الجيوش والسياسة.. ما الذي حققه الربيع العربي؟

بالنظر إلى أنّ المهمة الرئيسية للقوات المسلحة في كل مكان هي حماية الدولة من أعدائها الخارجيين، نجد أنّ الجنرالات لديهم مصلحة رئيسية تخص الشؤون الخارجية بحكم تعريفها. وفي عالمٍ مترابط بصورةٍ متزايدة، أصبحت الشؤون الخارجية واحدة من مجالات السياسة الهامة بالنسبة لمعظم الدول الحديثة.

وعلى الرغم من أنّ تأثير القادة العسكريين على صنع السياسة الخارجية يتنوع وفقًا لمستوى اهتمام الدولة بالقضايا الخارجية، فإنّ رئاسة وزارات الدفاع والخارجية، جنبًا إلى جنب مع الداخلية والاستخبارات والمالية، هي دائمًا تقريبًا من بين أهم الجهات المشاركة في الحكومة. ويعد مدى عمق مشاركة الجيش في صنع السياسة الخارجية مسألة مهمة لطرحها، لأنّها تخبرنا الكثير عن علاقات القوة الأساسية داخل الدولة والاتجاهات الرئيسية وأهداف سياستها الخارجية. وعلاوةً على ذلك، تكشف عن مدى تعدي القوات المسلحة (أو لا) على صنع السياسة الخارجية، وهي عادةً ما تطغى على السياسيين والدبلوماسيين المدنيين.

وينظر هذا المقال إلى دور القوات المسلحة، في خمس دولٍ في شمال أفريقيا، في صنع السياسة الخارجية. ويناقش أولًا القوة السياسية للمؤسسات العسكرية في الخمس دول، وهي المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر، ثم يحقق في الاختلاف، إن وجد، الذي أحدثته الاضطرابات العربية الأخيرة في مشاركتها في صناعة السياسة الخارجية.

النفوذ السياسي للجيش في شمال أفريقيا

قبل الربيع العربي، كانت جميع الدول ذات الأغلبية العربية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط دولًا استبدادية جامدة. وسيكون من المعقول أن نتوقع أنّه في كل هذه الدول كانت الجيوش هي أهم، أو على الأقل، واحدة من أهم المؤسسات السياسية، ولكن هذا لم يكن صحيحا بشكل مطلق في معظم الأحوال.

من مصر إلى المغرب

منذ نهاية حرب الاستقلال الجزائرية (1954–1962)، كان الجيش هو الممثل السياسي الأكثر تأثيرًا في الجزائر. ولم يتغير هذا في الأعوام الأخيرة، رغم أنّ الجيش قد تقاسم بعض السلطة مع دائرة الاستعلام والأمن، وهي دائرة الاستخبارات الحكومية. وكان الجيش هو الذي صعّد المدني «عبد العزيز بوتفليقة» إلى الرئاسة عام 1999، بعد حربٍ أهلية دامية استمرت عشرة أعوام. وتلقت الرئاسة صلاحيات واسعة النطاق من الجيش وأجهزة المخابرات، لكنّ «بوتفليقة» كان يقوم بما يمليه عليه الجيش. وببساطة، بقي الجيش أهم مؤسسة سياسية في الجزائر. ولم تكن الإصلاحات السياسية المعلنة هناك في الآونة الأخيرة سوى واجهة تجميلية.

وفي مصر، كان الجيش أيضًا الفاعل السياسي المهيمن منذ عام 1952، وباستثناء عامٍ وحيد تحت حكم الرئيس محمد مرسي (2012–2013)، كان جميع رؤساء البلاد جنرالات سابقين. وفي الثلث الأخير من فترة حكم الرئيس «حسني مبارك» (1981–2011)، تضاءل النفوذ السياسي للجيش إلى حدٍ ما، وحل محله التأثير المتزايد لجهاز أمن الدولة والحزب الوطني الديمقراطي ونخب الأعمال الناشئة بقيادة ابن الرئيس «جمال». ومع ذلك، كان وزير الدفاع المشير «محمد حسين طنطاوي» (1991–2012)، الذي كان يعمل منذ فترة طويلة، هو الزعيم المقرب من «مبارك» لعقود، وكان يدير الجيش، الذي ظل لا غنى عنه كقاعدة دعم للنظام، دون تدخل

وبعد أن استولى المقدم «معمر القذافي» على السلطة في انقلابٍ دمويٍ في ليبيا عام 1969، حاول زملاؤه من ضباط الجيش عزله من السلطة أربع مرات (كان آخرها في أكتوبر/تشرين الأول عام 1993). وليس من المستغرب أنّه تعمد تهميش الجيش وخفض تمويله منذ أوائل التسعينات، ولاسيما بعد الاشتباه في تورطه في محاولة انقلاب. وقد أعطى الأولوية، بدلًا من ذلك، لقوات النخبة والقوات شبه العسكرية، ومعظمها تم إنشاؤه حديثًا بقيادة أقاربه. وكان بعض الضباط العسكريين جزءًا من محيط القذافي الداخلي. إلا أنّ نفوذهم السياسي كان مستمدًا من عضويتهم في الزمرة الحاكمة وليس من مناصبهم الرسمية. وكانت السلطة السياسية للجيش كمؤسسة لا تذكر.

