د. محمد أبورمان يكتب: لماذا انهار «أحرار الشام»

لم يتردد “شرعي” [مفتي] هيئة تحرير الشام- جبهة النصرة سابقاً، المدعو أبو اليقظان المصري من إطلاق فتوى بقتال أحرار الشام ومن يقف في وجه مشروع الحركة بالسيطرة على إدلب، قبل توقيع الاتفاق الأخير مع حركة “أحرار الشام”.

وأضاف أبو اليقظان، في فتواه التي تمّ تناقلها عبر موقع اليوتيوب، “نحن نحاول تحييد المدنيين، لكن عندما نقاتل فإننا نقاتل وإذا كان الحاجز لا يمكن أخذه إلا بالقتال (اضرب بالراس)، واذا كانت مصلحة العمل في القتل وكان لا بد من ضحايا مدنيين، فهذا تمترس. اقتل وفي يوم القيامة قل هذا ما أفتى به أبو يقظان، وفي يوم القيامة تبعثون على النوايا”!

بالنتيجة هي الفتوى ذاتها التي استخدمها تنظيم داعش لقتال الفصائل الأخرى، من النصرة نفسها، والجيش الحرّ، واعتبرت أنّ في قتلهم تقرّباً إلى الله، بدعوى أنّهم أي جبهة النصرة، التي ينتمي إليها أبو اليقظان، هم من “الصحوات” (في إشارة إلى الفصائل التي انقلبت على داعش في العراق 2007، بدعم من الأميركيين)، وأنّ قتالهم واجب.

أعداء اليوم (“هيئة تحرير الشام” و”أحرار الشام”) هم حلفاء الأمس، في جيش الفتح، الذي سيطر على كامل إدلب، قبل عامين، وطرد جيش الأسد منها، لكن ما الذي حدث حتى: أولاً انقلاب التحالف إلى عداء؟ وثانياً لماذا انهارت حركة أحرار الشام، بسرعة شديدة، أمام هيئة تحرير الشام، ما شكّل مفاجأة صادمة، نظراً لحجم الحركة — أحرار الشام- ورصيدها العسكري؟

بخصوص انقلاب التحالف، فإنّ التحليلات تميل إلى محاولات كلا الفصيلين فرض سيطرته على إدلب، والتنازع على “السلطة” والقوة. وهو سبب منطقي، لكن مفتاح فهم ما يحدث هو التحول في الموقف التركي، تحديداً، منذ محاولة الانقلاب الفاشلة، ثم سعي الأتراك للتقارب مع روسيا، والتخلّي عن جبهة النصرة، بعد أن كانت تحاول تأهيلها دولياً وإقليمياً.

الاختلافات بين الأحرار والنصرة بدأت في الموقف من عملية درع الفرات، سابقاً، ثم تصدّع التحالف، وبدأت عملية استقطاب شديدة في العام الماضي، بين الفصيلين، وإعادة تشكيل التحالفات، فانضمت فصائل إلى الأحرار وأخرى إلى حركة تحرير الشام، جبهة النصرة سابقاً، ثم أصبحت هيئة تحرير الشام، بينما انضمت فصائل أخرى، مثل صقور الشام وجيش الإسلام في إدلب إلى “أحرار الشام”.

مع بروز مشروعات مناطق منخفضة التوتر، وبدء تشغيل ديناميات مؤتمرات الآستانة، والتحول الجوهري في موقف تركيا من النصرة، بدأت الأخيرة تشعر بالقلق من أن تدفع ثمن ما يجري، بخاصة أنّ أحرار الشام قريبة من السياسات التركية وتعتبر حليفاً استراتيجياً لها، فقامت بالضربة الاستباقية.

إذاً، العامل الإقليمي لعب الدور الأكثر أهمية فيما يحدث في شمال سورية، سواء ما حدث سابقاً في ريف حلب، أو اليوم في إدلب وريفها، وجوهر العامل الإقليمي هنا التحول الكبير في الدور التركي، والطلاق بينها وبين جبهة النصرة، وثانياً بالتراجع الحادّ بالدور القطري في سورية، والتحولات التي تسم الدور السعودي، إذ كانت السعودية شريكاً لتركيا وقطر، في العام 2015 في تأسيس فكرة “جيش الفتح”، ودعمه للسيطرة على إدلب، قبل أن تعود — أي السعودية- لتغيّر مقاربتها مرّة أخرى.

