جميل مطر يكتب: «بوتين» يرتب لإقامة طويلة في الشرق الأوسط

أثبت «فلاديمير بوتين» ــ ويستمر يثبت ــ أنه لاعب سياسة دولية من طراز نادر، راقبت عن كثب أداءه في السياسة الداخلية الروسية خلال سنوات صعوده، كان الأداء متقنا إلى حد بعيد، وكان الصعود إلى القمة سريعا ومثيرا.

وها هو بعد أقل من عشرين سنة يستطيع أن يفخر بأنه أعاد إلى روسيا الاستقرار، ووضع لها دستورا جديدا، ونجح في أن يعيد إلى الكرملين الاحترام والهيبة بعد سنوات من سوء الإدارة وفوضى الحكم والتدخل الأمريكي السافر في جميع شئون روسيا.

ومن مراقبة السياسة الداخلية فى عهده انتقلت إلى متابعة السياسة الخارجية الروسية بقيادته لأصل إلى ما انتهيت إليه خلال الأسابيع الأخيرة، وهو أن الرئيس «بوتين» أثبت ــ ويستمر يثبت ــ تمتعه بكفاءة قيادية عالية وفهم جيد لذهنية أقرانه من القادة السياسيين ومفردات شخصياتهم وقدراتهم السياسية وطموحاتهم الفردية.

أثبت أيضا أنه قادر على أن ينصب نفسه واحدا من أهم القادة المعاصرين الذين استطاعوا تحقيق إنجازات دون أن يلتزموا مبادئ اجتماعية معلنة، أو يتقيدوا بمنظومة أخلاق وقيم ديمقراطية وإنسانية متعارف عليها في أوروبا خاصة والغرب عامة.

* * *

لم تكن بدعة فكرة التدخل في مجتمعات ومراكز القيادة في الدول الأخرى للتأثير في عمليات صنع السياسة واتخاذ القرار، بل لعلها كانت على الدوام ومنذ الأزمنة القديمة هي أهم وظيفة تقوم بها أجهزة الاستخبارات تحت مسمياتها المختلفة وكذلك السفارات وغيرها من البعثات الدبلوماسية.

كان ــ ولا يزال ــ هو الأداة الأقل كلفة لإسقاط حكومة دولة أجنبية، أو لإثارة اضطرابات وفوضى، أو بث الوقيعة بين الأشقاء وشركاء الحكم في دول بعينها أو إفساد حياتها السياسية.

لذلك لا أتردد شخصيا في التعبير عن انبهاري بما حققته تطبيقات هذه الفكرة في الآونة الأخيرة، مع التحفظ الواجب من ناحيتي ورفضي المطلق لمحتواها الأخلاقي.

يكفي القول بأن حملة الأنباء المزيفة التي شنتها قوى خارجية على الولايات المتحدة خلال فترة انتخابات المرشحين «كلينتون» و«ترامب» أثرت في النظام السياسي الأمريكي، وهو ما فشلت فى تحقيقه حرب شريرة كحرب العراق وحرب غبية كحرب أفغانستان وأزمة اقتصادية كأزمة عام 2007.

لا يختلف اثنان على أن أجهزة روسية هي التي قامت بتنفيذ هذه الحملة، ولا يختلف اثنان على أن الضرر الذي أصاب مهنة الصحافة في العالم بأسره، وأقصد الصحافة الحرة والمستقلة، نتيجة هذه الحملة ونتيجة انسياق الرئيس «ترامب» نفسه وصحفيين عديدين وراءها، يستحق ما أطلقه عليه مراقبون بالضربة القاضية للمهنة، خرجت المهنة خاسرة ومعها مبدأ هام من مبادئ الحرية ولن تعود كما كانت.

كذلك قد لا يختلف اثنان على أن فيضا مماثلا من الأنباء المزيفة يكاد يغرق حملة الانتخابات الجارية حاليا في ألمانيا، الظنون والشكوك هناك تتبادلها الأطراف والاتهامات الكاذبة تلوكها الألسنة.

نسمع عن جرائم ارتكبها مهاجرون جدد ولاجئون ثم يثبت أنها أنباء مزيفة، نسمع عن اتهامات بالفساد غير حقيقية وخلافات لم تقع داخل التحالفات الحزبية وأرقام مبالغ فيها عن شعبية التيارات اليمينية المتطرفة، كل ما يسيء إلى الاتحاد الأوروبى وقيادة ألمانيا له والعلاقات الشخصية غير الودية بين «ميركل» و«ترامب» يجري بثه بكثافة غير مألوفة.