وفي تونس، منذ لحظة الاستقلال عن فرنسا عام 1956، كان الرئيس «الحبيب بورقيبة» قد أبقى الجنود عمدًا خارج السياسة، حتى أنّه قد منعهم من الانضمام إلى الحزب الحاكم، وحجب عنهم حق التصويت. وواصل «زين العابدين بن علي»، أحد أفراد الحركة التي انقلبت على «بورقيبة» عام 1987، ممارسة التهميش السياسي للجيش. وعلى عكس معظم الجيوش الأخرى في شمال أفريقيا، لم يشارك جيش تونس أبدًا في محاولة انقلاب، أو المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية، ولم يشارك في مخططات التنمية الاقتصادية. وركز الضباط فقط على المسائل المهنية، ولم يتمتعوا بأي نفوذٍ سياسيٍ تقريبًا.

وتحت حكم الملك «محمد السادس»، لا يزال المغرب ملكية مطلقة، حيث السلطة السياسية مع الملك. وتشمل النخب الحاكمة الملك والملكة، فضلًا عن كبار رجال الجيش والأمن ورجال الأعمال والحكومة، التي هي المسؤولة عن إدارة البلاد. ويعد وضع الجيش كمؤسسة غريبًا في المغرب، فبعد محاولات الانقلاب التي شنت ضد الملك الحسن الثاني، والد محمد، عامي 1971 و1972، تم نقل القوات المسلحة إلى وزارة الداخلية. ومنذ ذلك الحين، لم تكن هناك وزارة للدفاع في المغرب. أما العنصر الأكثر تأثيرًا سياسيًا في الأجهزة الأمنية في المغرب فهو الدرك الملكي.

وعادةً ما يؤدي الانخراط في نزاعٍ مسلح إلى زيادة النفوذ السياسي للجيش، ولكن ليس هذا هو الحال في المغرب. وعلى الرغم من أنّ جيش الرباط يشارك منذ عام 1970 في الصراع من أجل السيطرة على الصحراء الغربية، إلا أنّ هذه الحملة قد فشلت في تضخيم نفوذه السياسي. وعلى غرار ليبيا، قد يكون بعض كبار الجيش المغربي أو البحرية أو ضباط القوات الجوية جزءًا من الدائرة الداخلية للنظام، ولكن الجيش كمؤسسة لا يتمتع إلا بثقلٍ سياسيٍ متواضع.

تأثير الجيوش قبل عام 2011

كانت الشؤون الخارجية في أفريقيا تميل إلى أن تكون خاضعة للسيادة الفردية للقادة الأفراد وشركائهم المقربين، بغض النظر عما إذا كان هؤلاء المنتسبين يشغلون مناصب في مؤسسة السياسة الخارجية. ولذلك، تميل الجيوش إلى أن يكون لها دورٌ كبيرٌ في الشؤون الخارجية إذا كان الجيش مقرب من قائد البلاد المدني أو يسيطر عليه. وفي شمال أفريقيا، كان هذا هو الحال فقط في الجزائر، وإلى حدٍ ما مصر، قبل الربيع العربي. وبغية قياس تأثير القوات المسلحة على السياسة الخارجية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، من الصعب عدم ملاحظة أنّ نفوذها كان يتناسب عمومًا مع قوتها السياسية. وقد اتُخذت قرارات السياسة الخارجية بشكلٍ أو بآخر من قبل الملك «محمد السادس» في المغرب، ومن قبل مجمع الأمن العسكري في الجزائر، وفي تونس من قبل الرئيس «بن علي» ودائرته الداخلية، وفي ليبيا من قبل «القذافي»، وفي مصر من قبل الرئيس «مبارك».

