3 أسباب وراء تنامي نفوذ هيئة «الرقابة الإدارية» في مصر

تتزايد على الساحة المصرية، خلال الآونة الأخيرة، وتيرة الإعلان عن كشف قضايا فساد، في مؤسسات وشركات حكومية، وسط اهتمام سياسي وإعلامي كبير، وحملة إشادات بدور هيئة الرقابة الإدارية في مكافحة الفساد المستشري في البلاد.

وتختص هيئة الرقابة الإدارية، وهي جهة استخبارات مدنية، ببحث وتحري أسـباب القصور فى العمل والإنتاج واقتراح وسائل تلافيها، والكشف عن عيوب النظم الإدارية والفنية والمالية التي تعرقل السير المنتظم للأجهزة العامة، بالإضافة إلى متابعة تنفيذ القوانين.

كما تختص الهيئة بالكشف عن المخالفات الإدارية والمالية والفنية التي تقع من العاملين، وضبط الجرائم الجنائية التي تقع من غير العاملين، بالإضافة إلى بحث الشكاوى التى يقدمها المواطنون عن مخالفة القوانين أو الإهمال.

وهيئة الرقابة الإدارية، بحسب موقعها الإلكتروني الرسمي، هي أحد أجهزة الرقابة الخارجية التابعة للسلطة التنفيذية، وتمارس مهامها طبقاً للقانون رقم 54 لسنة 1964، ولها حق الإطلاع والتحفظ على البيانات والمستندات بالجهات وترفع تقاريرها بنتيجة تحرياتها وأبحاثها ومقترحاتها لرئيس الوزراء والوزراء والمحافظين، وكذا جهات التحقيق المختصة لاتخاذ ما يرونه بشأنها.

ويبدو، أن الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي»، يرغب في تنامي دور هيئة الرقابة الإدارية، ومنحها نفوذا واسعا في البلاد، بعد إقصاء الجهاز المركزي للمحاسبات (جهة رقابية)، من المشهد، بعد عزل رئيسه السابق، المستشار «هشام جنينة»، بدعوى إصدار بيانات غير دقيقة، تضمنت تقديرات عن حجم الفساد في مصر بنحو 600 مليار جنيه.

وخلال الكلمة التي ألقاها بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي الشريف مؤخرا، وجه «السيسي» التحية لهيئة الرقابة الإدارية، وأشاد بمجهوداتها الكبيرة في كشف الكثير من القضايا خلال الفترة الحالية، نافيا قيامه بمحاباة أقاربه عبر تعيينهم في مناصب رفيعة بالدولة، وأقسم عدة مرات بالله أنه لا يحابي أحدا ولا حتى أبنائه في وظائفهم العامة.

وهذه هي المرة الأولى التي يخصص فيها «السيسي» إشادة بأحد الأجهزة الرقابية على وجه خاص بهذا الشكل، قائلا إنها تقوم، مشكورة، بمواجهة جادة لأحجام ضخمة من الفساد في البلاد.

وقائع فساد

خلال أسابيع، كشفت هيئة الرقابة الإدارية، عن العديد من قضايا الرشوة والفساد، آخرها ضبط «حازم القويضى» محافظ حلوان الأسبق، لحصوله على سيارة مرسيدس موديل إس 350 قيمتها تقدر بنحو مليون جنيه، على سبيل الرشوة، من رئيس مجلس إدارة شركة بالمعادى، جنوب القاهرة، مقابل تسهيل الاستيلاء على قطعة أرض أملاك دولة، بالاشتراك مع مدير إدارة الأملاك بالمحافظة، وتخصيص قطعة الأرض التى تبلغ مساحتها 800 متر بشارع 9 بالمعادى لشركة سيارات، بدلا من طرحها بالمزاد أثناء فترة شغله منصب المحافظ.

