«أراب دايجست»: الإعلام والعلاقات العامة.. الحرب الجديدة في الشرق الأوسط

في معظم الدول العربية، لا تزال المخابرات أو وزارة الداخلية تشرف على شؤون الإعلام، ولا تزال الشرطة السرية تبحث في ملفات محرري الصحف بعناية. وتعتمد الحياة المهنية لموظفي الإعلام على تلبية توقعات الأنظمة، ويقيدون بالعديد من الخطوط الحمراء.

ولقد كانت لبنان منذ فترة طويلة من أكثر البيئات الإعلامية ليبرالية في العالم العربي، وعلى الرغم من صغر حجمها، إلا أنها لا تزال واحدة من المراكز الإقليمية للإنتاج الإعلامي العربي.

ومنذ السبعينات وحتى وصول الجزيرة عام 1996، مارس السعوديون سيطرة قوية على وسائل الإعلام العربية. ولا تزال العائلة المالكة تملك أو تسيطر على أكثر من مائة محطة تلفزيونية فضائية، بما في ذلك شبكات إم بي سي وأوربت وإيه آر تي وروتانا والعربية. وفي الأعوام الأخيرة، واجهت شبكة الإنترنت تحديًا شديدًا للسيطرة عليها، واضطرت وسائل الإعلام التي تديرها الدولة إلى رفع مستوى اللعبة بشكلٍ كبير.

وتنشر اليوم الصحف السعودية مثل «الحياة» و «جازيت السعودية» في كثيرٍ من الأحيان أخبارًا عن مواضيع غير مسبوقة، مثل خطط التقشف الحكومية وعمليات التسريح الجماعي. وتظهر القنوات التلفزيونية السعودية الرائدة مناقشات على الهواء مع الوزراء حول قضايا اليوم بطريقة لم يكن يسمع عنها حتى وقتٍ قريب.

ومع ذلك، لا يزال نجوم وسائل الإعلام الإلكترونية المحليين مثل «غانم المصارير» يخطفون الأضواء، حيث يجذبون بانتظام ملايين الزوار شهريًا إلى قنواتهم على يوتيوب وتويتر، أكثر بكثير من تداول أي صحيفة عربية مطبوعة، وأكثر من معظم القنوات التلفزيونية، على الرغم من أنّ أرقام مشاهدة التلفزيون نفسها محل نقاشٍ ساخن.

وبحجة انتهاكات سلامة العمل، أمرت الحكومة المصرية بإغلاق شركة إبسوس الدولية للبحوث والاستطلاعات الشهر الماضي، بعد أن أظهرت إبسوس أنّ القنوات التلفزيونية المصرية الرائدة غير شعبية كما تدّعي رسميًا.

وفي الأسابيع الأخيرة، قامت الحكومة المصرية أيضًا بحجب عشرات المواقع الإلكترونية التي تم تمويلها بشكلٍ مباشر أو غير مباشر من قبل قطر، فضلًا عن العديد من المواقع الأخرى التي لا يُعتقد أن تكون كذلك مثل مدى مصر و هافينغتون بوست العربية.

وإضافةً إلى المشهد الإعلامي المعقد، تخرج المزيد من المنصات الإخبارية عبر الإنترنت في كل وقت. مثل انطلاق إيران العالمية على سبيل المثال، وهي قناة تلفزيونية جديدة بالفارسية معادية لإيران تدعمها السعودية ومقرها في لندن، في مايو/أيار. ويُزعم أنّها ممولة من السيد «عادل عبدالكريم»، مدير شركة إنتاج تلفزيوني سعودية. وفي يونيو/حزيران، تم إنشاء موقع إخباري عربي جديد، وهو ميدل إيست تريبيون.

وفي كثير من الأحيان، كما هو الحال في الغرب، لا يكون من الواضح من يملك أو يمول هذه المواقع. وتمثل المواقع الإخبارية العربية المزيفة مصدر قلق.

ويبرع المال العربي أيضًا في إيجاد طرقٍ في المؤسسات الإعلامية الغربية القائمة من خلال وسائل مشروعة تمامًا. فالدكتور «نواف عبيد» على سبيل المثال، المعلق متكرر الظهور على قناة سي إن إن، والموالي للسعودية، هو أيضًا مؤسس مؤسسة خيرية تعمل في شراكة مع مشروع سي إن إن فريدوم.

