3 أسباب وراء اتهامات «البشير» لمصر بتسليح حكومة جنوب السودان

تحمل اتهامات الرئيس السوداني «عمر البشير» للقاهرة بدعم حكومة جوبا بالأسلحة والذخائر في حربها ضد المتمردين، عدة دواقع تتعلق بالحفاظ على نفوذ الخرطوم في جارتها، جنوب السودان، وإحراج نظام الرئيس المصري «عبدالفتاح السيسي»، وتحجيم علاقات القاهرة مع جوبا.

وتحتفظ الخرطوم لعوامل تاريخية وجيوسياسية بفاعلية أكثر في الدولة التي انفصلت عنها قبل 6 سنوات.

ورغم أن الحرب الأهلية التي اندلعت في جنوب السودان أواخر 2013 جعلت من هذا البلد مسرحا للتنافس الإقليمي، إلا أن القاهرة بقيت بعيدة نسبيا عن الملف رغم ارتباطه بأمنها المائي، بحسب وكالة أنباء «الأناضول».

لكن مؤخرا ظهرت مؤشرات على انخراط مصري أكبر في الشأن الجنوب السوداني لا سيما بعد زيارة الرئيس «سلفاكير ميارديت» للقاهرة الشهر الماضي للقاء نظيره «عبد الفتاح السيسي».

وقتها رأى مراقبون أن القاهرة تريد بناء تحالف مع جوبا كترياق لما تراه تحالفا بين السودان وإثيوبيا حيث تؤيد الخرطوم سد النهضة الذي تشيده أديس أبابا على مجرى النيل الأزرق، بينما تعارضه مصر خشية تأثيره على حصتها من المياه.

وما عزز هذه الفرضية أن جوبا كما القاهرة تشهد علاقاتها مع الخرطوم وأديس أبابا توترا نسبيا، مصدره اتهامها لهما بدعم زعيم التمرد «ريك مشار».

وكانت زيارة «سلفاكير» للقاهرة قد سبقتها في ديسمبر/ كانون الأول الماضي زيارة من «السيسي» إلى أوغندا وهي أوثق الحلفاء الإقليمين لحكومة سلفاكير في حربها ضد مشار.

وفي أول صدى لزيارة «السيسي» اتهمت حركة «مشار» في الرابع من الشهر الحالي سلاح الجو المصري بقصف مناطق تابعة لها في جنوب السودان.

ورأت الحركة أن مشاركة مصر في الصراع الجنوب سوداني «مؤشر واضح على أن نظام جوبا يستفز المنطقة ويدفع البلاد إلى حرب إقليمية».

ورغم نفي جوبا والقاهرة على الفور لاتهامات حركة التمرد، إلا أنها عادت إلى الساحة مجدداً، عندما قال الرئيس السوداني قبل يومين لصحف محلية إن «مصر تدعم حكومة جوبا بالأسلحة والزخائر».

لكنه وخلافا لاتهامات حركة مشار، استبعد «البشير» مشاركة قوات مصرية بشكل مباشر، قائلا إن «المعلومات التي لدينا أنهم (مصر) يدعمون حكومة الجنوب بالسلاح والذخائر ولا أتوقع أن يقاتلوا في الجنوب».

وبالنسبة إلى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم «حاج حمد»، فإن دافع «البشير» لمثل هذا التصريح هو «التنافس الإقليمي والتأكيد على أن حكومته بمثابة حارس البوابة إلى جنوب السودان».

ورأى «حمد»، أن «مصر لديها مصالح في جنوب السودان تتعلق بأمنها المائي ولا تريد التعرض لخسائر في مجرى النيل الأبيض مثلما حدث مع إثيوبيا (منبع النيل الأزرق الذي تشيد على مجراه سد النهضة)».

ويقترن النيلان الأزرق والأبيض في الخرطوم، ليشكلان نهر النيل، أحد أطول أنهار العالم والذي يصب في البحر المتوسط بعد عبوره مصر التي تستأثر بـ 55.5 مليار متر مكعب من مياهه مقابل 18.5 مليار للسودان.

وتعادل حصة البلدين نحو 87% من موارد النهر السنوية.

وحتى وقت قريب كانت الخرطوم تدعم القاهرة في معارضة أي مشروع في أي من دول حوض النيل من شأنه التأثير على حصتهما الواردة في اتفاق يعود للعام 1929 وتمت مراجعته في 1959.

