أزمة قطر: استعراض فاشل للقوة من «بن سلمان».. والعالم ينحاز للدوحة

كانت قطر دائمًا مختلفة قليلًا. إنّها دولة خليجية، بمعنى أنّها تحظى بأغلبية سنية، وشديدة الثراء، وتعتمد بشكلٍ كاملٍ تقريبًا على صناعة النفط والغاز الطبيعي المزدهرة. ومن ناحية أخرى، اشتبكت مع بقية دول الخليج مرارًا وتكرارًا. وخلال الربيع العربي، كانت الدولة الخليجية الوحيدة التي تدعم الاحتجاجات التي نشأت عبر المنطقة. وفي مصر وتونس، دعمت جماعة الإخوان المسلمين، التي صنفتها جميع دول الخليج الأخرى جماعةً إرهابية. وفي سوريا، دعمت مجموعة متنوعة من الجماعات المعارضة التي لم تدعمها السعودية. وبدأ السعوديون معاقبتها على هذه الانحرافات عن سياستها الخارجية من خلال سحبهم سفيرهم من الدوحة لأول مرة عام 2014، ثم سحب سفيرهم وإعلان حظر على قطر في يونيو/حزيران. لكن لم تكن تلك الأزمة بشأن دعم قطر للإرهابيين كما زعمت السعودية، بقدر ما كانت عقابًا على سياستها الخارجية المستقلة.

وخلال القرن والنصف الماضيين تقريبًا، لم يكن لدى قطر سياسة خارجية خاصة بها. وكانت محمية بريطانية حتى عام 1971، وبعد انسحاب بريطانيا، كانت قطر متجهة عمليًا لتصبح تابعًا سعوديا. فمع صغر حجم أراضيها، والعدد الأصغر من السكان، وصناعة نفط وغاز طبيعي أصغر حجمًا وأقل تطورًا، لم تكن هناك أي وسيلة قد تقاوم بها قطر. وأكثر ما يبعث على الانزعاج من وجهة نظر قطر، أنّها تعتمد في 40% من المواد الغذائية والمياه وغيرها من المنتجات الاستهلاكية القطرية على المواد التي تأتي عبر الحدود مع السعودية. وهذا يضع إمداداتها من الموارد تحت رحمة المملكة.

ويزداد الأمر سوءًا بسبب اعتمادها على إيران، العدو الجيوسياسي والديني للمملكة العربية السعودية. وعلى عكس البحرين والإمارات، التي تدور في فلك النظام السعودي في شبه الجزيرة العربية، تعتمد قطر على إيران، بقدر ما تعتمد على المملكة. وتتقاسم قطر معظم الغاز الطبيعي مع إيران، وتمر أغلبية التجارة القطرية عبر مضيق هرمز الذي تسيطر عليه إيران. وتجمع مصالح قطر بين مصالح هاتين القوتين. وإذا غضب السعوديون، يمكنهم أن يلحقوا ضررًا بالغًا بالاقتصاد القطري، وإذا غضب الإيرانيون، يمكنهم شل التجارة القطرية. وإذا اتفق السعوديون والإيرانيون مع بعضهم البعض، فلن تكون هناك مشكلة. لكنّهما في الواقع، يختلفان حول كل شيء تقريبًا، وخاصةً الدين. وتعج سياسة قطر الخارجية المحاصرة بين عدوين لدودين هي أخطر سياسات المشي على الحبل في العالم.

السير على الحبال

وبدأ المشي على هذا الحبل عام 1995، تحت حكم الشيخ «حمد بن خليفة». وقبل ذلك، لم يكن لدى قطر سياسة خارجية حقيقية. وكانت الدولة تابعًا للإمبراطورية البريطانية، قبل أن تكون كذلك بالنسبة للمملكة العربية السعودية، التي كان لها سيطرة كاملة على سياستها الخارجية وتأثير كبير على سياستها الداخلية. وحرص «حمد» على صياغة سياسة خارجية جديدة. وكان هدفه جعل قطر سويسرا جديدة في شبه الجزيرة العربية. أي أنّه أراد من قطر أن تعمل كدولة محايدة تتعامل مع الجميع وتكون معروفة بحيادها وتصبح مدعوة إلى التحكيم في النزاعات. وسواء كان ذلك من خلال إقامة علاقاتٍ تجارية أو روابط استراتيجية أو مزيج من الاثنين، كان معنى ذلك أن تتشابك مصالح الدول الأخرى مع ازدهار دولة قطر واستمرارها في النجاح في سياستها.

وفي البداية، كانت قطر ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية بما يكفي لجذب قدرٍ كبيرٍ من الاهتمام من جميع أنحاء العالم. وبعد روسيا وإيران، كان لديها أكبر احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم، وهي المصدر الرئيسي للغاز الطبيعي المسال. والأهم من ذلك، أنّها أكبر منتجٍ للغاز الطبيعي في حالة جيدة مع الغرب، وتبيع كميات كبيرة من الغاز إلى البلدان من المملكة المتحدة إلى اليابان. وإلى جانب هذه العلاقات الاقتصادية، فإنّ لقطر أيضًا أهميتها الاستراتيجية الكبيرة لكلٍ من السعودية وإيران. ويسمح لها موقفها بتهديد حقول النفط الإيرانية أو الاستقرار الداخلي للمملكة، اعتمادًا على من تتحالف معه، مما يدفعها للحفاظ على علاقتها بقطر.

