وائل مـرزا يكتب: الاختراق العربي الممكن جدا في سوريا

“صعود هتلر” هو الكتاب الذي وضعته صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية على رأس قائمتها الشهيرة المتعلقة بالكتب التي تنصح بقراءتها.

ماعلاقة هذا بالموضوع السوري والعربي؟ يمكن فهم العلاقة من زاوية قراءة الواقع الأمريكي والأوربي، المتعلق بصعود شخصياتٍ فاشية قُدُماً على سلّم السلطة السياسية في القارتين، في ظل نظامٍ ديمقراطي. وهو مايزيد الحديث دولياً عن احتمالات فوضى عالمية قادمة.

ثمة بُعدٌ آخر يجب أخذه أيضاً بعين الاعتبار. فمنذ يومين، نشرت الصحيفة نفسها مقالاً تحليلياً يتحدث عن محاولة روسيا بوتين لاستغلال الأسابيع القليلة الباقية إلى يوم الانتخابات الرئاسية الأمريكية لخلق أمرٍ واقعٍ جديد على الأرض في سوريا.

وتنقل الصحيفة عن أندرو تابلر، أحد كبار الباحثين في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أنه سمع شخصياً من ساسة وخبراء روس اعتقادهم بأن هيلاري كلينتون ستكون أقرب لسياسة استخدام القوة في سوريا من الرئيس أوباما، حالَ فوزها بالرئاسة. كما تنقل عن مسؤولين أمريكان يقينهم أن من السهل انزلاق روسيا إلى مستنقعٍ في سوريا “خاصةً إذا قامت الدول العربية المؤيدة للثوار بتزويدهم بأسلحة مضادة للطائرات”، كما أكدت الصحيفة.

أما صحيفة (واشنطن بوست) فقد اهتمت بالموضوع من جانبٍ آخر، حين أشارت في تقريرٍ لها يوم الجمعة أنه، بعد أن أقر المشرّعون الروس إقامة قاعدة عسكرية دائمة لبلادهم في سوريا، فإن الحديث عاد في روسيا إلى مسألة فتح قواعد عسكرية في كوبا وفيتنام، وربما مناطق أخرى من العالم.

ثمة فكرٌ سياسي قد يُقوّم الحقائق المذكورة أعلاه بشكلٍ تقليدي، وبهذه الطريقة في التحليل، قد تبدو احتمالات إقدام روسيا على فتح القواعد مُستبعدة. وقد يكون هناك نظر في حقيقة أن (الرئيسة) كلينتون ستلجأ إلى القوة في سوريا.

لكن مايغيب في هذه المعادلة هو التفاعلات غير المحسوبة، التي يمكن أن تنتج عن قرارٍ (مجنونٍ) واحد يمكن للرئيس الروسي أن يتخذه في لحظة نشوةٍ (مافيوية)، ممزوجة بجرعةٍ من جنون العظمة، وغرور عقلية (الكي جي بي).

فهناك شعورٌ سائد حتى الآن في واشنطن بأن “الأمور تحت السيطرة” فيما يتعلق بالتدخل الروسي، وكل ممارساته. وبأن هذا يدخل في إطار استجابة بوتين (اللاواعية) لفخّ الاستنزاف الذي تم سحبهُ إليه استراتيجياً، بغض النظر عن كل الكلام الاستهلاكي المُعلن عن الخلافات الروسية الأمريكية.

لكن ثمة حديثاً يتصاعد في دوائر حساسة بأن الرجل بدأ “يُصدّقُ نفسه”.. والأخطر من هذا، الإشارات إلى أن بعض جنرالاته صدّقوا الوهم الذي باعهم إياه الأمريكان، وصاروا يهاجمون أمريكا، لأول مرة منذ عقود، بأسلوب (قبضايات) الحارات الشعبية.

فمنذ أيام مثلاً، أطلق الناطق باسم وزارة الدفاع إيغور كوناشينكوف، تصريحات بشكلٍ استعراضي قال فيها أن على الولايات المتحدة، وخصوصاً في مؤسستي الجيش والاستخبارات، أن “تدرس ملياً عواقب شن ضربات على مواقع الجيش السوري، لأن مثل هذه الضربات ستهدد بوضوح الجنود الروس”، ثم إن الرجل دعا من وصفهم بـ “ذوي الرؤوس الحامية”، في واشنطن، ليتذكروا أن روسيا نشرت صواريخ “إس-300” في طرطوس و”إس400" في قاعدة حميميم باللاذقية، داعياً للتنبه إلى أن “مدى النظامين وقدراتهما ستحمل مفاجآت تنتظر من يفكّر في الهجوم على سوريا”.

في خضمّ انغماس الروس في هذه الطريقة في التفكير، يحاولون، بشكلٍ محموم، استغلال الأسابيع العشرة القادمة، الحساسة جداً، لتغيير الوقائع على الأرض السورية.

هنا تنفتح إمكانيات الاختراق العربي المقابل، وفي سوريا تحديداً. فـ”الظروف الاستثنائية تحتاج إلى تدابير استثنائية” كما يقول المثل الغربي. وحين ننظر إلى ما يواجهه العرب بشكلٍ عام، ودول الخليج تحديداً، من الأوضاع في سوريا إلى تبعات قانون “جاستا” الأمريكي، يبدو واضحاً أن المشهد يندرج حتماً تحت عنوان الظروف الاستثنائية.

بل إن ثمة تسريبات عن سيناريوهات (وحشية) يطرحها البعض في معرض السياسات الممكنة للتعامل مع المملكة والخليج في الفترة القادمة.. باختصار، ومع (الاحترام) لكل الحسابات الدبلوماسية في الحديث عما يجري.. نحن نعيش، دون شك، واقعَ وجود عدة محاور للمواجهة والمُدافعة الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية في هذه الفترة، ومن الخطأ القاتل الزهدُ في العمل الكثيف فيها جميعاً.

وبين إمكانية أن (يضغط) الروس على الزر الخطأ في أي لحظة، والفوضى العارمة في السياسة الأمريكية هذه الأيام، واحتمالات دخول العالم بأسره في فوضى كبيرة، يبدو هذا الوقتَ المناسب لقرارٍ خليجيٍ حاسم، تقوده المملكة، لإحداث اختراقٍ على الأرض في سوريا، تُضاف نتائجه إلى الأوراق التفاوضية للخليج في هذه المرحلة المفصلية.

مرةً أخرى، تتصرف الغالبية العظمى من القوى الدولية والإقليمية في هذه الأيام بعيداً عن الحسابات السياسية المُندرجة في إطار التوازنات التقليدية القديمة. وهناك شعورٌ عام بإمكانية خرق كل قواعدها. من هنا، سيكون من السذاجة بمكان أن تبقى دول الخليج الطرف الوحيد (المُهذّب) الملتزم بتلك القواعد حالياً. ماسيعود بضررٍ كارثي عليها في المدى المنظور.

أخيراً، ثمة بالحسابات السياسية احتمالاتٌ عالية في أن تكون نتيجة الاختراق الذي ندعو إليه إيجابية. ولكن، مهما كانت النتائج في النهاية، فلن تكون أسوأ من الواقع الذي يبدو أننا كعرب سائرون إليه بشكلٍ مخيف. هذا إن كنا صادقين مع أنفسنا، وتذكّرنا الحكمة العربية العميقة والعملية: “أنا الغريقُ فما خوفي من البَلل”.

* د. وائل مرزا كاتب وأكاديمي سوري

المصدر | الشرق القطرية