د. محمد أبورمان يكتب: ابن خـلدون مـحـاضرا اليوم

بالرغم من أنّه مرّ على كتابات العلاّمة عبد الرحمن بن خلدون (1332–1406) أكثر من 6 قرون إلاّ أنّها ما تزال إحدى أبرز المداخل المهمة لفهم البنية الاجتماعية العربية وكثيراً من السمات والطباع للمجتمع العربي حتى اليوم.

الغريب أنّ اكتشاف العرب لابن خلدون ولمقدمته على صعيد النشر والاهتمام والتوزيع والدراسة تأخر كثيراً، بعد أن سبقهم إلى ذلك المستشرقون، قبل أن يبدأ مفكرون ومثقفون عرب منذ الجيل الإصلاحي، في بداية القرن العشرين، ينتبهون إلى ما كتبه، وبصورة خاصة “مقدمته” الشهيرة، ويرون فيها إطاراً تفسيرياً مهماً في تحليل المجتمعات وتفسير ظواهر عديدة فيها.

ولعلّ أبرز من كتب عنه من مفكرين عرب هو محمد عابد الجابري في كتابه المعروف “فكر ابن خلدون العصبية والدولة — معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي”، وعلي الوردي “منطق ابن خلدون”، ومن أكثر من تأثّر به د. محمد جابر الأنصاري، الذي له مقولة معروفة بأنّه لو كان مسؤولاً مطاعاً لأمر بتوزيع مقدمة ابن خلدون على طلاب المدارس والجامعات، ودرّسها بدلاً من كثير من كتب التراث التي تدرّس اليوم.

هنالك جامعات عديدة تحمل اسم ابن خلدون عربياً، وفي الشهر الماضي قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بافتتاح رسمي لجامعة جديدة باسم ابن خلدون في تركيا، خلال مؤتمر علمي خصص لدراسة أفكاره وإنتاجه المعرفي والإفادة منه في فهم الواقع العربي اليوم.

في الأردن لم يكن هنالك اهتمام حقيقي يذكر على صعيد التدريس والمناهج بابن خلدون أو بمقدمته، لا في التعليم المدرسي ولا حتى الجامعي، الاستثناء الرئيس كان في جامعة آل البيت، في عهد الدكتور محمد عدنان البخيت، الذي قام بتأسيسها والإشراف على المناهج والمساقات، ووضع مقدمة ابن خلدون كمرجع رئيس لطلاب الماجستير، ضمن مادة متخصصة بعنوان “مناهج البحث عند العلماء المسلمين”، وكان هنالك اهتمام كبير في قراءتها والقيام بإنجاز أبحاث وأوراق عمل من خلال ربطها بالواقع المعاصر، لكن للآسف هذه التجربة انتهت بعد مرحلة الدكتور البخيت!

* * *

مناسبة القول بأنّنا اليوم ونحن نحاول أن نفهم التحولات الاجتماعية والثقافية وعلم الاجتماع العربي والاجتماع السياسي في بلادنا، من الضروري أن نعيد قراءة المقدمة، التي تقدم إطاراً منهجياً معمّقاً في فهم المجتمعات العربية والعلوم والمعارف والبنية الاجتماعية والاجتماعية- السياسية، ما يساعدنا على تمييز العوامل الموروثة والمستقرة في البنى المجتمعية والثقافية والسياسية، عن العوامل الجديدة والمستحدثة..

* * *

من أقوال ابن خلدون:

- الظلم مؤذن بخراب العمران.

‏- فُرص الحياة تحصل غالباً لأهل الخضوع والتملق.

‏- الاستبداد يقلب موازين الأخلاق فيجعل من الفضائل رذائل، ومن الرذائل فضائل.

‏- انحدار المستوي الأخلاقي للأفراد ينذر بسقوط المجتمعات.

‏- عندما تنهار الدول يكثر المنجمون والأفاقون والمتفقهون والانتهازيون وتعم الاشاعة وتطول المناظرات وتقصر البصيرة ويتشوش الفكر.

* د. محمد أبورمان باحث بـ”مركز الدراسات الاستراتيجية” بالجامعة الأردنية.

المصدر | الغد الأردنية