كل هذا يذكرنا بالحملة التي شنتها الأجهزة نفسها خلال الانتخابات الأخيرة في فرنسا، ويذكرنا أيضا بالمواجهة «المثيرة للغاية» بين الرئيسين «ماكرون» و«بوتين» أمام الصحافة والتليفزيون، وكان «ماكرون» صريحا في توجيه الاتهام علانية إلى الرئيس «بوتين» وأجهزته الإعلامية، وكان دفاعه ضعيفا وغير مقنع.

* * *

الاتحاد الأوروبى ليس في أفضل أحواله وأوقاته، لا يزال خروج بريطانيا من الاتحاد يتسبب في نزيف معنوي للطرفين على حد سواء، ولا تزال أزمة اللاجئين تقسم الأوروبيين وتزيد من فرقتهم في وقت هم في أشد الحاجة إلى التعاون.

لا تزال أزمة أوكرانيا معلقة بدون حل والعقوبات الاقتصادية عبء على دول الاتحاد أكثر من كونها عبئا على روسيا.

حملة العداء المتبادلة بين تركيا ودول أوروبية خاصة ألمانيا تتصاعد فى ظل سحب كثيفة من الأنباء المزيفة تطلق من جميع الاتجاهات، فضلا عن درجة عالية من التهورات الخطابية التركية.

لا يزال عدم الرضا الأوروبي عن «ترامب» عاملا سلبيا في العلاقة بين جناحي الحلف، على الرغم من جهود العسكريين الأمريكيين لاحتواء عدم الرضاء من جهة، والضغط على «ترامب» ليخفف من تأوهاته المعترضة على ميزانية «الناتو» ومبادئ حرية التجارة وتحسين الظروف المناخية من جهة أخرى.

كل هذه الأمور ــ وغيرها غير قليل ــ تصب أرصدة إيجابية في خانة سياسة الرئيس «بوتين» الخارجية.

بعض هذه الأمور أو أكثرها ربما وقع أو تضخم أو تعقدت حلوله نتيجة تدخل مباشر من أدوات الاختراق التي تستخدمها الكتائب الإلكترونية التي شكلتها حكومة الرئيس «بوتين» وغيرها من الأجهزة المتخصصة في تزييف المعلومات وبثها.

* * *

يصعب إنكار أن الرئيس «بوتين» يضمن الآن ولاء معظم ــ إن لم يكن كل ــ قادة حكومات دول الجوار. أقول ولاء واحتراما ولا أقول تبعية بمعاني المرحلة السوفييتية للعلاقات مع هذه الدول، استخدم «بوتين» العنف المسلح في حالتين على الأقل ليضمن ولاء دول بعينها مثل جورجيا وأوكرانيا أو التهديد باستخدامه مثل دول البلطيق.

في تصوري ــ وتصور آخرين ــ أنه نجح في تجميد أزمة أوكرانيا لصالح روسيا، بمعنى آخر لا أعتقد أن حكومة سوف تأتي في أوكرانيا في المستقبل القريب وتحاول جديا استئناف الحوار للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو تغازل حلف الأطلسى.

أظن أيضا أن علاقات روسيا بدول شرق أوروبا بدأت تستقر على مستوى جديد، الحب المتبادل بينها غير قائم ولا أحد عند الطرفين يسعى إليه، أقصى الأماني ألا تطالبها بروكسل بسياسات أو مواقف تجلب عليها غضب موسكو.

بعضها، مثل المجر، يسعى لكسب رضاء الرئيس «بوتين» برفض أو التلكؤ في تنفيذ الالتزامات والمبادئ الليبرالية والديمقراطية التي أعلنت تبنيها عندما اختارت الانضمام إلى الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي.

* * *

لم يخطئ الذي قال إن الرئيس «بوتين» مدين ببعض نجاحاته في ميدان السياسة الخارجية إلى ضعف الولايات المتحدة أكثر من اعتماده على القوة الذاتية لروسيا، الصلبة منها والناعمة، فقط أضيف أن فضلا كبيرا يعود إلى صانع السياسة في الكرملين الذي عرف كيف يستثمر الضعف الأمريكي ويختار أفضل المواقع التي تنسحب منها أمريكا لتحل فيها روسيا.

