لبنانية تتذكر الحرب: ثوان حولت الموت أشلاء لشلل مؤقت

«أحيانا يكون بين الإنسان والموت ثوانٍ، ولكن بفضل عمل طيب قام به يكافئك الله في اللحظة الأخيرة، وكأنه يقول لك: هنا يجب أن تنجو».

تلك خلاصة تجربة أضحت حكمة ثابتة لدى الأستاذة المحاضرة في كلية الإعلام بالجامعة اللبنانية في بيروت، أميرة الحسيني (55 عاما)، التي نجت بأعجوبة من الموت قصفا.

ففي صباح 12 يوليو/ تموز 2006 كانت أميرة تحتسي قهوتها مع بناتها والعائلة في منزلها الصيفي بإحدى بلدات جنوبي لبنان.

في هذا اليوم تحديدا لم تتصفح الصحف، ولم تشاهد نشرات الأخبار، ولم تكن على علم بشيء حين قررت الذهاب إلى العاصمة مع شقيقها، وعلى الطريق وقعت الحادثة التي قلبت حياتها.

هذا اليوم هو أول أيام حرب يوليو/ تموز (12 يوليو/ تموز و13 أغسطس/آب 2006)، وأودت بحياة أكثر من ألف شخص في لبنان، أغلبهم مدنيين، وما يزيد عن 150 في إسرائيل، أغلبهم عسكريين، فضلا عن الدمار المادي.

في بداية الحرب، التي تحل اليوم ذكراها الحادية عشرة، تعرضت أميرة لتجربة استمر ألمها لمدة عام ونصف العام.

قذائف إسرائيلية

«نصف دقيقة فقط حالت بيني وبين الموت»، تقول «أميرة» للأناضول، قبل أن تضيف: «طلبت أمي المسنّة أن أساعدها في تبديل ملابسها، قبل أن أذهب إلى بيروت مع شقيقي، على أن أعود مساء، هذه النصف دقيقة أنقذتني وشقيقي من شبح الموت، الذي كان ينتظرنا على جسر نهر الليطاني في الجنوب اللبناني».

وتمضي موضحة: «على الطريق سمعت دوي انفجارات، لم أفهم ما يحصل.. أشعلت جهاز الراديو (المذياع) في السيارة، لكن لم يرد أي خبر على الإذاعات.. اتصلت بأمي لأطمئن عليها وعلى بناتي، لكن هي الأخرى لا علم لديها بشيء».

وتتابع: «طلبت من شقيقي العودة إلى بلدة برج رحال في الجنوب، لكنه رفض لأن لديه موعد عمل في بيروت، وكذلك أنا لدي تصحيح أوراق ومراجعة أبحاث الطلاب.. وافقت على متابعة سيرنا».

«صودف مرور شاحنة كبيرة محمّلة بالخضار والفاكهة على جسر الليطاني.. حاول شقيقي تجاوزها، فصرخت به، كوني أخاف من السرعة، فتمهل قليلا، في تلك الثواني كانت الطائرة الحربية الإسرائيلية بدأت بقصف الجسر، وشاهدنا القذائف وهي تهطل علينا»، كما تتذكر أميرة.

وتزيد بأن «مشاهد الموت القادم وتهدّم الجسر قبل أمتار قليلة من وصولنا إليه، بجانب مقتل رجلين كانا يرتشفان القهوة في الجانب الآخر أمام عيناي، كانت أسباب كافية للشعور ببرودة غريبة في الجسم، وعدم القدرة على تحريكه، ولم يكن هناك أي مخرج سوى العودة إلى البلدة».

شلل تدريجي

وصول أميرة وشقيقها إلى منزل العائلة كان مجازفة ناجحة، لا سيما بعد اطمئنانها على عائلتها، ولكن النزوح من المنزل كان ضروريا، فالجيش الإسرائيلي بدأ في قصف البلدة، ومن بلدة إلى أخرى في الجنوب كان نزوح عائلة «الحسيني»، لكن دون جدوى، فقرى المحافظة الجنوبية أصبحت جميعها عرضة للقصف العشوائي.

وتوضح «أميرة» أنه «بعد معاناة طويلة لإيجاد مكان آمن انتقلنا بصعوبة إلى قرية في جبل لبنان (القرى المسيحية والدرزية كانت آمنة خلال الحرب لعدم وجود عناصر من حزب الله فيها).. وهنا المعاناة الأكبر، إذ تم استغلال النازحين من قبل بعض إخوانهم اللبنانيين، وطُلب منهم أسعارا مرتفعة جدا، ولم تكن المياه متوفرة، ولكن كل هذه الأمور أسهل من الموت أشلاء».

وتضيف أنه «في البلدة الجبلية التي نزحنا إليها بدأت بوادر الشلل تظهر حين وقعت أرضا بينما كنت أتنزه مع ابنتي في الحقل المجاور للمنزل، نهضت، ولكن بعد أمتار قليلة عدت وسقطت، ولم أستطع تحريك أعضائي جيدا».

وتتابع: «بعد يوم لم يعد بوسعي تحريك أي شيء.. انتقلت إلى مستشفى قريب في المنطقة، وصودف وجود طبيب أعصاب أعرفه، فقرر إجراء فحص محدد ليتأكد بأني غير مصابة بمرض خطير».

شك الطبيب كان صائبا، فمريضته مصابة بمرض «بيان باري»، وهو على اسم مكتشفه، وهو شلل يضرب الأعصاب تدريجيا من القدم حتى الدماغ ليقضي على صاحبه، الذي يصاب به إما بسبب صدمة عصبية أو استنشاق مادة سامة من الأسلحة.

صدمة وسموم

لكن «المرض لم يصل مرحلة الخطورة بعد»، وفق أميرة، التي تضيف أن «الطبيب أخبرني بأن إصابتي جاءت بسبب العاملين (الصدمة واستنشاق سموم القذائف الإسرائيلية التي وقعت على جسر الليطاني».

بقيت أميرة ستة أشهر (بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي) تعاني من الشلل، رغم محاولات العلاج، لكن عدم توفر الأدوية في لبنان تسبب في تأخر علاجها، رغم أنها تلقت العلاج الفيزيائي في منزلها، ولم تلحظ نتائج ملموسة إلا في وقت متأخر.

وتوضح أن «العلاج الأساسي الذي أخرجني رويدا رويدا من أزمتي الصحيّة ومعاودتي للسير والتحرك بشكل طبيعي كان عدم الاستسلام للاحباط واليأس، والإيمان بالله وطموحي الكبير ورغبتي في إكمال مسيرتي المهنية والعودة إلى طلابي.. كلها أسباب أعادت الحياة إلى جسدي بعد عام ونصف العام من القصف».

كانت تثابر على الذهاب يوميا إلى كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية ببيروت، ولم تتغيّب يوما، حيث كان أحد الأصدقاء أو الأقارب يوصلها، وهي على كرسي متحرك، وحتى طلابها كانوا يعاونوها في الانتقال من الكرسي المتحرك إلى كرسي المحاضرات.

ولا تدري أميرة كيف مشت بعد أول محاولة بسيطة في رفع قدميها.. أيام مرّت سريعا، واستعادت نشاطها، ورمت كل شيء خلفها، حتى كرسيها المتحرك، وعادت لتصارع الحياة بحلوها ومرها، وفق كلامها.

المصدر | الأناضول