د. عبد الوهاب الأفندي يكتب: علمانية يوسف العتيبة «التكفيرية»

حكمت محكمة أمن الدولة العليا في الإمارات، في مارس/ آذار 2014، على ثلاثة أشخاص بالسجن بين سبع وخمس سنوات، بتهمة دعم مجموعة الإصلاح ذات التوجه الإسلامي التي كانت تنشط علناً في الإمارات، قبل أن تحظر ويحكم على بعض قادتها بالسجن فتراتٍ تصل إلى 15 عاماً في يوليو/ تموز 2013. وفي يوليو/ تموز 2016، حكمت المحكمة نفسها بالسجن بين سنة وخمس سنوات على أفرادٍ اتهموا بدعم تنظيم جبهة النصرة في سورية.

يكتشف المتأمل لهذه الأحكام أن عقوبة الانتماء إلى “القاعدة” أخف بكثير من عقوبة الانتماء إلى جماعة إصلاحية سلمية.

وهو ما يذكّرنا بأحكام الإعدام المجانية التي تصدر بالمئات في مصر على أفرادٍ كل ذنبهم هو الانتماء إلى حزب سياسي، انتخبه الشعب. تحكم هذه المحاكم نفسها بالمؤبد، أو ما يقاربه، على ناشطين سياسيين تظاهروا سلمياً، أو انتقدوا تجاوزات النظام القائم.

وهذا يجعل الانتماء إلى جماعة إرهابية خياراً عقلانياً أكثر من الانتماء إلى جمعية حقوق إنسان أو تنظيم سياسي. فإذا كان القتل العاجل، أو البطيء بعد التعذيب والسجن في ظروف مزرية، هو المصير في الحالين، فالأفضل أن يموت المرء وهو يدافع عن نفسه. على الأقل، يوفر هذا عليه التعذيب، وسنواتٍ من الإذلال والقهر.

وليس هذا استنتاجاً “أكاديمياً” منطقياً من هذه الممارسات، وإنما هو التبرير الفعلي الذي قدّمته جماعات العنف في مصر لمنهجها.

ففي كتاب “لماذا أعدموني؟” (نشرته مجلة المسلمون السعودية في مطلع الثمانينيات)، يوضح المفكر الراحل سيد قطب لماذا دعم موقف الشباب الذين قرّروا تكوين تنظيم مسلح. ومعروف أن المجلة (الصادرة عن الشركة نفسها التي تنشر “الشرق الأوسط”) كانت قد اشترت تلك المذكرات من الصحافي الراحل محمد حسنين هيكل، الذي كان يحتفظ بنسخ من كل إفادات المعتقلين التي أجبروا على كتابتها، بعد تعرّضهم لأبشع أنواع التعذيب.

وفي تلك الإفادة، نجد حلاً للغز تأييد قطب العمل المسلح، على الرغم من أن منهجه العام يرفض مجرد العمل السياسي السلمي في ظل “المجتمع الجاهلي”، فالمعروف أن قطب يجزم، استناداً إلى المودودي، أن الأولوية هي لإنشاء جماعة طليعية من المؤمنين، تماماً كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة.

ولا يجوز القيام بأي عمل سياسي، أو عسكري، حتى تكتمل نشأة ذلك المجتمع الإسلامي الطليعي. وقد أكد قطب، في اعترافاته، على هذا المنهج، وانتقد مطالبة حركة الإخوان المسلمين الأنظمة بتطبيق الشريعة الإسلامية في وقتٍ ابتعدت فيه المجتمعات نفسها عن فهم الإسلام، وأكد على ضرورة تبني برنامج تربوي طويل الأجل للإصلاح.

إلا أن قطب تحدث كذلك عما تعرّضت له حركة الإخوان من محاولات تصفية دموية، وقرّر أن هناك مشروعيةً لوجود تنظيم موازٍ، مهمته الدفاع عن الحركة، في حالة تعرّضها لمحاولة تصفية أخرى. وقد أكّد في إفادته أن مهمة هذا التنظيم لم تكن دعم العمل السياسي، أو محاولة إقامة دولة إسلامية بالقوة، وإنما هي الدفاع عن التنظيم في حالة الضرورة القصوى.

ولسنا هنا بصدد تقييم أقوال قطب التي تتميز بكثيرٍ من السذاجة والتناقض والعقلية التآمرية، لكن المسألة تتعلق بتوضيح الدوافع، فالتوجه نحو العنف لم يأت، كما يشاع، من أراء قطب “التكفيرية”، بل من تقييمه الواقعي للوضع السياسي. ويتأيد هذا بإفادات أعضاء “الجماعة الإسلامية” التي لجأت بدورها إلى العنف في نهاية الثمانينيات، فقد أكد هؤلاء أن دافعهم إلى العنف لم يكن عقائدياً بقدر ما كان دفاعياً، حيث إنهم سمعوا بما تعرّض له معتقلو “الإخوان” من تعذيبٍ الموت أهون منه، فقرّروا أن يتجنبوا الاعتقال بكل وسيلة.

تكتسب هذه المعلومات أهمية إضافية، في ظل مزاعم سفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، الذي صرح لشبكة بي بي إس PBS الأميركية، الأسبوع الماضي، أن خلاف الإمارات والسعودية مع قطر ليس حول دعم الإرهاب، أو العلاقة مع إيران، أو أي دعوى أخرى مما زعموا، وإنما هو خلافٌ “فلسفي” يتعلق بمستقبل المنطقة التي يريدونها علمانية، وتريدها قطر غير ذلك.