وطوال فترة التسعينات وبداية الألفية الثالثة، اعتمدت سياسة قطر على تلك المزايا الطبيعية في الوقت الذي تبذل فيه قصارى جهدها لتبدو محايدة. ولم تقم قطر أبدًا بالتزامٍ قويٍ تجاه أحد الأطراف، وتحوطت دائمًا في خياراتها. وبعد غزو العراق عام 2003، سمحت قطر للقوات الأمريكية باستخدام البلد كنقطة انطلاق، لكنّها نسقت إنتاج الغاز الطبيعي مع إيران أيضًا. وفي العام نفسه، أنشأت قطر مقر القيادة الجوية المركزية الأمريكية بقيمة مليار دولار عام 1996، ولكن في عام 2010، قامت بالتنسيق مع ضباط في الحرس الثوري الإيراني لترتيب تدريباتٍ عسكرية. وبحلول عام 2010، حققت الحكومة القطرية هدفها بشكلٍ أساسي، حيث كانت قطر تتعامل مع كل دولة تقريبًا، وكانت هناك حاجة إلى العديد من الدول الأخرى. وكعامل قوة، كانت قطر تسيطر على منفذٍ إخباريٍ محترمٍ إلى حدٍ ما في شكل قناة الجزيرة، والتي استخدمتها للتأثير على دولٍ أخرى.

وبعد أن أمضت قطر ستة عشر عامًا في تأسيس نفسها كقوة محايدة في الشرق الأوسط، غيرت سياستها فجأة. وخلال الربيع العربي، ألقت قطر بثقلها وراء المتظاهرين. ومن إرسال الأسلحة والتمويل إلى تخصيص ساعاتٍ لا تحصى من بث قناة الجزيرة لمقابلة المتظاهرين وقادة المعارضة، استخدمت قطر كل الوسائل الممكنة لتوفير المساعدة للمجموعات التي سعت إلى الإطاحة بحكومات بلادهم. ومما زاد من تفاقم هذه المشكلة، أنّها احتضنت جماعة الإخوان المسلمين، متجاهلةً حقيقة أنّ كل دولة خليجية أخرى تقريبًا تعتبرها جماعة إرهابية. وعندما فشلت حركات الاحتجاج المختلفة أو تم حل الحكومات التي أسستها تلك الحركات، ترك ذلك قطر وقد فقدت الكثير من الحلفاء. ووفي أزمة سابقة للأزمة الحالية، استدعت السعودية والبحرين والإمارات سفراءها من قطر لمدة ثمانية أشهر. وعاد السفراء في نهاية المطاف بعد وعدٍ من قطر على وقف دعم المعارضين، وخاصةً جماعة الإخوان المسلمين، وتعهدوا بالتعاون بشكلٍ وثيقٍ مع السعودية.

استعراض القوة

وعلى الرغم من أنّ هذه الأزمة قد تم حلها سلميًا، كان الضرر قد حدث. وبمجرد أن توقف بلدٌ عن الحياد، فإنّها لا تستطيع أن تكون محايدة مرة أخرى. ومنذ الربيع العربي، كان هناك صراعٌ آخر لا مفر منه، في هذه المرحلة، دون رغبةٍ من الحكومة القطرية في التخلي عن عقدين من السياسة الخارجية المستقلة. وبالنسبة للسعوديين، فإنّ «التعاون بشكلٍ أوثق» يعني اتباعهم تمامًا على الساحة العالمية. ويعني أي إجراءٍ مستقلٍ، أو حتى التحوط السابق للخيارات في قطر، انتهاكًا لهذا الوعد وسببًا لمزيدٍ من الصراع.

وفي 5 يونيو/حزيران، أثار السعوديون أزمةً دبلوماسية أخرى، مطالبين بتعاونٍ أوثق. وفقًا لمطالبهم الـ 13، يبدو أنّهم يريدون من قطر العودة إلى كونها دولة تابعة.

ولا أحد يعرف حقًا لماذا اختار السعوديون إثارة الأزمة الآن. وبينما تكهن النقاد بأنّه قد يكون لذلك علاقة بالاتفاق بين قطر وإيران حول حقول الغاز، أو ربما بدعمها المتواصل لجماعة الإخوان المسلمين، فإنّ التفسير الأكثر بساطة هو أنّه مجرد استعراض للقوة. وقد قرر ولي العهد الأمير «محمد بن سلمان»، المسؤول الآن عن السياسة الخارجية للمملكة، أنّ قطر، نتيجةً لسياستها الفاشلة خلال الربيع العربي ، فقدت مكانتها السابقة. وبدون الشبكة العالمية للدعم والروابط، سيكون من السهل إخضاعها مرةً أخرى. وقد تأثر هذا القرار بالتأكيد بدعم «ترامب» الواضح للمملكة وأجندتها السياسية، والذي اعتُبر ضوءًا أخضر لإثارة الأزمة.

ولسوء حظ السعودية ، أخطأ الأمير «بن سلمان». وعلى الرغم من أنّ دول الخليج اتخذت الموقف الأكثر عدوانية بعد لها بعد حرب اليمن، إلا أنّ ذلك لم يكسر قطر. وتدفقت عليها المساعدات الغذائية والمساعدات الأخرى من بلدان مختلفة مثل تركيا وإيران، بينما دعت كل من روسيا ووزارة الخارجية الأمريكية، على خلاف البيت الأبيض، إلى تهدئة الوضع. وبدا موقف وكأنّه استعراضٌ للقوة لا مبرر له، في حين حصلت قطر على الدعم بلعب دور الضحية. وقد عمل «الدور السويسري»، رغم أنّه قد أصبح ضعيفًا، دوره في أن ينحاز العالم إلى جانب قطر، كما هو مخططٌ له.

المصدر | الدورية السياسية لجامعة ييل الأمريكية