وقد تضاءل النفوذ السياسي للجيش المصري إلى حدٍ ما في العقد الأخير من رئاسة «مبارك»، على الرغم من أنّه ظل لاعبًا رئيسيًا وتم تعويضه بدورٍ اقتصاديٍ موسع. وشملت التغيرات خلال تلك الفترة رحيل وزير الخارجية المخضرم «عمرو موسى» عام 2001 لقيادة الجامعة العربية. ومنذ ذلك الحين، تم تهميش وزارة الخارجية لحساب المخابرات العامة ومديرها المؤثر «عمر سليمان». وعلى الرغم من إنشاء عددٍ من المؤسسات للتعامل مع الأمن القومي والشؤون الخارجية، مثل مجلس الدفاع الوطني الذي سبق الإشارة إليه في دستور عام 1956 باعتباره أعلى جهازٍ حكوميٍ لمعالجة هذه المسائل، كانت العلاقات الشخصية هي المسيرة لهذه الأمور خلال فترة رئاسة «مبارك».

بعد 2011

فهل تغيرت السلطة السياسية للجيش في شمال أفريقيا منذ ثورات الربيع العربي؟ بصفة عامة، وبالنظر إلى المنطقة بأسرها، فإن الإجابة ستكون «بشكلٍ متواضع». لكن، مرة أخرى، مع تحليل كل حالة على حدة، يُكشف عن فروق دقيقة وهامة. من الصعب اكتشاف أي تحولٍ في الوضع السياسي للقوات المسلحة في المغرب والجزائر. وفي تونس، من جهةٍ أخرى، تغير موقف الجيش منذ عام 2011. ومع بداية التحول الديمقراطي، تعرضت القوات المسلحة لسيطرة النخبة المدنية الديمقراطية. وقد تكون هذه العملية صادمة أو صعبة للجيوش التي تتمتع بالسلطة السياسية في النظام القديم. ومع ذلك، وبما أنّ الجيش التونسي لم يكن له الكثير من التأثير السياسي في السابق، سمح له هذا فعلًا بقبول سيطرة السلطات الجديدة المنتخبة ديمقراطيا. لكنّ التحدي الحقيقي لإصلاح قطاع الأمن في تونس هو تحويل قوات الأمن الداخلي ووزارة الداخلية، التي كانت تتمتع بنفوذ سياسي كبير في عهد «بن علي»، إلى كياناتٍ مدمجة في إطارٍ مؤسسي وديمقراطي

وفي الأعوام الستة التي انقضت منذ بداية الانتفاضة، أصبحت ليبيا دولة فاشلة دُمرت بسبب الحرب الأهلية. وبعد فترة وجيزة من ثورة 2011، تفكك قطاع الأمن في البلاد تمامًا إلى حدٍ كبير، لأنّ المؤسسات، بما في ذلك الشرطة والجيش، وعددٌ من الأجهزة الأمنية الأخرى التي أنشئت كتدابير ضد الانقلابات، كانت غير مؤسسية. ومع مرور الوقت، شغلت العديد من الميليشيات المساحة التي خلفتها المؤسسات المنهارة، وأصبحت منظمة في «هياكل أمنية موازية». ولا يزال الجيش النظامي والشرطة قائمين، لكنّهما يحافظان على علاقاتٍ مثيرة للجدل في كثيرٍ من الأحيان مع الميليشيات. وعلى الرغم من ارتباط معظم الميليشيات بالدولة بطريقة أو بأخرى، إلا أنّ السلطة السياسية المحدودة للغاية التي كان يتمتع بها الجيش النظامي وقوات الأمن في عهد «القذافي» قد تآكلت إلى حدٍ كبير.

ومن بين هذه الحالات مصر، حيث كانت حظوظ الجيش مرتفعة بعد الربيع العربي. وقد أنقذ الجيش الثورة بشكلٍ أساسي، ووقف مع الشعب ضد «مبارك» وأبنائه، وعزز بالتالي من شعبيته لدى ملايين المصريين العاديين. وفي فبراير/شباط عام 2011، شغل المجلس الأعلى للقوات المسلحة الفراغ السياسي الذي خلفه رحيل «مبارك،» وحكم البلاد كحكومة مؤقتة حتى أغسطس/آب عام 2012، عندما أسفرت الانتخابات الوطنية الحرة والنزيهة عن فوز «محمد مرسي» وحزبه الذي مثل جماعة الإخوان المسلمين. وهدف «مرسي» إلى الحد من النفوذ السياسي للجيش من خلال العديد من الإصلاحات وتغييرات المناصب في قمة هرم قيادة الجيش(أغسطس/آب 2012)، والتي شملت إحالة سامي عنان، رئيس أركان الجيش، ووزير الدفاع طنطاوي، إلى التقاعد، وحل محل الأخير عبد الفتاح السيسي، رئيس المخابرات العسكرية آنذاك. ولم يلتفت الجيش إلى تخفيض دوره، وفي مطلع شهر يوليو/تموز عام 2013، نفذ انقلابًا. وبعد فترة انتقالية أخرى شهدت صعود نجم الجيش وقمع جماعة الإخوان المسلمين ومؤيديها، في مايو/أيار عام 2014، انتُخب «السيسي» رئيسًا للجمهورية بنسبة 96% من الأصوات، في انتخاباتٍ مشكوكٌ في نزاهتها.

