د. حسن نافعة يكتب: في ذكرى ثورة الضباط «الأحرار»

لاتزال ثورة 23 يوليو تثير الكثير من الجدل، رغم مرور 65 عاماً على اندلاعها. وربما يرى البعض في ذلك ظاهرة صحية تؤكد حيوية حدث تاريخي مازال قادراً على الإلهام، غير أن المشكلة أن الجدل الدائر حالياً حول ثورة يوليو ليس من النوع الذي يمكن تصنيفه موضوعياً في سياق الجهد الساعي لاستخلاص الدروس المستفادة، لأن طابعه الثأري والأيديولوجي مازال غالباً، وهو الأمر الذي يتعين تجنبه إذا ما أردنا أن يصبح التاريخ معيناً لنا وليس عبئاً علينا.

تقييم ثورة يوليو، موضوعياً أو «علمياً» يتعين، في تقديري، أن ينطلق من التسليم بالحقائق والمعطيات التالية:

1 — كان عبدالناصر هو الزعيم غير المختلف عليه لمجموعة «الضباط الأحرار» التي تحركت للاستيلاء على السلطة في مصر ليلة 23 من يوليو عام 1952. ولأن هؤلاء الضباط، بمن فيهم عبد الناصر نفسه، كانوا جميعاً من صغار السن والرتبة، فقد كان من الطبيعي أن يبحثوا عن شخصية عسكرية أكبر سناً وأعلى مرتبة، تكون موضع ثقة، وهو ما توافر في اللواء محمد نجيب الذي قبل قيادة حركة لم يشارك في تأسيسها، رغم كل ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر.

2 — لم يكن عبدالناصر مجرد ضابط يرتدي «الزي العسكري»، وإنما كان أقرب ما يكون إلى السياسي الذي قرر الالتحاق بالجيش ليكون أداته في تحقيق مشروع وطني يحلم به، بدليل مشاركته في المظاهرات وهو لايزال طالبا في المرحلة الثانوية واحتكاكه بأحزاب وقوى سياسية متنوعة، كان من بينها جماعة الإخوان المسلمين وحركة «حدتو»، للتعرف على ما لديها من برامج وأفكار تراوحت من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

3 — كان النظام السياسي الحاكم في مرحلة ما قبل يوليو، رغم كل مزاياه التي يصعب إنكارها، قد بدأ يدخل مرحلة ترهل جعلته يبدو عاجزاً عن قيادة التغيير الذي كانت تتطلع إليه جميع القوى السياسية والفكرية في ذلك الوقت، بدليل اندلاع حريق القاهرة في 26 يناير عام 1952. لذا بدا الجيش ملاذاً أخيراً مقبولاً وقادراً على صنع التغيير المنشود.

4 — عكس تشكيل «الضباط الأحرار» خريطة القوى والتيارات السياسية والفكرية المعبرة عن مجمل روافد الحركة الوطنية المصرية؛ حيث ضم في صفوفه أعضاء ينتمون تنظيمياً أو فكرياً لمعظم هذه الروافد؛ لذا يمكن القول إن «المشروع السياسي والفكري» لثورة يوليو كان هو نفسه مشروع الحركة الوطنية المصرية وامتداداً لها.

5 — هناك فرق كبير بين «المشروع الوطني لثورة يوليو»، وهو مشروع كان ولايزال ملهماً للحركة الوطنية المصرية قبل وبعد عبدالناصر، وبين «النظام السياسي لثورة يوليو»، والذي قام على الاستبداد وسطوة الأجهزة وكان السبب الرئيسي في تصفية المشروع الوطني لثورة يوليو.

6 — لم تتمكن إسرائيل من هزيمة المشروع في وجود عبدالناصر، رغم تمكنها من توجيه ضربة قاصمة له في يونيو 1967، أما النظام السياسي فقد ظل صامداً حتى نهاية عهد مبارك. لذا يمكن القول إن ثورة يناير 2011 كانت في جوهرها ثورة على نظام يوليو وليس على مشروعه السياسي.

7 — تبنى السادات، خاصة بعد نجاحه في شن حرب أكتوبر 1973، مشروعاً مضاداً لمشروع ثورة يوليو، حين تبنى سياسات اقتصادية واجتماعية منحازة للطبقات العليا في الداخل وسياسات منحازة للولايات المتحدة وإسرائيل في الخارج، لذا يمكن القول إن الثورة المضادة لثورة يوليو اندلعت من داخلها وألحقت الهزيمة بنفسها، أو بعبارة أدق إن النظام السياسي لثورة يوليو هزم مشروعها السياسي والاجتماعي.

الخلاصة: أي ثورة لا تتمكن في النهاية من تأسيس نظام ديمقراطي يضع مشروعها للتغيير موضع التنفيذ محكوم عليها بالفشل، وليس كل من ارتدى «البدلة العسكرية» ناصراً آخر.

* د. حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

المصدر | الوطن القطرية