«نيويورك تايمز»: لماذا يعتقد معظم الأتراك بتورط الولايات المتحدة في الانقلاب الفاشل؟

نشرت جريدة تركية في تقرير لها أن أكاديمي أمريكي ومسؤول سابق بوزارة الخارجية الأمريكية قد ساعد في ربط خيوط المؤامرة العنيفة للإطاحة بالحكومة التركية من مقر إقامته بأحد الفنادق الفاخرة على جزيرة ببحر مرمرة بالقرب من اسطنبول. وفي صدر الصفحة الرئيسية لنفس الجريدة، جاء عنوان يتهم الولايات المتحدة بمحاولة اغتيال الرئيس «رجب طيب أردوغان» ليلة الانقلاب الفاشل.

وعندما وضعت صحيفة أخرى موالية للحكومة تصويتًا على تويتر حول أي جزء من الحكومة الأمريكية تورط أكثر في الانقلاب، جاءت المخابرات الأمريكية في المرتبة الأولى بنسبة 69%، ثم البيت الأبيض ثانيًا بنسبة 20%.

لم تأت نظريات المؤامرة هذه من عدد بسيط من أفراد المجتمع التركي، فربمت تكون تركيا بلدًا تعاني من استقطاب عميق، لكن الشيء الذي أجمع عليه الأتراك بفئاتهم وطوائفهم من إسلاميين وعلمانيين وليبراليين وقوميين، أن الولايات المتحدة كانت بشكل أو بآخر ضالعة في مؤامرة الانقلاب الفاشل.

مخاوف قديمة

هذا التعامل مع الأحداث يعود لقرن تقريبًا، حيث حاولت الدول الغربية تقسيم ما تعرف بتركيا الحديثة اليوم بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، إلا أنها فشلت بسبب الحرب التي شنها «مصطفى كمال أتاتورك»، مؤسس الدولة التركية، ضد المحتلين. ولكن ظلت نظرية الخوف من المؤامرة الغربية على تركيا متأصلة في نفوس الأتراك منذ ذلك الحين.

ولا يعود الأمر فقط لنظريات المؤامرة، بل يرجع أيضًا لاقتناع عام من قبل الأتراك أن مهندس الانقلاب هو «فتح الله كولن» الذي يقيم بولاية بنسلفانيا الأمريكية منذ 16 عامًا.

وحاول السيد «كولن» في كثير من اللقاءات والبيانات نفي صلته بالانقلاب، إلا أنه بسبب عيشه بأمريكا وبسبب مساعدة مسؤول سابق في وكالة المخابرات المركزية، وسفير سابق للولايات المتحدة بتركيا لـ«كولن» في الحصول على البطاقة الخضراء، فإن العديد من الأتراك يظنون أنه عميل أمريكي.

ويؤكد «هالوك تايلان»، وهو صاحب متجر باسطنبول يبلغ من العمر 48 عامًا: «لاشك أن الولايات المتحدة خلف هذا الانقلاب، وأن الدولة العميقة والمخابرات الأمريكية متورطون في ذلك».

وتفشت هذه النظرية إلى الحد الذي دفع مسؤولين أمريكيين بارزين، من بينهم الرئيس «أوباما» للتصريح علانية بالتبرؤ من محاولة الإطاحة بحكومة شريكة في حلف الناتو.

ويقول «بكير كارابولوت»، وهو مطور برامج باسطنبول : «أعلم أنه لا يوجد دليل حقيقي حتى الآن، ولكني أعتقد أنه من السذاجة القول بأن الولايات المتحدة غير متورطة بمحاولة الانقلاب».

وطالبت تركيا بتسليم السيد «كولن»، قائلةً أنه يقود منظمة إرهابية. ولدعم هذا المطلب، أرسلت تركيا ملفًا به أدلة إلى البيت الأبيض، على الرغم من أنها لم تتقدم بطلب قانوني رسمي حتى الآن.