وضبطت الرقابة الإدارية، مطلع الشهر الجاري، المهندس الاستشاري الهندسي للاتحاد التعاوني لجمعيات الإسكان، عقب تقاضيه 1.8 مليون جنيه رشوة، مقابل اعتماد تنفيذ مشروعات جمعيات إسكان العاملين بالملاحة الجوية، والعاملين في القرى السياحية بالغردقة، والتطبيقيين، وذلك كجزء من مبلغ رشوة متفق عليه، قدره 35 مليون جنيه.

وقالت الهيئة، في بيان لها، إنها ضبطت مدير المشتريات بوزارة التخطيط عقب تقاضيه رشوة قدرها 1.3 مليون جنيه من إحدى الشركات الموردة لأجهزة حواسب آلية ومعدات إلكترونية وكابلات للوزارة.

وأضاف الهيئة، أن «الموظف تقاضى الرشوة مقابل قيامه بتسريب معلومات عن عروض الشركات المنافسة وتسهيل صرف المستخلصات المالية التي تزيد قيمتها عن 100 مليون جنيه، مما يؤثر على تنافسية العطاءات ويؤدي إلى حصول الوزارة على الأجهزة والمعدات بأسعار مغالى فيها».

وضبطت الهيئة، رئيس قسم النساء والتوليد بمستشفى النساء والأطفال في جامعة المنيا، جنوب البلاد، وأمين المخازن بذات المستشفى، بتهمة تسهيل استيلاء إحدى شركات الأدوية والمستحضرات الطبية والكيماوية على المال العام، بما قيمته 940 ألف جنيه.

وفي مؤشر على توسع نشاط الهيئة، سقط مدير عام المشروعات الصغيرة في أحد البنوك، وآخرين، بتهمة تقاضي مليوني جنيه على سبيل الرشوة، مقابل منح وتخصيص قروض بموجب مستندات مصطنعة، كما سقط مفتش آثار، بمحافظة الجيزة، بتهمة تقاضي مليون و150 ألف جنيه رشوة.

وتحت عنوان «سقوط أكبر شبكة دولية للاتجار فى الأعضاء البشرية»، برزت هيئة الرقابة الإدارية، على الساحة الإعلامية، بعد الكشف عن شبكة تضم مصريين وعربا، تقوم باستغلال الظروف الاقتصادية لبعض المصريين للاتجار في الأعضاء البشرية، مقابل مبالغ مالية زهيدة في حين يحصلون هم على مبالغ مالية باهظة.

وضبطت الهيئة ملايين الدولارات والجنيهات لدى المتهمين من متحصلات الاتجار فى الأعضاء البشرية، ومن بين أعضاء الشبكة أساتذة وأطباء وأعضاء هيئة تمريض وأصحاب مراكز طبية ووسطاء وسماسرة، بحسب وكالة الأنباء الرسمية المصرية «أ ش أ».

سر الصعود

ويحظى رئيس هيئة الرقابة الإدارية «محمد محمد عرفان»، بثقة كبيرة لدى «السيسي»، وصدر له في مارس/ آذار من العام الماضي، قرارا جمهوريا بالمد له لمدة عام آخر.

وظهر «عرفان»، بشكل لافت، في العديد من المناسبات التى يتواجد بها «السيسي»، وقام أمام الكاميرات بعرض بعض المشروعات الجديدة على الرئيس، وهو ما جعله يتصدر بورصة الترشيحات لرئاسة الحكومة، خاصة مع تزايد الغضب الشعبي على أداء الحكومة الحالية ورئيسها «شريف إسماعيل».

وكان «عرفان» يشغل منصب رئيس قطاع العمليات الخاصة بهيئة الرقابة المالية قبل تكليفه برئاسة الهيئة العام الماضي.

وتوسعت صلاحيات الرقابة الإدارية في الشهور الأخيرة، مع الأخذ في الاعتبار أن معظم العاملين في الهيئة هم ضباط جيش في الأساس، حيث باتت تقوم بمهام مؤسسات حكومية ورقابية وأمنية أخرى، بحسب مراقبين، وأعلنت عن كشف العديد من قضايا الفساد داخل مؤسسات الدولة.

