعقود بين المملكة والولايات المتحدة.

ثم أتى قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب (جاستا)، والذي يسمح لأهالي ضحايا 11 سبتمبر/أيلول بمقاضاة السعودية على أي دور مشكوك فيه في المؤامرة.

كان هذا هو الإثبات لكثير من السعوديين أن التحالف الذي استندوا إليه لعقود قد أصبح مهترئًا، وربما لا يمكن إصلاحه.

ويقول «خالد الدخيل»، أستاذ الاجتماع السياسي والكاتب السعودي: «إنّ قانون جاستا بمثابة نداء يقظة للسعوديين، بأنّ هذا هو الوقت لإعادة التفكير حول مفهوم التحالف مع الولايات المتحدة».

وجاء رد السعوديين على تمرير مشروع القانون بأغلبية ساحقة من مجلسي الشيوخ والنواب ضد فيتو الرئيس «أوباما»، بمزيج من الغضب والحسرة، بينما بدأ العديد منهم يفكر بالفعل، كيف ستتعامل بلادهم مع هذا الأمر.

مثل تمرير القانون ضربةً كبيرة للسعوديين الذين حافظوا منذ فترة طويلة على علاقات وثيقة مع واشنطن والتعاون مع الحكومات الأمريكية في العديد من قضايا الاقتصاد وسياسات النفط والحرب ضد الإرهاب والعمليات الاستخباراتية المشتركة والبرامج العسكرية.

وكان الدبلوماسيون السعوديون، وجماعات ضغط تم توظيفها من قبل السعودية، قد ضغطوا باتجاه رفض مشروع القانون، لكنهم فشلوا في الحصول على عدد أصوات كافٍ ضد إنفاذ مشروع القانون الذي روجت له أسر ضحايا 11 سبتمبر/أيلول.

وأغضب التعامل اللين للمملكة مع الهجمات الكثير من السعوديين. وكانت المملكة قد تبرأت من «أسامة بن لادن»، وهو مواطن سعودي، عام 1994. واستهدفت القاعدة، ومؤخرًا الجهاديون بتنظيم الدولة الإسلامية، السعودية بشكل متكرر ما أسفر عن مقتل مدنيين سعوديين.

ويبرز كثيرًا السؤال: لماذا لازالت الشكوك تحوم داخل الولايات المتحدة حول تورط السعودية في هجمات 11 سبتمبر/أيلول بعد مرور 15 عامًا على الحادث، في الوقت الذي صد فيه تحقيق للكونغرس حول الأمر صدر هذا العام في 28 ورقة، كان من المفترض أن يحوي دليلًا على تورط مسؤولين سعوديين، لكنه ببساطة لم يحوِ أي دليل على ذلك.

ويقول رجل الأعمال السعودي «فيصل بن فرحان»: «لقد تم الربط كثيرًا بين مشروع القانون والسعودية، وهو ما يغذي فكرة مسؤولية السعودية عن الإرهاب الإسلامي، وهذا ما يقلقني أكثر من التأثير المباشر للقانون ذاته».

وتحدث بعض الأشخاص على مواقع التواصل الاجتماعي أنّ مشروع القانون، ربما يكون مؤامرة خبيثة ضد المملكة.

وكتب خالد العلقي تحت وسم «ابتزاز قانون جاستا»: «فشلت أمريكا لمدة 15 عامًا في إثبات أي دور للسعودية في الهجمات، بما في ذلك تحقيق الكونغرس والـ28 صفحة المثيرة للجدل».

وكتب «حذيفة عزام»: «إنّ الهدف من قاون جاستا هو تجميد الأموال السعودية ومصادرتها، لشل حركتها في اليمن وسوريا، في نفس الوقت الذي تطلق فيه سراح الأموال الإيرانية لإمالة كفة الميزان».

وفي بيان للحكومة السعودية يوم الخميس قالت أن هذا الإجراء «يشكل مصدر قلق كبير للمجتمع الدولي الذي يعترض على تآكل مبدأ الحصانة السيادية التي تحكم العلاقات الدولية منذ مئات السنين. وهذا المناخ السيء سيكون له تأثير على كافة الدول بما فيها الولايات المتحدة».

أزمة حقيقية

وقال محللون سعوديون وخليجيون أنّ عمق التحالف بين السعودية والولايات المتحدة أعطى المملكة الكثير من الطرق للتعبير عن استيائها.

وقال «سلمان الدوسري» رئيس تحرير جريدة الشرق الأوسط المملوكة لسعوديين في رسالة إلكترونية : «إنّ التحالف الاستراتيجي بين المملكة والولايات المتحدة في أزمة حقيقية. وإذا كانت الرياض ستتضرر حقًا من هذا القانون، فإنّ واشنطن لديها مصالح أيضًا في المنطقة وستتأثر كذلك».

