د. جواد العناني يكتب: أسواق النفط بين العرض والطلب

تذبذبت أسعار النفط، خلال الشهر الحالي، صعوداً وهبوطاً، لكنها بشكل عام كانت أعلى من أسعارها خلال الشهرين الماضيين. وبدا الارتباط بين عدد من الأسعار واضحاً أكثر من أي وقت مضى، فسعر الدولار مقابل العملات الرئيسية، وسعر الذهب، وسعر الفائدة على الدولار صارت تنقلب، هي الأخرى، بالشكل المنطقي المتوقع من حيث الاتجاه، وليس من حيث الأسباب أو الدوافع لهذا التغيير.

إذا كان هنالك تحسّن في الميزان التجاري الأميركي، واستقرار إلى حد ما في عجز الموازنة العامة، فلماذا يتراجع سعر صرفالدولار أمام الذهب؟ أو لماذا يرتفع الذهب مقابل الدولار من دون بيان الأسباب الواضحة لذلك في سوق الذهب نفسه؟ ليس هنالك دلائل توحي أن إنتاج الذهب قد تراجع، أو أن الطلب عليه نقدياً وسلعياً قد تغير. إذن، نجم ارتفاع سعر الذهب عن قرار خارج إطار السوق، ويتعلق بالدولار نفسه.

إذا سارت المضاربات على الدولار باتجاهٍ منحدر وسالب، فهذا يعني أن الطلب عليه ينزلق منذراً بهبوط سعره. ولذلك، فإن حركة المضاربة على الدولار، والتي تقوم بها المصارف الأميركية والبنك الاحتياطي الفدرالي داخل أسواق الولايات المتحدة، أو في الأسواق العالمية الرئيسية، بشكل مباشر أو عبر وسطاء، قد قصدت أن تعزّز توقعات هبوط سعر صرف الدولار.

ومما يعزز هذا الظن هو ما سبق وقيل عن تحسّن الميزان التجاري الأميركي، وعن تحسن نسب النمو في الناتج الإجمالي المحلي الأميركي، وتحسن نسبة العمالة أو انخفاض نسبة البطالة إلى حدود أعلى بقليل من 4%، وهذه نسبة محترمة بكل المقاييس.

ولم تكتف الولايات المتحدة بتخفيض سعر صرف الدولار من أجل زيادة الطلب على صادراتها من السلع والخدمات، ولكن بنك الاحتياط الفدرالي الأميركي (البنك المركزي) توقف من رفع أسعار الفوائد، كما كانت معظم المضاربات تتكهن، خصوصاً وأن البنك قد رفع سعر الفائدة مرتين قبل عدة أشهر. وهذا يعني أن سياسة “التيسير الكمي”، أو توفير السيولة للمستثمرين والمستهلكين بأسعار فائدة قليلة، لا يزال يشكل الحافز الرئيس لزيادة الإنفاق.

ولهذا، قد يستمر سعر صرف الدولار في التذبذب، عاكساً الحقيقة أن الدول الاقتصادية الكبرى غير راضية عن هذا التطور وتفاوته، إلا أن الاتجاه يسير نحو التراجع البطيء في سعر صرف الدولار حيال العملات الدولية الرئيسية، مثل اليورور واليوان والين والجنيه الإسترليني والفرنك السويسري، وبالطبع الذهب.

واضح أن انخفاض سعر الدولار يجب أن يعني ارتفاعاً في سعر الذهب. وهذا واقع مستمر، طالما أن إنتاج الذهب أو المعروض منه للبيع يبقى ضمن حدود قليلة. أما إذا أدى ارتفاع سعر الذهب إلى مزيد من الإنتاج، فإن قراءة مستقبل سعر صرف الدولار مقابل الذهب قد تأخذ منحىً مختلفاً.

والواقع الذي نحن أمامه يقول، إن أسعار الفوائد قد استقرت، منذ أربعة أشهر تقريباً، وإن سعر الذهب في صعود، وسعر صرف الدولار تدريجياً يسير نحو التراجع. ومن هنا، فإن سعر النفط سوف يميل بين وقت وآخر إلى الصعود، مع تعديل بسيط بين حين وآخر.