لكن وزير العدل الأسبق، المستشار «أحمد سليمان»، قال في تصريحات صحفية، إن وقائع الفساد التي يعلن عنها في الفترة الأخيرة «هدفها تجميل وجه النظام»، في إشارة إلى رغبة «السيسي» في تسويق نفسه بصفته رئيسا يضرب بيد من حديد على أيدي الفاسدين.

لكن سر التنامي السريع في نفوذ الهيئة، يرجع وفق الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية، «عمرو ربيع»، إلى أن «نجل السيسي يعمل ضابطا في الهيئة»، ولذلك «يتم تجميل هيئة الرقابة الإدارية من قبل الإعلام وباقي أجهزة الدولة المختلفة إرضاء للسيسي، خصوصا أن اسم نجله ذكر في أكثر من قضية تم كشفها باعتباره البطل محارب الفساد».

ويقول «ربيع»، إن طبيعة عمل الهيئة تحتم عليها التعاون مع مؤسسات الدولة الأخرى، مثل جهاز الكسب غير مشروع أو مباحث الأموال العامة أو الجهاز المركزي للمحاسبات، لكن اسم الرقابة الإدارية أصبح يذكر وحده وكأنها المسؤولة الوحيدة عن مكافحة الفساد في البلاد، وهذا لم نكن نراه في الماضي في أي عهد سابق، وفق تصريحاته لموقع «عربي 21».

ودأبت وسائل إعلام مصرية، مؤخرا، على تلميع صورة هيئة الرقابة الإدارية، التي يعمل فيها «مصطفى»، نجل «السيسي»، كما توالت الإشادات الرسمية بدور الهيئة في ملاحقة الفاسدين، تزامنا مع مهاجمة باقي المؤسسات الحكومية، واتهامها بالتقصير في هذا المجال.

وتورد أستاذة العلوم السياسية، «أمل حماد»، سببا ثالثا للصعود السريع لـ«الرقابة الإدارية»، متمثلا في الخلاف الذي حدث بين «السيسي» ورئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السابق «هشام جنينة»، والذي أدى إلى الإطاحة بالأخير من منصبه، ما أثّر بشكل كبير على العاملين في الجهاز، الذي أصبح يتخوف من الكشف عن قضايا الفساد.

وكانت إقالة «جنينة»، وحبسه عاما مع إيقاف التنفيذ لمدة 3 سنوات، وغرامة 20 ألف جنيه، وكفالة 10 آلاف جنيه، يوليو/تموز الماضي، أثارت جدلا كبيرا في الشارع المصري، حيث اعتبر حقوقيون وسياسيون القرار غير قانوني ويمثل مساسا باستقلالية الجهاز المركزي للمحاسبات، أعلى جهاز رقابي في البلاد. وقال بعضهم إنه كان الأولى التحقيق في صحة الأرقام التي أعلنها الرجل بشأن حجم الفساد في البلاد، بدلا من محاكمته وحبسه بتهمة نشر أخبار كاذبة.

علامات استفهام

ثوب «الرقابة الإدارية» المزخرف بالثناء والإشادة، لوثته تجاوزات حقوقية في مقار الاحتجاز التابعة لها، والتي شهدت في يناير/كانون ثان الماضي، موت المستشار «وائل شلبي» الأمين العام لمجس الدولة «منتحرا» وفقًا للرواية الرسمية التي يُشكك الكثيرون في صحتها.

وكانت مصادر قضائية، كشفت لـ«الخليج الجديد»، أن «أغلب مناقصات مشروعات مجلس الدولة خلال الأعوام الماضية تم ترسيتها على جهاز الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وأن تفاصيل تعاقداتها كانت بحوزة (شلبي) الذي هدد بالكشف عن أسماء جنرالات في الجيش المصري ضالعين في القضية 1150 لسنة 2016 حصر أمن دولة المعروفة برشوة مجلس الدولة».