زادت مساهمة القوات المسلحة في صنع القرار في السياسة الخارجية إلى حدٍ ما في بعض دول شمال أفريقيا، بينما ظلت في بعض البلدان الأخرى على حالها تقريبًا. لكنّها لم تتناقص في أي مكانٍ في المنطقة. وفي المغرب، ظلت نفوذ السياسة الخارجية للجيش ضئيلة. ومن الصعب القول بأي قدرٍ من الثقة ما إذا كان ما تبقى من الجيش الليبي يتمتع بأي تأثيرٍ في السياسة الخارجية. ويمكن للمرء أن يخمن أنّ نفوذ الجيش التونسي في السياسة الخارجية قد يزداد إلى حدٍ ما بسبب دوره الإيجابي خلال الثورة ووضعه المهمش سياسيًا في ظل النظام القديم. وفي الواقع، قامت وزارة الدفاع التونسية بصياغة ورقة بيضاء هي «الأولى» في العالم العربي التي تخصص قسمًا لتقييم البيئة الخارجية وتناقش قضايا السياسة الخارجية من وجهة نظر الجيش.

ولا يزال الجيش هو الممثل المهيمن للسياسة الخارجية في الجزائر، ومع ذلك، ونظرًا للتوسع الكبير في ميزانيات الدفاع منذ عام 2011، فقد ازداد نفوذه. وتتأرجح السياسة الخارجية للنظام العسكري في الجزائر بين التعاون النشط مع الولايات المتحدة في عمليات مكافحة الإرهاب والمعاناة من آثار عصر الحرب الباردة، عندما كانت الجزائر حليفًا سوفييتيًا. والفارق المهم بين دور الجنرالات في السياسة الخارجية في النظامين شبه العسكريين في المنطقة هو أنّ الجزائر الغنية بالنفط لا تعتمد على المساعدات الخارجية، وبالتالي يمكنها اتباع سياساتٍ خارجية أكثر استقلالية. ومن ناحيةٍ أخرى، ترتبط مصر بالمساعدات المالية الأجنبية، ولها العديد من المعوقات الرئيسية مثل معاهدة كامب ديفيد مع (إسرائيل)، وطموحات الهيمنة الإقليمية، والتي تحد من مساحة القاهرة من المناورات في السياسة الخارجية.

ولا يبدو أنّ هناك شكٌ في أنّ تأثير السياسة الخارجية للجيش في ظل النظام العسكري للسيسي قد ازداد مع سلطته السياسية العامة. وفي الواقع، في ظل وزير الخارجية «سامح شكري» (الذي عين في منتصف عام 2014)، تم إرسال الدبلوماسيين المعينين حديثًا إلى برنامجٍ تدريبيٍ مدته ستة أشهر في الأكاديمية العسكرية من أجل ضمان امتثالهم السياسي للسلطات الحالية. وكان« السيسي» نفسه رئيسًا نشطًا للسياسة الخارجية، يعزز التعاون الإقليمي والعلاقات الطيبة مع (إسرائيل)، ويدعم رئاسة «بشار الأسد» في سوريا. وأدى ارتباطه الوثيق بالأنظمة الملكية الخليجية، وخاصةً السعودية، إلى تقديم عشرات المليارات من الدولارات كمساعدات إلى نظامه، حيث تم إهدار الكثير منها على المشاريع الضخمة، في حين تجاوزت ديون مصر الخارجية 60 مليار دولار، على الرغم من أنّه في يناير/كانون الثاني عام 2017، تم تعطيل عملية نقل الملكية، التي كان قد تم التفاوض بشأنها سابقًا، لجزيرتين صغيرتين غير مأهولتين بالبحر الأحمر من القاهرة إلى الرياض، مما تسبب في بعض الأضرار التي لحقت بعلاقتهما.

خاتمة

يختلف التأثير السياسي للقوات المسلحة في دول شمال أفريقيا في العديد من الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الأخرى. وفقط في اثنين من الجيوش الخمسة التي نوقشت في هذه المقالة، في حالة الجزائر ومصر، تتمتع القوات المسلحة بسلطة سياسية تفوق أي مؤسسة أخرى. وفي البلدان الثلاثة الأخرى، يلعب الجيش دورًا سياسيًا هامشيًا، وإن كان ذلك لأسبابٍ مختلفة أيضًا.

المصدر | معهد الشرق الأوسط