لدى السعودية العديد من الأموال والاستثمارات داخل الولايات المتحدة. وقد صرح «عادل الجبير»، وزير الخارجية السعودي، أن السعودية من المحتمل أن تبدأ بسحب أموالها من السعودية إذا تخوفت من مصادرة أموالها أو تجميدها على خلفية الإجراءات القانونية. لكن الأمر غير واضح حتى الآن إذا ما كانت السعودية ستبدأ بسحب أموالها.

وتملك الولايات المتحدة تواجدًا عسكريًا كبيرًا في منطقة الخليج، ومهام تدريبية في السعودية، وقواعد عسكرية كبيرة في قطر والبحرين والإمارات. كما تتعاون الولايات المتحدة عسكريًا مع السعودية في اليمن وأماكن أخرى، كما تتشارك معها استخباراتيًا في القتال ضد القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية.

وقال «عبد الخالق عبد الله»، أستاذ العلوم السياسية بالإمارات العربية المتحدة، أنّه في الوقت الذي يبدو فيه القانون وكأنه مستهدف به السعودية فقط، فإنّ باقي دول المنطقة تتخوف أنّها فقط مسألة وقت قبل أن تقرر الولايات المتحدة التوجه باتهاماتها نحو باقي دول المنطقة.

وبينما كان 15 مواطنًا سعوديًا من بين 19 شخصا نفذوا الهجمات من السعوديين، كان من بينهم 2 من الإمارات، وواحد من لبنان وواحد من مصر.

ويضيف السيد «عبد الله»: «يوجد تفكير الآن فيما إذا كانت الولايات المتحدة مكانًا آمنًا بعد للاستثمار، لذا ينبغي علينا لفترة ما أن نتوقف عن الاستثمار داخل الولايات المتحدة، ونبحث عن مكان آخر».

التحالف طويل الأمد

ويرجع التحالف بين السعودية والولايات المتحدة إلى 7 عقود ماضية، عندما تقابل الملك «عبد العزيز» مؤسس المملكة السعودية الحديثة، مع الرئيس الأمريكي «ديلانو روزفلت» على ظهر القطعة البحرية «يو إس إس كوينسي» في البحيرات المرة في قناة السويس.

وتوسع التحالف بين البلدين بشكل كبير منذ ذلك الحين، حيث سعت الولايات المتحدة للحصول على إمدادات النفط السعودي والشراكة مع الوطن العربي. وسعت السعودية للحصول على الأمن والحماية من قوة عظمى دولية.

وتعددت مجال التعاون أيضًا. فقد تعلم عشرات الآلاف من السعوديين في المدارس والجامعات الأمريكية، واستثمرت الحكومة السعودية مليارات الدولارات في القطاع التكنولوجي العسكري الأمريكي، كما تشاركت استخبارات البلدين المعلومات حول التهديدات الإرهابية.

ولكن التوترات طفت على السطح، وهو ما عكس الاختلاف الكبير بين البلدين. كثير من الأمريكيين يتهمون السعودية بالمساعدة في صناعة أرض خصبة للإرهاب بتصديرها ما يعتبرونه نسخة غير متسامحة من الإسلام. وأبدى آخرون قلقهم إزاء حقوق الإنسان في بلد لا تعطي للمرأة حق القيادة، ويعتبر الإلحاد جريمة يعاقب صاحبها أحيانًا بالضرب في ميدان عام.

ورأت حكومة السعودية في تخلي الولايات المتحدة عن حليفها القديم الرئيس المصري المخلوع «حسني مبارك» خلال الاحتجاجات التي اندلعت ضده، خيانة لحليف قوي في المنطقة. كما فشلت السعودية في إقناع الولايات المتحدة للتدخل عسكريًا لوقف الحرب الأهلية في سوريا. كما عارضوا جهود الرئيس «أوباما» لإبرام اتفاق نووي مع إيران، العدو اللدود للسعودية في المنطقة.

وترك القانون الأخير العديد من المحللين يتساءلون حول مستقبل هذا التحالف.

ويقول «مايكل ستيفنز»، رئيس المعهد الملكي للخدمات المتحدة بقطر: «لا يزال البلدان يحتاج كل منهما للآخر، لكن الأمر يبدو بشكل متزايد كزواج منتهي الصلاحية. كلا الجانبين الآن يتساءل حول جدوى استمرار العلاقة».

المصدر | نيويورك تايمز