د. أحمد جميل عزم يكتب: فشل زيارة ترامب والاستعمار الروسي الإيراني

بعد شهر من زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمنطقة، بما صاحبها من احتفالية عالية تضمنت اجتماع 55 قائد دولة (أكثر من ربع دول العالم)، للقائه في السعودية، ثم الصفقات الضخمة التي صاحبت الزيارة مع السعودية، يمكن النظر إلى كشف حساب أوليّ لنجد المزيد من التقهقر الأميركي في المنطقة العربية، مقابل تحقيق إيران وروسيا تقدما كبيرا، مع تخبط عربي.

كان الهدف الأميركي الأساسي ترتيب التحالف الخليجي ضمن أولويات منها تحمل الحلفاء الخليجيين هناك جزءا من التكلفة المالية لدور الولايات المتحدة الأميركية المزعوم كشرطي عالمي بمساعدة الاقتصاد الأميركي. وثانياً، تمتين التحالف ضد إيران، وثالثاً، محاولة تحقيق التقارب العربي — الإسرائيلي. ويبدو أن هناك فشلا في تحقيق هذه الأهداف الثلاثة.

على الصعيد المالي؛ فإنّ الحديث عن الصفقات الضخمة أحيط بهالة إعلامية تتناسى أنّ رقم هذه الصفقات ليس أمراً جديداً، وصفقات السلاح وغيرها من الصفقات التي أجريت في عهد باراك أوباما ليست بعيدة عن هذه الصفقات، التي هي تجارة متبادلة أكثر من أي شيء آخر. ولكن الأهم من هذا أنّ هناك تغلغلا لدول أخرى في المنطقة، ستعمل على حساب الحصة الأميركية.

وقد نشرت دورية فورين أفيرز، في عددها الأخير دراسة بعنوان “دبلوماسية روسيا الشرق أوسطية”، جاء فيها أنّه بسبب تباطؤ النمو في الاقتصاد الصيني، توجهت روسيا للشرق الأوسط، وأوضحت معالم التواصل السعودي — الروسي؛ السعودية بصفتها قائدة منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، وروسيا بصفتها أهم مصدر للطاقة خارج أوبك، وتنسيقهما منذ أشهر لضمان رفع سعر برميل النفط، وهناك اتصالات وتنسيق على أعلى مستوى في هذا الصدد.

وتتوسع روسيا في قطاع النفط في العراق، وتستعد لتوسع جديد، كما تستعد لدخول سوق النفط الإيراني والاستثمار هناك بشكل كبير. وتبدو صلات روسيا باتجاهين، فهي باعت في نهاية العام 2016، نحو 19.6 بالمئة من شركتها النفطية الأساسية، روسنفت، لدولة قطر، في تعزيز آخر للصلات مع الشرق الأوسط. والموضوع الروسي ليس سوى مثال أنّ الأمور الاقتصادية ليست بالشكل الوردي للولايات المتحدة.

على صعيد التحالف الخليجي ضد الوجود الإيراني، انفجرت بدلا من ذلك الأزمة القطرية الخليجية، في الوقت الذي تحقق فيه القوات العراقية والإيرانية تقدماً كبيراً، عسكرياً في سورية، مع استمرار النفوذ في العراق، والأهم أنّه لا يبدو هناك سياسة أميركية واضحة إزاء هذه الأزمة الخليجية، فبينما يتأرجح ترامب بين دعم هذا الطرف أو ذاك، يقوم وزيرا الدفاع والخارجية لديه بمحاولات حثيثة لاحتواء الأزمة.

أمّا على الصعيد الإسرائيلي — العربي، فبعد شهر من الزيارة، لا يوجد شيء في الأفق، وها هو العام ينتصف، وكل ما قيل عن قمم إقليمية لإطلاق عملية سلام، اختفى من التداول، وجرى الغرق بالتفاصيل. قام ترامب كأسلافه بتأجيل موعد نقل السفارة الاميركية للقدس، في إشارة لاستمرار السياسات القديمة، وظهر انشغال بقضايا مثل دفع السلطة الفلسطينية مخصصات لمساعدة عائلات الشهداء والأسرى، وذلك في إشارة للنجاح الإسرائيلي في حرف الأنظار مجددا لقضايا جزئية بدلا من التوصل لحل نهائي للصراع.

إذن، تتقدم إيران وروسيا عسكريا واقتصادياً في المنطقة، وبدل مواجهة النفوذ الإيراني، وتطويع التدخل الروسي، انفجرت الخلافات البينية، ما سمح للروس والإيرانيين بالتقدم، وممارسة نوع من الاستعمار التقليدي، الذي تختلط فيه الأداة العسكرية بالاقتصادية.

عندما جاء البريطانيون واحتلوا المنطقة أثناء الحرب العالمية الأولى، رحب البعض بهم باعتبارهم نصيرا ضد الاستعمار التركي. وعندما ظهر الأميركيون كقوة بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى أثناء أزمة السويس في الخمسينيات، تفاءل البعض بدور أميركي مضاد للاستعمار التقليدي البريطاني — الفرنسي.

ويريد البعض أن يصور أمر التقدم الروسي الإيراني كأنه دور مضاد للولايات المتحدة، خصوصاً عندما يرون فقط الدور في سورية، مع ما يسمونه الممانعة، دون النظر للعلاقات الممتازة مع قطر والسعودية، وحتى التنسيق أحياناً مع الأميركيين، والتنسيق الدائم مع الإسرائيليين.

هناك طرف روسي- إيراني ضعيف اقتصادياً بشكل كبير جداً ولكنه يحقق التقدم ولديه استراتيجية توسعية لا تخلو من الاستعمار.

طرف أميركي لم يبلور استراتيجية بعد.

طرف عربي يتخبط.

* د. أحمد جميل عزم أستاذ مساعد العلوم السياسية بجامعة بيرزيت — فلسطين.