محاولات للتأثير

وكشفت التسريبات السعودية التي نشرتها ويكيليكس في يونيو/حزيران عام 2015 عن بعض الطرق الأخرى التي تستخدمها الأنظمة العربية لمحاولة التأثير على الرأي العام الدولي. وقد تبين أنّ عددًا من الشخصيات العربية المعروفة والمنظمات الإعلامية قد حصلت على الأموال السعودية أو حاولت الحصول عليها، بما في ذلك رجل الدين الإسلامي «عمرو خالد» والصحفي المصري «مصطفى بكري».

وقد اشتملت مراسلات من السفارة السعودية في لندن لمناقشة الإجراءات القانونية ضد صحيفة الغارديان بسبب مقال من أحد المعارضين السعوديين البارزين وظهور نفس المعارض على قناة «أون» التلفزيونية المصرية، وأشارت إلى وجوب بحث «كيف تم اختياره» . لكنّ صاحب المحطة آنذاك، الملياردير نجيب ساويرس لم يكن يريد أن يكون «معارضًا لسياسات المملكة»، وأمر بعدم ظهور المعارض على القناة مرة أخرى.

وإلى جانب محاولات التأثير على وسائل الإعلام العربية والغربية، كثفت الحكومات العربية في الأشهر الأخيرة من جهودها لمحاولة التأثير على المنظمات الأخرى ذات الصلة بالإعلام مثل مراكز البحوث والمراكز الفكرية والمؤسسات الأكاديمية.

وقد تم إنشاء العديد من المؤسسات الأكاديمية أو البحثية في الغرب بتمويلٍ عربي، بما في ذلك مركز الدراسات الإسلامية في جامعة أكسفورد، والكراسي الأكاديمية في سواس ودورهام وإكستر وجامعة هارفارد وسانتا باربرا على سبيل المثال لا الحصر، وكذلك مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية ومقره لندن.

وفي العام الماضي، نُشرت وثائق مسربة تبين أنّ المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ومقره لندن قد تلقى سرًا 25 مليون جنيه إسترليني من العائلة المالكة البحرينية، واتفق على «اتخاذ جميع الخطوات اللازمة» للحفاظ على سرية معظم التبرعات.

أزمة قطر تشعل السباق

وشملت رسائل البريد الإلكتروني المسربة الشهر الماضي من حساب البريد الإلكتروني لسفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى الولايات المتحدة، «يوسف العتيبة»، فاتورة من مركز الأمن الأمريكي الجديد، وهو مركز أبحاث أمن وطني مؤثر، بتاريخ 12 يوليو/تموز عام 2016، وفواتير لسفارة الإمارات بمبلغ 250 ألف دولار لورقة بحثية بشأن النظام القانوني الذي يحكم تصدير الطائرات العسكرية بدون طيار.

ووفقًا لـ «بوليتيكو»، وقبل الأزمة الأخيرة بين قطر والكتلة التي تقودها السعودية، أنفقت الحكومة القطرية أقل من 300 ألف دولار شهريًا لصالح 4 من شركات الضغط في واشنطن. ومنذ اندلاع الأزمة، استأجر القطريون ثلاث شركات أخرى، وينفقون ما لا يقل عن 1.4 مليون دولار شهريًا. وقد يكون ما ينفقه السعوديون وحلفاؤهم أقل وضوحًا، لكن يعتقد أنّه أعلى. وفي الشهر الماضي، ذكرت قناة الجزيرة أنّ اللوبي السعودي في الولايات المتحدة شنّ حملة إعلانية تلفزيونية ضد قطر بإنفاق بلغ 138 ألف دولار على إعلان من سبع نقاط في ثلاثين ثانية. ولدى كل من الإمارات والبحرين ومصر جماعات الضغط الخاصة بها في واشنطن. كما تردد أنّ الكتلة السعودية حاولت ممارسة نفوذها على البيت الأبيض من خلال بناء علاقاتٍ عامة أوثق مع (إسرائيل). وبطبيعة الحال، تبذل (إسرائيل) جهودًا خاصة لنشر معلوماتٍ إيجابية أو دعاية عن أنشطتها كما تفعل بلدان أخرى كثيرة.

وفي عصر المعلومات، لا يوجد دليل موثوق به حول من الذي يؤثر على من في وسائل الإعلام العربية. ومن الناحية العملية، تبقى عملية إدارة تدفق المعلومات وتمييز المعلومات المضللة في هذه الأجواء عملية صعبة ومعقدة للغاية.

المصدر | أراب دايجست