عندما أتحدث عن سياسة «بوتين» في الشرق الأوسط أتعمد استخدام سوريا مثالا على أولويات المواقع الاستراتيجية في الشرق الأوسط ونموذجا للمواقع الأشد جذبا للتدخل، كانت سوريا ــ ولا تزال ــ الطاقة الجاذبة لاهتمام صانع السياسة في مصر كما في غيرها من دول الجوار والدول العظمى عبر كل العصور.

رأت موسكو، كما رأينا ورأى العالم بأسره، كيف أن إدارة الرئيس أوباما لم تحسن التصرف عندما حانت أكثر من فرصة للتدخل لوقف تدهور الأمور في سوريا، هذا التدهور الذي نتج عن تدخلات غير مسؤولة من دول إقليمية وعربية.

وقد رأت موسكو، كما رأينا في مصر بل في واشنطن نفسها، أن التوسع في التدخل الروسي قد يكون أفضل المتاح لوقف انهيار الإقليم بأسره كما أنه قد يكون السبيل، المحفوف بأقل المخاطر وفي الوقت المناسب تماما، لاستعادة مواقع استراتيجية وقواعد عسكرية وسياسية في قلب الشرق الأوسط.

في الوقت نفسه، وبالأحرى بعد أن أطمأنت موسكو إلى ثبات مكانتها الاستراتيجية في سوريا وإلى فاعلية شبكات التعاون والتوازنات التي أقامتها فيها، راحت تطرق أبواب «طالبان» في أفغانستان.

لاحظت أن العسكريين الأمريكيين قرروا تنفيذ خطط جديدة تعتمد نفس الفلسفة التي اعتمدتها خطط التسوية في سوريا، وأهمها الاستفادة من نفوذ قوى إقليمية كالهند مثلا وربما إيران، وإضعاف نفوذ قوى أخرى مثيرة للاضطراب مثل المؤسسة العسكرية الباكستانية، بمعنى آخر اكتشفت موسكو وجود فرصة مثالية أخرى تؤمن أو تستعيد لها دورا في افغانستان، حيث تتجمع الطرق إلى موانئ الغاز والنفط وثروات الخليج.

* * *

كان لافتا إصرار روسيا على التدخل وإن متأخرة في أزمة مجلس التعاون الخليجي، سكتت في انتظار ما تسفر عنه مساعي التوسط والتدخل من جانب مختلف القوى الدولية المؤثرة، لاحظت أن الأزمة كلفت دول الخليج أموالا طائلة وأجبرتها على التنازل عن أرصدة سياسية وإقليمية غالية القيمة المعنوية، وأن من حق روسيا أن تلحق بركاب الدول العديدة المستفيدة من الأزمة.

سمعت من مصدر قريب إلى الروس أن روسيا قررت التدخل بسرعة بدور ما لم تحدده بدقة، متوقعة أن الأزمة إن طالت قد تتحول إلى شكل آخر، وربما بمضمون آخر يهدد كل ما أمكن التوصل إليه من تفاهمات أولية تتعلق بسوريا ولبنان والعراق وفلسطين ومستقبل الخليج ذاته.

* * *

واشنطن تعيد النظر في سياستها الخارجية على ضوء عوامل كثيرة ليس أقلها أهمية إعادة التوازن إلى معادلة القيم والبراجماتية وتصحيح الأخطاء التي ارتكبها كل من «أوباما» و«ترامب» ودفعت أمريكا الثمن من مكانتها.

فرنسا أيضا تعيد النظر في أسس علاقتها بأوروبا ومستعمراتها السابقة، والصين تخرج بعد أسابيع إلى العالم فور انعقاد المؤتمر العام للحزب بسياسة خارجية طموحة مزودة بمشروعات تجارية واستثمارية وأهداف توسعية هائلة.

أما روسيا فيستطيع الرئيس «فلاديمير بوتين» أن يفخر بأنه جعل لروسيا في مدة قصيرة سياسة خارجية جاهزة لتلعب مرة أخرى دور القوة العظمى.

* جميل مطر مفكر مصري يكتب في الشؤون الدولية والإصلاح والتحول الديمقراطي، مدير «المركز العربي لبحوث التنمية والمستقبل».

المصدر | الشروق المصرية