«إيكونوميست»: لماذا لا يمكن لألمانيا أن تصبح قائدا للعالم الحر؟

لو تمكن المستشار هلموت كول من النهوض من قبره -وهو المستشار المتوفي الذي احتفت به ألمانيا في احتفال أقيم في الأول من يوليو/تموز- لينظر إلى المكانة العالمية التي تقف فيها بلاده، لشعر بالفخر.

وقد كان القادة الأوروبيون والصينيون يمرون عبر برلين لإجراء محادثات تحضيرية قبيل قمة مجموعة العشرين للاقتصادات الكبرى والتي عُقدت في البلاد ابتداءً من السابع من يوليو/تموز.

قبل ذلك بأسبوع، كانت «أنجيلا ميركل» انتقدت العزلة والحمائية الأمريكية في عهد «دونالد ترامب»، وذلك في خطاب لها أمام البوندستاغ (البرلمان الألماني)، ويُطلق على المستشارة التي كانت ذات يوم تلميذة كول «قائدة العالم الحر» في وسائل الإعلام الأنجلو ساكسونية.

ومع هذا، فإن مثل هذه الألقاب تجعل الأمور خاطئة، ولكي نفهم السبب فإن علينا أن ننظر إلى علاقات ألمانيا مع أفريقيا وبولندا وأمريكا.

الآمال أكبر من أكتاف برلين

ليس هذا التصور في غير محله تماماً، غم أن السيدة «ميركل» هي أكثر من يُنظَر إليه باحترام وأطول قادة العالم الرئيسيين في الخدمة، وقد أعطت الأولوية الاقتصادية الجديدة لألمانيا دوراً رائداً في أوروبا، كما إن ندوب تاريخها في القرن الواحد والعشرين تتعافى، وهي تصبح أكثر حزماً: فبعد أن اعتادت على الانتشار العسكري الأجنبي في أفغانستان، فقد توسعت الآن في بعثات جديدة في مالي وليتوانيا، واليوم تؤدي بريطانيا المعزولة وأمريكا التي لا يمكن التنبؤ بها، إلى توجيه الآمال في الاستقرار والقيادة نحو برلين.

ويتجلى قياس ثقة ألمانيا الجديدة في «خطة مارشال لأفريقيا»، وقد أطلق عليه هذا بناء على اسم المخطط الأمريكي الذي ضخ المال في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ويهدف هذا البرنامج الخاص بالمساعدة والاستثمار الخاص إلى استهداف الأسباب الجذرية لأزمة اللاجئين، وتقوم برلين بإنفاق النقود حالياً في حوض بحيرة تشاد، حيث قام جهاديو بوكو حرام بنشر الخوف والبؤس، بالإضافة إلى تحسينات لأمن الحدود عبر غرب أفريقيا.

ويوضح «جان تيكاو» من الأكاديمية الأمريكية في برلين، أن كون اقتصاد ألمانيا معتمداً على التجارة، بالإضافة إلى عدم وجود محيطات تحميها (مثل أمريكا وبريطانيا)، فإن هذا يجعلها ترغب بشكل متزايد في القيام بتضحيات للحفاظ على النظام العالمي.

لكن ألمانيا في 2017، ليست هي أمريكا في 1947، وإنما هي أصغر بكثير، كما إن لها قوة عسكرية قليلة، وخطة مارشال الخاصة بها تتخطى قدرتها بشكل كبير، وقد طُلب من المسؤولين الألمان في غرب أفريقيا التوقف عن استعمال هذا المصطلح، كما اعترف أحدهم أن العمل التنموي «لن يحد من أعداد المهاجرين».

فراغات القيادة تجبرها على التدخل

ستكون جهود برلين بغير ذات أهمية إذا لم يلتفت لمساعدتها الآخرون أيضاً، وهو ما جعل السيدة «ميركل» تعتزم استغلال مجموعة العشرين لكسب حلفاء لخطتها، ومثل هذه الدبلوماسية هي قوة ألمانيا العظمى، فعلى سبيل المثال، كانت بولندا هي أول دولة تطالب بعقوبات أوروبية على روسيا بسبب تدخلها في أوكرانيا في 2014، لكن السيدة «ميركل» هي ما جعلت ذلك يحدث.

ومع ذلك فإن علاقات برلين مع وارسو مروّعة، حيث تستخدم الحكومة البولندية الشعبوية ألمانيا (وخاصة سياسة اللاجئين الليبرالية الخاصة بها) كبعبع، وتستغل الحرب العالمية الثانية لتعبئة المشاعر المعادية للألمان.

لا تزال مثل هذه الذكريات تثني برلين عن أخذ دور القيادة في القضايا الأوروبية، إلى أن تجبرها فراغات القيادة على فعل ذلك، فأثناء أزمة المهاجرين كانت برلين بطيئة جداً عن طلب المساعدة من البولنديين، الذين رفضوا استقبال أي مهاجرين بعد أن وصل إلى السلطة حزب «القانون والعدالة» في 2015، وعندما أصر الاتحاد الأوروبي، تجاهلت بولندا ذلك، وهذا من بلد يعتمد اقتصادياً على ألمانيا.

الخطابات الجريئة للاستهلاك المحلي

مع أمريكا، قد تبدو السيدة «ميركل» كأنها ترفض الترامبية بجرأة. (فقد قالت لحشد في ميونيخ في مايو/أيار الماضي، أن على أوروبا أن تعتمد بشكل أقل على الولايات المتحدة وينبغي المضي قدماً في العولمة)، لكن كثيراً من هذا الكلام كان للاستهلاك المحلي.

لا يحظى السيد «ترامب» بشعبية كبيرة في ألمانيا، كما إن المستشارة تحضّر للانتخابات في سبتمبر/أيلول، وعلى أية حال، فإن الالتزامات بتعددية وحرية التجارة هو شئ لا جدال عليه في ألمانيا، أما الشئ الأهم، فهو أن القوة الصلبة المحدودة في برلين، تجعلها معتمدة عسكرياً على الولايات المتحدة.

السيطرة على الضرر بدل المواجهة

ولهذه الأسباب فإن سياسة ألمانيا الأمريكية الحقيقية ليست في المواجهة (والذي هو ليس أسلوب أنجيلا ميركل على أية حال) وإنما السيطرة على الأضرار، وتحاول المستشارة أن تجذب السيد «ترامب» عن طريق عرض نموذج ألمانيا الصناعي كمثال لبلاده، كما يقوم مسؤلوها بتوسيع الروابط مع أجزاء أخرى من الحكومة الأمريكية مثل الكونغرس والولايات.

وقد دفعت لهجة «ترامب» المحتدّة في زيارته الأخيرة لأوروبا في مايو/أيار، ألمانيا إلى بدء التخطيط للطوارئ، لكي يقرروا الأرضية التي ستقف عليها ألمانيا في حال حدوث تصادمات، لكن الجميع يدركون أن بلادهم تفعل ذلك من منطلق ضعف.

ولكن أكبر عائق في ألمانيا هو أنها تعتمد بشكل أكثر من كل القوى الأخرى على النظام متعدد الأطراف، برلين تغدو الآن أكثر ثقة بالنفس، ولديها حليف يماثلها في التفكير وهو «إيمانويل ماكرون» في فرنسا، لكن السيدة «ميركل» ببساطة لا يمكنها أن توفر القيادة التي تُطلب منها، والعالم الليبرالي يتطلع إلى برلين، ليس بسبب أن العالم يذهب في طريق ألمانيا، بل لأنه لا يفعل ذلك.

المصدر | إيكونوميست