غير أن هذا التحالف تعرض لانتكاسة عندما أعلنت الخرطوم في 2013 دعمها بشكل واضح لإثيوبيا في تشييد سد النهضة.

ولا يزال البلدان تقريبا متفقان في معارضتهما لاتفاق عنتيبي الذي وقعته عدد من دول حوض النيل في 2010، لإعادة اقتسام المياه بشكل عادل بحجة أن اتفاقية 1959 المعدلة أبرمت عندما كانت هذه الدول مستعمرة.

ووفقا لأستاذ العلوم السياسية، فإن الخرطوم «لا تريد تدخل مصري في جنوب السودان بمعزل عنها، مع العلم أن موقف مصر ضعيف مقارنة مع السودان الذي يملك تأثير كبير في جارته الجنوبية».

ومع أن العلاقة متأرجحة أصلا بين السودان ومصر بسبب نزاعهما الحدودي على مثلث «حلايب» وتبادلهما الاتهامات بدعم المعارضين، رجح «حمد» أن «لا تعمد القاهرة إلى تصعيد لأنها تحتاج لتعامل مرن مع الخرطوم يحفظ أمنها المائي».

ومن زاوية أخرى رأى الكاتب والمحلل السياسي «أنور سليمان»، أن البشير «يريد من خلال هذا التصريح إحراج مصر وتحجيم علاقاتها مع جوبا لكن لا أعتقد أن ذلك سيحدث».

وأضاف «سليمان» أن «مصر أخلاقيا ستكون محرجة من تغذية صراع خلف آلاف الضحايا لكن قانونيا ليس هناك ما يمنعها من إرسال أسلحة إلى جنوب السودان».

وأشار إلى إخفاق مجلس الأمن الدولي في ديسمبر/ كانون الأول الماضي تمرير مشروع قرار رعته واشنطن يقضي بحظر واردات الأسلحة إلى جنوب السودان.

وكانت مصر من بين 8 دول بينها الصين وروسيا امتنعت عن التصويت على مشروع القرار الذي حظي فقط بموافقة 7 من جملة أعضائه الـ 15.

ولإجازة أي قرار في المجلس يتطلب الأمر موافقة 9 أعضاء على الأقل دون استخدام أي من الدول دائمة العضوية حق النقض (الفيتو).

ورأى سليمان أن «مصر إذا كانت فعلا قد انخرطت في هذا الصراع فالمؤكد أنها راجعت حساباتها جيدا وتحسبت مسبقا لمثل هذه التداعيات لذا لا أعتقد أنها ستكترث لموقف الخرطوم».

ويعتقد الرجل أن اتهام البشير (الذي لم تعلق عليه القاهرة حتى اليوم)، سيفضي إلى تعقيد علاقته مع «السيسي» لكن هذا ليس سوى إضافة مشكلة إلى مشاكل كثيرة ومعقدة بين البلدين.

ومؤخرا، بدأ التقارب المصري الأوغندي الجنوب سوداني يثير جدلا واسعا لدى أوساط سياسية إفريقية، لا سيما في السودان.

وبرز هذا التقارب مع زيارة قام بها الرئيس المصري «عبدالفتاح السيسي»، إلى عاصمة أوغندا، كمبالا، في ديسمبر/كانون الأول 2016، وزيارة رئيس جنوب السودان، «سلفاكير ميارديت»، إلى القاهرة الشهر الماضي، في ظل تواتر المعلومات بشأن اتفاق أمني بين الدول الثلاث.

وأثرت التطورات في علاقة القاهرة وكمبالا وجوبا، بشكل أكبر على علاقة حكومة جوبا مع كل من الخرطوم وأديس أبابا، فبعدما كانت العلاقات الإثيوبية-الجنوب سودانية قد شهدت تطورات إيجابية سابقاً، أتت ردة فعل أديس أبابا بطلب استفسار من جوبا بشأن زيارة «سلفاكير» إلى القاهرة، لتعكس عدم ارتياح إثيوبي، وفق ما ذكرت مصادر مطلعة.

وفي مؤشر على انزعاج الحكومة السودانية من زيارة «سلفاكير»، تجاهلت الخرطوم تحديد موعد رسمي لاستقبال «سلفاكير» بعدما كان قد اقترح أن تتم في 17 يناير/كانون الثاني الماضي.

المصدر | الخليج الجديد + الأناضول