وصل وفد من البرلمان التركي إلى الولايات المتحدة هذا الأسبوع للضغط في هذا الملف، ويبدو أن البلدين يتخذان مسارا تصادميا في هذه المسألة. وقد أشار السفير الأمريكي في تركيا، «جون آر باص»، في مقابلة تلفزيونية مع قناة سي إن إن التركية إلى «تورط عدد كبير من أنصار فتح الله كولن في محاولة الانقلاب». ويشكك محللون في مقدرة تركيا على تقديم أدلة من شأنها دعم قرار من محكمة أمريكية بتسليم «كولن».

سخط بسبب عدم تسليم «كولن»

ومع سخطهم على الولايات المتحدة بسبب عدم تسليم «كولن»، يتساءل الأتراك عن كيف إذا ما كانت تركيا تأوي «أسامة بن لادن» في عام 2001؟

ونظرًا للاعتقاد الواسع بأن «كولن» كان وراء الانقلاب، فإن الامتناع عن تسليمه من قبل الولايات المتحدة ربما يزيد من ردود الفعل الشعبية الساخطة ضد الولايات المتحدة، وسيؤكد للعديدين من الأتراك أن الأمريكيين قد تآمروا ضد تركيا.

ويقول نادل باسطنبول يدعى «عثمان آرسان»: «لو لم يسلموه لنا، فهذه نهاية علاقتنا بأمريكا، عليهم أن يحددوا الطرف الذي يدعمون، ولو لم يفعلوا ذلك، فعليهم مواجعة ردة فعل الشعب التركي، فكلنا متحدون في هذه القضية، ولن نسامحهم أبدًا».

كما أن الأتراك غاضبون من انشغال الولايات المتحدة وأوروبا بمواجهة حملة «أردوغان» ما بعد الانقلاب، بدلًا من مساندة تركيا في مواجهة الخطر الذي يمثله الانقلاب.

وقد انتقد الغرب عمليات التطهير، بعد أن تم القبض على آلاف الجنود وعزل عشرات الآلاف من الموظفين الحكوميين من وظائفهم بسبب الاشتباه في ارتباطهم بجماعة «فتح الله كولن».

ولكن العديد من معارضي «أردوغان» التقليديين، مثل الأكراد والعلمانيين والقوميين، قلقون أيضًا من نفوذ الموالين للسيد «كولن» داخل الدولة، وكلهم متحدون في الاعتقاد بأن السيد «كولن» كان خلف الانقلاب. وهم لا يدعمون عملية التطهير فقط، بل يظنون أيضًا أن الولايات المتحدة تنحاز لطرف «كولن».

ولقد لعب قادة تركيا لعبة مزدوجة مع فكرة تورط أمريكا في الانقلاب، ففي الوقت الذي يقومون فيه بتشجيع نظريات المؤامرة علنًا، فإنهم وبصورة شخصية يؤكدون للمسؤولين الأمريكيين أنه لم يتغير شيء في العلاقات بين البلدين.

وصرح المتحدث باسم أردوغان إبراهيم كالين مؤخرًا لمراسلين قائلًا: «لا نظن أن الولايات المتحدة كان لديها دورًا في محاولة الانقلاب».

وفي زيارته لأنقرة هذا الأسبوع، أكد مسؤولون أتراك لرئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية «جوزيف داندورف» أن تركيا كانت تنوي الحفاظ على علاقات قوية مع الولايات المتحدة من أجل محاربة الدولة الإسلامية.

وفي الأسبوع الماضي، أعرب جنرال أمريكي عن قلقه حول متانة العلاقات مع تركيا بسبب القبض على العديد من الضباط الأتراك الذين يعملون مع الولايات المتحدة بشأن قضايا الإرهاب، بعد اتهامهم بالمشاركة في الانقلاب. وانتقد السيد «أردوغان» الولايات المتحدة بناءً على هذا التعليق قائلًا: «ينحاز الجنرال الأمريكي إلى صف المتآمرين الانقلابيين بكلماته، وكشف نفسه بتصريحاته». كما أشار «أردوغان» إلى «كولن» قائلًا: «من رسم الانقلاب في بلدكم، وتحت رعايتكم».

المصدر | نيويورك تايمز