بالطبع، الغرض تسويق مزاعم أن العلمانية هي الترياق للإرهاب الذي مصدره الإسلام والتدين!

ولا يخلو تصوير سعادة السفير الخلاف من إشكالاتٍ تعودناها منه. ذلك أن قطر، ومعها دول أخرى، مثل الكويت والمغرب وتركيا وماليزيا وأندونيسيا، تتبع منهجاً لتحديث المجتمعات هو الأكثر فاعلية، تحديداً لأنه لا يتصادم مع قيم الإسلام، ولا تركيبة المجتمعات القائمة وتوجهاتها.

لهذا السبب، هذه الدول هي الأكثر استقراراً وازدهاراً في العالم الإسلامي، على الرغم مما تواجه من صعوبات، فقطر كانت ولا تزال سباقةً في مجال تطوير التعليم والانفتاح الثقافي والتعامل الإيجابي مع العالم الخارجي.

من جهة أخرى، المنهج الإماراتي-المصري، كما رأيناه في مصر عبد الفتاح السيسي، ومحاولة إلحاق ليبيا واليمن ودول أخرى به، “قطبي” بامتياز، يقوم على “تكفير” المجتمعات القائمة، أي الزعم أنها في مجملها “متخلفة”، لا يمكن الثقة بأهليتها لتقرير مصيرها واختيار من يحكمها. وعليه، لا بد من سوقها بالسيف والسوط نحو الحداثة، واستخدام كل أساليب القمع والتعذيب والقهر لتحقيق ذلك.

ويريد بعضهم بهذا أن يصبح خليفة كمال أتاتورك، بحيث يفرض العلمنة بحد السيف. وهو بهذا يحجّ وتركيا (أتاتورك) راجعة، وفي زمان غير زمان “الغازي”، وبمؤهلاتٍ غير مؤهلاته. فحينما أعلن أتاتورك حملته لإسكات صوت الإسلام، لم تكن في تركيا قرابة مائتي جامعة، ولم تكن هناك أحزاب وجمعيات مدنية وإنترنت، و”سي إن إن” و”الجزيرة”… إلخ.

في الوقت نفسه، لم يقل لنا الكماليون الجدد ما هو المحتوى الفكري لمشروعهم الجديد، ولم نسمع لهم، بخلاف ترّهات محمد دحلان، بعطاء فكري، قل أو كثر. كل ما نسمع من يوسف العتيبة وغيره هو التزلف لإسرائيل، والوعد بمزيد من التبعية لمخططاتٍ لا تخدم بلاده، ولا الأمة.

فبينما كان إنجاز “الغازي” مصطفى كمال هو تحرير تركيا ودحر المشروع الاستعماري الذي كان يخطط لاحتلالها وتقسيمها، فإن ما نراه من دول الحصار هو أغرب مشروع: دعوة إلى احتلالٍ مدفوع الأجر.

فهنا مماليك يبيعون أنفسهم ويدفعون هم الثمن!

يضاف إلى ذلك أن “علمانية” القوم التكفيرية ليس المقصود منها نزع القداسة عن السياسة واطراح الدين، بل تحويل القداسة إلى الحكام، فيمكنك، في صحفهم وفضائياتهم، أن تعلن إلحادك وتنتقد الصحابة والأنبياء. ولكن أقل تلميح لخطأ الحاكم، ولو حتى بتغريدة تعاطفٍ مع المغضوب عليهم، تؤدي بك إلى جحيم هذا الحاكم بأمره.

هناك فهم أن هذا هو الحل الوحيد لاستبقاء أنظمةٍ تعلم أنها فقدت ثقة شعوبها، وهي تبادلها فقدان الثقة، فأحد أهم مطالبها من قطر هو المساهمة في قمع شعوبها، وذلك بحرمان المعارضين من أي ملاذ آمن، وعدم تجنيسهم، وعدم السماح لهم وتصر على تعقيد مشكلتها بأنها ترتكب مزيدا من نواقض الشرعية، بزيادة القمع، وجعل التبعية غاية، والتطوّع للدفاع عن سياسات الكيان الصهيوني التي يتبرأ منها حتى عقلاء الصهاينة.

ورغم أن هذه الأنظمة تتهم قطر بموالاة إيران وإسرائيل وتنظيم الدولة الإسلامية وحماس (سلم المنطق)، إلا أنها، في الوقت نفسه، تتذلل لإسرائيل، وتتودّد لإيران عبر بوابة العراق، وتشتري ودها عبر أسواق دبي، وتشجع الإرهاب بكل وسيلة، في بلاٍد يعاقب فيها من يغرّد دعماً لقطر بخمسة عشر عاماً سجناً، ومن ينتمي لجبهة النصرة بسنة واحدة!

وتعرف هذه الأنظمة خطل مشروعها، وعدم قابليته للبقاء، بدليل أن ممثليها يُكثرون من الكذب والافتراء، ويرون أن مشكلتهم هي وجود الإعلام الحر الذي يكشف حقيقة أمرهم. فهنا قومٌ يريدون إطفاء الأنوار، لتنفيذ ما يخجلون منه في الظلام!

فكيف ينجح مشروعٌ أصحابه أول من يخجل منه؟

* د. عبد الوهاب الأفندي رئيس برنامج العلوم السياسية والعلاقات الدولية بـ«معهد الدوحة للدراسات العليا».

المصدر | العربي الجديد