هاشم الرفاعي يكتب: بوصلة مفقودة في الخليج

نال مواطنو الجزيرة العربية حظا من التعليم، لكنه ليس تعليما قادرا على حل إشكاليات ومعضلات تنموية. هو تعليم أقصى ما يمكن يقوم به أن يمحو أمية القراءة والكتابة، وليس أبعد من ذلك في أحيان كثيرة.

كان الريع النفطي، ولا يزال، المورد الأساسي الذي تعتمده دول الخليج مصدرا رئيسيا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث أثر ارتفاع أسعار النفط، في العقود الماضية، في إيجاد البحبوحة الاقتصادية التي انعكست مشروعات تنموية في دول الخليج مجتمعة، ولا سيما في بناء قطاعات وإنشاءات صناعية لا تخرج، في الغالب، عن مجالات النفط أو المشروعات التي تعتمد النفط موردا أساسيا لها، مثل مشروعات تحلية المياه والكهرباء وغيرها، والتي لا زالت تعتمد على النفط في تشغيلها، إضافة إلى المشروعات العمرانية التي يعتبر النفط ركيزة أساسية ماليا أو ماديا.

مراجعة معدلات النمو الاقتصادية لدول الخليج ومدى استفادة البنى التحتية، على سبيل المثال، من ريع النفط طول العقود الماضية، تظهر لنا مدى نجاحها أو فشلها من الاستفادة من هذه الثروة. بلا شك، حظيت دول الخليج بفرص مادية كبيرة، لكن مراجعة القضايا والإشكاليات التنموية الشائكة لهذه الدول تظهر لنا للأسف أنه لم تكن هناك استراتيجيات تنموية جادة تخطط للاستفادة من هذا الريع.

فقد كان النمط الاستهلاكي المعتمد بشكل مطلق على النفط، وسط تحذيرات بحثية بضرورة تنويع مصادر الدخل الاقتصادية وقت الرخاء، بدلا من الاعتماد المطلق على النفط الذي سيحل لعنة في حال تغيير واقع السوق النفطي أو ركوده وقت الشدة، حيث مجمل المشروعات الاقتصاد وميزانيات التنمية مرتبطة بشكل جذري بمداخيل النفط، أي أن العملية التنموية في خطر!

ابتداء من عام 1979، كان منتدى التنمية الخليجي، في أول جلساته، واعيا للأزمة التي تعاني منها دول الخليج، والتي تتربص بها مستقبلا، حيث على مدى 32 عاما كانت قضايا التنمية والتنويع الاقتصادي وإشكاليات التنمية المنحرفة أساسية تناقش وتصدر فيها عدة بحوث وكتب، حيث، على سبيل المثال، تم في اللقاء السنوي الثاني عرض مدخل إلى دراسة إدارة التنمية في دول الجزيرة العربية المنتجة للنفط، للمرحوم الدكتور أسامة عبد الرحمن، ثم طبع في كتاب بعنوان “البيروقراطية النفطية ومعضلة التنمية”.

وليس هذا فحسب، بل تعمق المنتدى في مناقشة قضايا كثيرة مرتبطة بالإنتاج النفطي الريعي، كالصناعات التحويلية في اللقاء الرابع، والسياسة السكانية في اللقاء السادس، لكن كان هاجس النفط وتداعياته، ولا يزال، المسيطر على طاولة نقاش المنتدى. يبدو أن الرشد في التعاطي مع النفط الذي كان ينشده، ولا يزال، أعضاء المنتدى، لم يلق اهتماما وصدى لدى صناع القرار في دول مجلس التعاون الخليجي.

حيث تذهب معظم هذه المساهمات البحثية من النخبة الأكاديمية والبيروقراطية المتخصصة هباء منثورا. وليس ذلك المنتدى الوحيد الذي كان يبدي تخوفه من السياسات الاستهلاكية النفطية لدول الخليج، بل قدم البنك الدولي في أكثر من مناسبة مقترحات إصلاحية لمحاولة تحييد خطر الاعتماد على سياسات اقتصادية تنتهج مصدرا واحدا للدخل.

السؤال المفترض أن يطرح، ما الذي كان ولا يزال يمنع دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، من الدخول في مسار هذا التحول، على الرغم من كل هذه التحذيرات، تجيب الباحثة في علم الاجتماع، إيمان القويفلي، في ورقة لها عن دولة الرفاه في السعودية:

إن “القوى المتحالفة سياسيا واقتصاديا، والتي تقع على رأس التضامنات أو شبكات الانتفاع كما تسمى، هذه الشبكات الرسمية وغير الرسمية التي يمكن أن تتكون على أسس عائلية وتجارية ومناطقية وقبلية ودينية ترتبط في قمتها بمجموعة من الحلفاء من مراكز الثقل السياسي والبيروقراطي والاقتصادي، وهم يمثلون خزانات الدعم والولاء للسلطة، كما أنهم، في الوقت نفسه، نقاط لمقاومة إصلاحات هذه السلطة، الإقلاع عن الإدمان على الريع والتوجه نحو قيم العمل والإنتاج ونمو القطاع الخاص مشروط بتفكيك هذه الشبكات في الأعلى قبل الأسفل، وهو قرار سياسي أكثر من كونه اقتصاديا”، حيث إن “ذهنية الريع تقاوم ذهنية الإنتاج”.

وتشير الورقة إلى أسباب عديدة، وإذا ما تم التحول ماذا سوف يحدث للطبقة المتوسطة!

ربما هناك أسباب عديدة تساهم في عدم السعي الجاد إلى التحول لتنويع الاقتصاد وازدهار حالة التنمية التي يأتي أولها وأهمها هو بناء الإنسان تعليما ومعرفيا وأخلاقيا، حيث إن الثروة النفطية وسياسات التنمية لم تنتهج هذا البعد الأساسي لها بشكل استراتيجي، خلال العقود الماضية.

بلا شك، نال مواطنو الجزيرة العربية حظا من التعليم، لكنه ليس تعليما قادرا على حل إشكاليات ومعضلات تنموية. هو تعليم أقصى ما يمكن يقوم به أن يمحو أمية القراءة والكتابة، وليس أبعد من ذلك في أحيان كثيرة، حيث الجامعات والتعليم الأساسي تعاني، بشكل رئيسي، من أزمات كبرى في البنية التحتية للتعليم، فضلا عن المناهج التعليمية التي لم تعد قادرة على صياغة إنسان متعلم بالقدر الذي يمكنه من التعاطي معرفيا وعلميا مع الإشكالات التنموية المعاصرة.

وليس الحديث هنا عن الطالب فقط، بل أيضا عن الكادر الوظيفي من أساتذة ومعلمين في التعليم العام والعالي، حيث تفتقد هذه الشريحة، بشكل أساسي، إمكانات مادية ومعرفية كثيرة، للقيام بمهام تعليمية فضلا عن تنمية تعليمية! والمؤشرات على هذا الفشل موجودة من خلال ملاحظة مخرجات التعليم العام والعالي.

أي تعليم أو تنمية لا تتوفر لها بنية تحتية جادة كحاضنات للمعرفة والدراسات ومراكز الأبحاث، هي جهد من العبث وضياع المال. وهذا ما حصل ويحصل حاليا، حيث تذهب بوصلة التنمية الاقتصادية إلى مسارات بعيدة كل البعد عن مكان الإشكاليات الأساسية التي تكمن في بناء الإنسان بواسطة التعليم.

يشكك خبراء اقتصاديون كثيرون في واقعية خطط دول مجلس التعاون الخليجي المستقبلية، حيث ذكر الدكتور حمزة السالم، في لقاء تلفزيوني، أن عمق الفشل في هذه الرؤية أنها تفتقد للإنسان الذي من المفترض أن يقوم بهذه المساهمات التي لن تخلق وتوجد من المصادفة أو العدم.

حيث العنصر البشري الراشد والمتمكن مفقود في أغلب خطط التنمية الحالية، وهو الخطأ نفسه الذي لا يزال يكرر في أغلب أدبيات التخطيط والتنمية التي هي جزء من “قيم الريع التي تقاوم قيم الإنتاج وذهنية الريع تقاوم ذهنية الإنتاج”.

* هاشم الرفاعي — كاتب سعودي وباحث في الاجتماع الديني

المصدر | العربي الجديد