لكن ما هي الأسباب التي أدت إلى انتصار ساحق سريع لهيئة تحرير الشام وانهيار حركة الأحرار، فاستسلم أعضاؤها أمام تحرير الشام، وخسرت العديد من القرى والبلدات من دون قتال حقيقي، وكذلك الأمر مع معبر باب الهوى الاستراتيجي مع تركيا؟

الجزء الكبير من التحليلات يذهب إلى أنّ أفراد الأحرار لم يكونوا مهيئين أيديولوجياً وفقهياً لقتال النصرة، ففضّلوا عدم التورط في إراقة الدم، لعدم وجود فتاوى شبيهة بفتوى أبو اليقظان (المذكورة في المقال السابق)، التي يشرعن فيها قتل الأحرار، وحتى المدنيين، إذا تطلب الأمر!

أظن أنّ هنالك ما هو أهم من هذا السبب ويتمثل في تفكك حركة أحرار الشام، واضطرابها الأيديولوجي والفكري، وعدم وضوح الرؤية أمامها.

المفارقة أنّ القائد الحالي لهيئة تحرير الشام، هو أبو جابر الشيخ، الذي كان سابقاً قائد حركة أحرار الشام، وعضواً في مجلس الشورى، ثم اختلف مع قيادة الحركة (الأمير السابق أميرها مهند المصري، والحالي علي العمرو) وشكّل فصيلاً خاصاً سماه جيش الأحرار، قبل أن يعلن حلّه، وينضم إلى هيئة تحرير الشام، فيصبح قائداً عاماً لها.

لم يخرج أبوجابر الشيخ وحده بل خرج معه قائد الجناج العسكري السابق، أبو صالح الطحان، وعدد من شرعيي حركة الأحرار وقادتها، ما أدى إلى أزمة داخلية كبيرة بين تيارين:

- الأول المتشدد، الذي يؤكد على أهمية التحالف مع النصرة، وكان يمثله الشيخ قبل انشقاقه،

- الثاني الإصلاحي أو الثوري، الذي يمثّله قائد الجناح السياسي، منير السيال، ولبيب النحاس، وجيل شبابي أصبح يمسك بزمام الأمور بالحركة في الفترة الأخيرة.

أزمة العلاقة مع النصرة شكّلت دينامية أساسية في مسار الحركة، منذ تأسيس “جيش الفتح”، والتقاط الحركة أنفاسها بعد مقتل الصف الأول من القيادات، وعلى رأسهم حسان عبود (في سبتمبر 2014)، الذي كاد أن يخلخل بنيان الحركة بأكمله، قبل أن تتماسك عبر تحالفها مع جبهة النصرة، والانطلاق من جديد في “جيش الفتح”.

إلاّ أنّ الخلافات السياسية والأيديولوجية بدأت تضرب بقوة وحدة الأحرار، وتماسكها التنظيمي، مع الخلاف من جديد، بسبب المتغيرات الإقليمية، بخاصة، وهنا مربط الفرس، التحول في الدور التركي بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، والتقارب الروسي- التركي، الذي اعتبر “النصرة” حركة إرهابية، ما أدى إلى تحولات عميقة في علاقة النصرة بتركيا.

وترك “الأحرار” معلقين، بين العلاقة الاستراتيجية مع تركيا من جهة، والتحالف مع جبهة النصرة- هيئة تحرير الشام لاحقاً- من جهةٍ أخرى، الأمر الذي قسم الأحرار أنفسهم، وأدى إلى خلافات عميقة في الداخل، نتج عنها انشقاق صف قيادي مؤثر وفاعل، وانضمام أعضاء فيه لاحقاً إلى “تحرير الشام”.

يتضافر مع الأسباب السابقة التراجع الكبير في الدعم التركي والقطري لأحرار الشام، وكانت الابن المدلل، والحليف الأقوى لهذا التحالف الإقليمي، وإلى الآن هنالك غموض شديد فيما يتعلق بأسباب عدم تدخل القوات التركية لمساعدة الأحرار في مواجهة “هيئة تحرير الشام”، هل كان مرتبطاً بهدف تركي غير معلن، أم بالانهيار السريع المفاجيء للأحرار، ما لم يسعف الآخرين بمساعدتهم!

* د. محمد أبورمان كاتب وباحث بـ«مركز الدراسات الاستراتيجية» بالجامعة الأردنية.

المصدر | الغد الأردنية