وأكدت المصادر، أن «الأمين العام لمجلس الدولة السابق لم ينتحر»، مؤكدة أن «جهة سيادية ضالعة في إنهاء حياته بشكل لا يثير الشكوك».

وعلى الرغم من دورها البارز في ترشيح الشخصيات العامة لتولي الحقائب الوزارية والمناصب العامة، فإنها أيضا قبضت على شخصيات كان قد سبق أن وافقت عليها، فأبرز القضايا التي كشفتها كانت قضية وزير الزراعة المصري الأسبق «صلاح هلال»، الذي اُلقي القبض عليه من قبل ضباط الرقابة الإدارية في سبتمبر/أيلول 2015 من ميدان التحرير، وسط العاصمة القاهرة، بعد دقائق من تقديمه استقالته. وكان «هلال» قد عين وزيرا للزراعة في مارس/آذار 2015 بعد ترشيحه في عدد من التقارير الصادرة عن جهات رقابية، بينها هيئة الرقابة الإدارية.

في ذات السياق، تساءل الأكاديمي «نادر نور الدين»، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، عن موقفها من البلاغات المقدمة ضد الدكتور «عبد المنعم البنا»، وزير الزراعة الحالي، والمتهم في قضايا استيلاء، وإهدار للمال العام، بلغت 18 قضية، تخص وقائع فساد فى الوزارة ومركز البحوث الزراعية الذى كان يترأسه.

وقال في تدوينة عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»:«معجب جدًا بنشاط هيئة الرقابة الإدارية حاليا وأرجو لها المزيد من النجاح، وكنت أرجوها أن تقول رأيها في البلاغات المقدمة ضد وزير الزراعة الحالي، فنحن لم ننسى أن وزير الزراعة الأسبق المحبوس حاليا صلاح هلال حصل على تقرير صلاحية بتعيينه وزيرا».

وفي الكثير من الحالات يعين بعض ضباط الرقابة الإدارية بعد خروجهم على المعاش، مديرين أو مستشارين في شركات ووزارات ومُؤسسات أُخرى؛ ما يعني شبهة تضارب المصالح.

ويحتفظ أرشيف الفساد في مصر، بالتهم المباشرة الموجهة لبعض القيادات السابقة في الهيئة، من بينهم اللواء «هتلر طنطاوي» الرئيس الأسبق للرقابة الإدارية، والذي اتهم باستغلال النفوذ للحصول على أراضٍ بغير وجه حق، كما قُدّمت بلاغات بحق اللواء «محمد التهامي» الرئيس الأسبق للرقابة الإدارية بتهمة التورط في فرم مستندات كانت تدين الرئيس المخلوع «حسني مبارك»؛ ما دفع بالرئيس «محمد مرسي»، اول رئيس مدني منتخب في البلاد، إلى إقالته من منصبه، لكن البلاغات المقدمة ضده لم تنته إلى شئ، وعين رئيسًا للمخابرات العامة في عهد الرئيس السابق المؤقت «عدلي منصور»، عقب الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز 2013.

وأسست الرقابة الإدارية عام 1964 كهيئة رقابية مستقلة، قبل أن يحلها الرئيس المصري الراحل «أنور السادات» بقرار رئاسي عام 1980، ثم عادت للعمل مرة أخرى عام 1982 مع بداية عهد «مبارك»، لتطلق يدها وفق إرادة ساكن القصر الجمهوري.

وقال مؤشر مدركات الفساد لعام 2016، الذي أعلنته منظمة الشفافية الدولية، يناير/ كانون ثان الماضي، إن مصر أكثر فسادا في 2016، مقارنة بالعام قبل الماضي.

واحتلت مصر المركز 108 في مؤشر الفساد من بين 176 دولة شملها المؤشر في 2016، وكانت تحتل المرتبة 88 من بين 168 دولة في عام 2015.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات