«ستيفن كوك»: السعودية والإمارات بالغتا في تقدير نفوذهما في واشنطن

في عام 1985، نشر أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا، «ستيفن شبيغل»، كتابًا بعنوان «الصراع العربي الإسرائيلي الآخر: صناعة سياسة أمريكا في الشرق الأوسط من ترومان إلى ريغان». وكان «شبيغل» مهتمًا بكيفية تفاعل جماعات المصالح المختلفة في تطوير السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وشمل ذلك الجماعات التي تدعم (إسرائيل)، وأخرى تدعم الفلسطينيين والدول العربية، والمحايدين الذين جادلوا بأنّ أحد الطرفين أو الآخر في الصراع العربي الإسرائيلي كان شريكًا أفضل في النهوض بالأهداف الأمريكية في الشرق الأوسط. وقال «شبيغل» لقرائه أنّ «المعركة بين هذه المجموعات في صالح واشنطن».

وهناك صراعٌ مماثلٌ يجري اليوم، لكنّه لا علاقة له بـ (إسرائيل) وجيرانها. ويتمثل في معركة قطر ضد ائتلافٍ يتألف من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر وعدد من البلدان الأخرى. ومع دخول محاولة عزل القطريين أسبوعها السابع، وصلت ذروة نشاط جماعات الضغط. وقد ذهب العديد من المسؤولين السعوديين والإماراتيين والقطريين إلى واشنطن مؤخرًا لإقناع المسؤولين الأمريكيين بعدالة قضيتهم.

وبالتوازي مع هذه الاجتماعات الحكومية، يسعى مسؤولون من هذه البلدان وممثلوهم من جماعات الضغط جاهدين للتأثير على وجهات نظر ما يمكن وصفه بأنّه «مجتمع السياسات»، وهم المسؤولون السابقون والصحفيون الذين يساعدون على دفع النقاش في واشنطن.

وكان القطريون نشطين بشكلٍ خاص للحاق بالركب، ولكن انضمت كل الدول المعنية تقريبًا إلى المعركة. وتبث «الرسائل» بأكثر من شكل. فهناك تناول القهوة مع كبار المسؤولين في فندق الفور سيزونز أو فندق ماندارين أورينتال أو فندق ريتز أو فندق ويلارد بين الاجتماعات في البيت الأبيض ووزارة الخارجية والبنتاغون. وهناك، بالطبع، تحدث الكثير من المجاملات، لكن قد تكون هذه اللقاءات مفيدة أيضًا إذا تمكن أحد المشاركين من إقناع وزيرٍ ما بتبني وجهة نظره. ثم هناك عروض السفر المدفوع لـ «قادة الفكر» للسفر إلى بلدٍ معين حتى يتمكنوا من «فهم الوضع بشكلٍ أفضل»، ويحدث هناك ما يحدث.

وينفق السعوديون والإماراتيون والقطريون عشرات الملايين من الدولارات سنويًا على الشركات التي تقدم هذه الخدمات. وبالنسبة لهذه الحكومات، فهي قادرة على إنفاق الأموال بشكلٍ جيد، ولكن عندما يتعلق الأمر بتأطير النقاش حول قضايا مثل أزمة قطر، فإنّ عائد الاستثمار لا يكون واضحًا على الإطلاق. ولا شك أنّ هناك مجموعات وأفراد يثبتون حقيقة الصورة «المشكوك فيها» لجماعات الضغط. ولكن في الاشتباك الحالي بين دول الخليج، الأمر أكبر من أن تكون جماعة أو أخرى قد لعبت دورًا كبيرًا لصالح أحد الأطراف.

وفي مايو/أيار، عقدت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات مؤتمرًا تحت عنوان «قطر والجهات العالمية التابعة للإخوان المسلمين: الإدارة الأمريكية الجديدة تنظر في سياساتٍ جديدة»، كانت تنتقد من خلاله القطريين لدورهم المزعوم في تعزيز وتمويل التطرف.

ويشير مؤيدو قطر إلى هذا المؤتمر باعتباره الأول في حملة تشويه واسعة قام بها السعوديون والإماراتيون والمصريون داخل واشنطن. وكانت التسريبات التي أشارت إلى مراسلات بين «يوسف العتيبة»، سفير الإمارات في واشنطن، و«جون هانا»، من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، شرارة هذه الفكرة. ويبدو الأمر بالتأكيد مثل التواطؤ في مؤامرة، ولكنّه ليس بهذه البساطة. فالمنظمة، التي لا تأخذ أي أموال من الإمارات كما تصر، تتتبع منذ فترة طويلة العلاقة القطرية مع جماعة الإخوان المسلمين وحماس وغيرها من الجماعات.

وإذا أراد النقاد في التشكيك في جوهر البحوث والتحليلات التي تقوم عليها مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، فهذا جزءٌ مشروعٌ من عملية إنتاج المعرفة. لكن ليس هناك شك في أنّ مؤتمر مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات حول قطر كان سيحدث بغض النظر عما يريده «العتيبة» وحكومته. وبالطبع سعى الإماراتيون والسعوديون إلى وضع إطار للنقاش حول أزمة قطر، لكنّهم لم يحققوا النجاح كما قد يعتقد المرء نظرًا لمواردهم الشاسعة. ومرةً أخرى، كانت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات هي المثال الأنسب. إذا كانت المؤسسة مشاركة في الحشد المناهض لقطر، لم يكن خبير الشؤون الخليجية في المنظمة، «ديفيد فاينبرغ»، قد ثار في عاصفة تغريدات ضد إحدى جماعات الضغط التي تعمل لحساب السعودية، والتي انتقدت الجميع في واشنطن.

ويمكن للأفراد في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات التحدث عن أنفسهم، بطبيعة الحال، لكنّ الدور الصغير للمنظمة في الصراع الخليجي الآخر مفيد حقًا في إعطائنا صورة عن واقع تأثير جماعات الضغط. أولًا، أنّ محاولة التأثير على الرأي في واشنطن من قبل أشخاصٍ مثل «عتيبة»، والسفير السعودي الذي وصل مؤخرًا، «خالد بن سلطان»، وكل دبلوماسيٍ آخر، لا تسير كما يُفترض. وقد تكون اللقاءات مع مسؤولين أجانب مادة مثيرة للاهتمام، ولكن بالنسبة لأي محللٍ جاد، فهي لا تشكل أبدًا رؤية واشنطن العالمية.

وثانيًا، لقد أفرط السعوديون والإماراتيون والمصريون والبحرينيون في مدى نفوذهم في الخليج وواشنطن. وعلى كل ما بذلوه من جهود، لم تتعرض قيادة قطر للضغوط، بل ربما كان الأمر في صالح القطريين (على الرغم من مؤتمر مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات). وبالنسبة لواشنطن، فالرأي السائد هو أنّه لا يوجد حلفاء مثاليون، ويجب أن يتم العمل مع كل هذه البلدان معًا في مجموعة متنوعة من المجالات المختلفة. لذلك، للصراع نتائج عكسية بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة، وكلما أسرعت في حلها، كلما كان ذلك أفضل. ولا يوجد شيء سيء في تناول القهوة مع وزير الخارجية، فلن ينجح سفيرٌ ما بإقناعه بتغيير رأيه بورقة أو رسالة بريد إلكتروني. لذلك، مهما كانت الأموال التي تنفقها دول الخليج في واشنطن، يجب أن يدركوا أنّها لن تؤتي أكلها.

المصدر | ستيفن كوك — صالون