وفي الوقت الذي علمتنا التجارب فيه أن النفط قد ارتفع في ظروف كان العالم يعاني فيها من تراجع اقتصادي، وأنه عاد وانخفض في ظروفٍ أحسن قليلاً، فلا بد إذن أن نتساءل عن طبيعة سوق النفط نفسها.

يناقش بعضهم، ومنهم مسؤولون في دول نفطية، أن سعر النفط يخضع لظروف العرض والطلب، مثل أي سلعة أخرى، ولا أحد من حيث المبدأ يستطيع أن يعارض هذا الاستنتاج. وهو في الواقع ليس استنتاجاً، بل حقيقة عامة وبديهية، مثل قولك إن واحداً زائد واحد يساوي اثنين. ولكن الجملة كما تستخدم عادة لتفسير التقلب في أسعار النفط تشير إلى جزءٍ من نظرية العرض والطلب، وليس إليها كلها.

لقد علمونا في الاقتصاد أن فرقاً واضحاً موجود بين الحركة على منحنى الطلب نفسه من ناحية، والانتقال في موقع هذا المنحنى إلى أعلى أو أسفل من ناحية أخرى.

ومن المعلوم أن العلاقة بين سعر النفط مثلاً والكمية المطلوبة منه عكسية على المنحنى نفسه، أي إذا ارتفع سعر النفط تقل الكمية المطلوبة منه، وإذا انخفض سعره زادت الكميات المرغوبة في شرائها.

ولكن، إذا حدثت ظروف خارجية تؤثر على حجم الطلب، فإن المنحنى نفسه سوف ينتقل إلى موقع أعلى أو أسفل. ولهذا، إذا زاد الطلب على النفط بسبب ظروف حرب، أو بسبب انتعاش اقتصادي كبير في آسيا، أو بسبب تعطل إنتاج دولةٍ مهمة، أو خفض “أوبك” كميات إنتاجها بمقدار مليوني برميل، فإن كل هذه الظروف ستؤدي إلى انتقال منحنى الطلب نفسه إلى مستوى أعلى، ما يجعل الكمية المطلوبة عند مستوى أعلى لكل سعر من الأسعار.

إذاً، القول، إن النفط يخضع لظروف العرض والطلب، وليس للسياسة، قول متناقض، فالتغير الواضح في القرارات السياسية المؤثرة على أسعار النفط تدفع المنحنى كله لكي ينتقل، وأحياناً بشكل جنوني وغير قابل للتنبؤ، إلى أعلى وأسفل. وهذا أيضاً جزءٌ من نظرية العرض والطلب.

تلعب العوامل السياسية هذه الأيام دوراً أساسياً ومهماً في تذبذب أسعار النفط. ومن حسن الحظ، أو من سوئه، أن العوامل السياسية لا تسير كلها في اتجاه واحد، مما يجعل تأثير بعضها يلغي تأثير بعضها الآخر، وتكون الحصيلة أن يبقى التغير في حدود الذبذبة، وليس في مجال التقلب.

إذا أرادت “أوبك” أن يكون لها تأثير على أسعار النفط بعيداً عن التغير في مخزون النفط الأميركي، وأسعار الدولار، فعليها أن تتبنى سياسات واضحة في الإنتاج، وأن تنسّق مع دول أخرى خارج “أوبك”، وذات تأثير على أسعار النفط في العالم مثل روسيا.

سيبقى العالم الذي من المتوقع أن يصل عدد سكانه عام 2030 إلى أكثر من ثمانية مليارات نسمة، وأكثر من تسعة مليارات نسمة عام 2040 بحاجة إلى أكثر من 120 مليون برميل من النفط يومياً. ولذلك، فإن هناك ضرورة للابتعاد عن استخدام النفط كوسيلة حرب بين المنتجين.

* د. جواد العناني خبير اقتصادي، وزير الصناعة ورئيس الديوان الملكي الأردني سابقا.

المصدر | العربي الجديد