ياسر الزعاترة يكتب: فـقـراء الشـيعـة في العـراق بقيادة الصـدر

في الظاهر كانت احتجاجات أنصار مقتدى الصدر السبت، بما شهدته من صدامات وضحايا تتعلق بمطلب تغيير المفوضية العليا للانتخابات التي يعرف الجميع أنها من إرث نوري المالكي، لكن القضية تبدو أكثر عمقا من ذلك.

يعبر التيار الصدري عن فقراء الشيعة الذين دفعوا ثمنا باهظا منذ الاحتلال إلى الآن (العرب السنّة ذاقوا الأمرين كذلك على مختلف الأصعدة)، لكنهم لم يلمسوا أي تغير في حياتهم رغم أن أبناء طائفتهم هم من يحكمون العراق، وإن لم يتحكموا بكل شيء، بوجود إيران.

هؤلاء، شاهدوا كيف تضخمت ثروات أناس محسوبين على الطائفة على نحو مذهل، بمن فيهم للمفارقة أناس كانوا محسوبين على التيار قبل أن يختطفهم رجال إيران ويفسدوهم بالمال والصفقات.

طبقة سياسية فاسدة أكلت الأخضر واليابس، لكنها لم تقدم أي شيء لفقراء الشيعة الذين دفعوا الأثمان الكبرى، بخاصة في الصراع مع تنظيم الدولة الذي طالما استهدف أحياءهم.

باعتراف رموز من الشيعة أنفسهم، لم يطرأ على العراق شيء يستحق التوقف على صعيد البنى التحتية التي بقيت هي ذاتها من الإرث السابق. دعك مما دمّرته الحرب والأحداث التالية التي لم تتوقف إلى الآن.

لقد تعرض العراق منذ الاحتلال إلى الآن إلى أكبر عملية نهب في التاريخ، وغالبا بيد طبقة سياسية فاسدة تدعمها إيران، ويتصدرها نوري المالكي وعصابته.

هنا يتبدى المشهد الشخصي بين الصدر وبين المالكي في الصراع الدائر بين الطرفين، من حيث موقف الصدر من الرجل الذي يعتقد أنه سرق حزب الدعوة، بينما هو الأحق به، تبعا لكونه صهر المؤسس (محمد باقر)، ونجل المجدد (محمد صادق)، لكن هذا البعد ليس هو ما يحرك الجماهير، بل يحركها الاحتجاج ضد الطبقة الفاسدة التي تحميها إيران، ولا زالت تفعل، والتي نهبت على نحو جنوني، من دون أن يحرمها ذلك من دعم إيران المعلن (زيارة المالكي لإيران وما حظي به من مدائح من خامنئي دليل على ذلك).

نفتح قوسا هنا لنشير إلى أن هناك من يتبنى نظرية سطحية تضع الشيعة في سلة واحدة، مع أن عاقلا لا يقول إن هناك جبهة موحدة تماما في أي طائفة أو عرق، والسياسة هي أن ترى التباينات في كل جبهة، حتى تتمكن من بناء تقدير موقف صحيح.

لا أحد ينسى أبدا ما قارفته المليشيات المحسوبة على مقتدى الصدر من جرائم بحق العرب السنّة، لكن موجة القتل في العراق بدأت ولم تنته فصولا إلى الآن، ومن الصعب فرز الساحة السياسية بناء على هذا المعطى لوحده.

العبادي بدوره في حيرة من أمره، فهو يميل إلى تقليم أظافر المالكي، لكنه يخشى الفوضى التي يحدثها أنصار الصدر، ويبدو وضعه أكثر سوءا بعد تشريع مليشيات الحشد، والتي يعلم الجميع أن قاسم سليماني هو من يحركها، وهو الذي لا زال يفكر في استعادة المالكي كرئيس للوزراء، بوصفه الأكثر تبعية لإيران.

خلاصة القول هي أنه من دون تقليم أظافر إيران داخل العراق، فإن البلد لن يستقر (تشريع مليشيات الحشد جعل المهمة أكثر صعوبة بكثير، وهي التي يديرها سليماني)، وحتى لو خسر تنظيم الدولة ما تبقى من الأراضي التي يسيطر عليها، فإن فعله لن يتوقف بوجود حاضنة شعبية توفرها المظالم.

لكن الأهم هو أن المواطن العراقي لن يعرف طعم الراحة في ظل شعارات مكافحة الفساد ونبذ الطائفية التي يطلقها أسوأ الفاسدين وأبشع الطائفيين.

أما مقتدى الصدر، فقد فرض نفسه رقما مهما لا يمكن تجاوزه في الساحة، بصرف النظر عن ضيق الإيرانيين به، أو تفاهمهم لاحقا معه، مع العلم أنهم حاولوا مرارا من خلال نصر الله، وإن لم يظهر نجاح يذكر إلى الآن.

* ياسر الزعاترة كاتب سياسي أردني/ فلسطيني.

المصدر | الدستور الأردنية