«عبدالرحمن بدوي» .. كيف اجتازت مصر بإنجازاته قرنا من الفلسفة؟

ما أصدق «المتنبي» عندما قال: «وإذا كانت النفوس كباراً/ تعبت في مرادها الأجسامُ» ألا فلنعلم تماماً أنه إذا كثر مادحو شخص ما، وشانئوه (ذاموه) وكانوا جميعاً من العقلاء، فلنوقن، أنه شخص عظيم.

ومن ذا أجمع عليه الإنسان في كل الأزمان؟! ومن ذا تصفــو مشاربه؟ كما قال الشاعر «بشار بن برد». إذاً، فهذا رجـــلٌ كان عقله وروحه وإمـكانـاتـه وقدراته وملكاته ومواهبه وعبقريته أكبر من ظروفه وحياته، وما طمح لتحقيقه على

أرض الواقع من أفكار ومشروعات، فكيف إذاً، لجسد ضعيف مثله يطلب الفناء والراحة، أن يتحمَّل طموحاً ونبوغاً، ذكَّرنا بـ«أرسطو، «أفلاطون، «الفارابي، «ابن سينا، «الغزالي، و«ابن رشد مجتمعين، فلا جرم أنَّ هذا لإحدى الكُبَر.

كثر مادحوه وذاموه

وإذا كان للنبوغ سلطانه، وللعبقرية ضريبتها، شهرة ودوياً، فإن «عبدالرحمن بدوي» هذا، ضرب بسهم الخلود الدنيوي بأوفى غاية، ونقش اسمه في أعلى عليين، فكثر من ثم حاسدوه، بعدما أتى بالغرائب والعجائب والفرائد في عالم الفلسفة والتفلسف، فلم يزده إلا دأباً وعجباً.

ولنا أن نتساءل بالمنطق، وفي ضوء ما أنجز: ترى هل صدق المستشرق «كراوس» في حدسه، بعدما صاح «طه حسين» على الملأ معلناً: «لأول مرة نشاهد فيلسوفاً مصرياً» بعد أن ظفر «عبدالرحمن بدوي»، بأطروحته للدكتوراه في عام 1944م في جامعة فؤاد الأول (القاهرة الآن)، فهمس في أذنه قائلاً له: «لقد ذبحك طه حسين بثنائه عليك». إذاً، فالمحصلة، أن الآراء أجمعت على عبقريته، وما كان ينتظر من مثله، لكن منها مَنْ رماه بالتقصير، والتعالي، والغرور، وغلبة (التاريخانية) على الابتكار، وضياع المشروع في النهاية، فهل نصدق إذاً تلميذه «أنور عبد الملك» القائل: «كيف يكون المدخل إلى رجل لا يقبل التصنيف؟».

وهل نذهب مع «حسن حنفي» القائل عن أستاذه «بدوي»: أراد أن يكون في العالم طبقاً لمقولة الوجوديين: «الوجود في العالم»، وانتهى إلى مقولة الصوفية: «العالم في الوجود»؟ وهل نرى رأي «أحمد محمود صبحي عنه: «ما قام به في نطاق الإسلاميات، وبخاصة تحقيقاته على مخطوطات، ينوء به فريق كامل من المشتغلين بها، ولا يقدر على ذلك غير عبد الرحمن بدوي»؟ وهل نرتاح لكلام تلميذه «محمود أمين العالم: «فيلسوف عظيم، تحلى بالذاتية والوجودية، وتخلى عن المجتمع بإرادته»؟

هواة قتل المُجيدين

وهل كانت نصائح المستشرق «كورييه» المشرف الثاني عليه، بعد أن رأى مؤلفاته تترى، وهو لا يزال شاباً، فحذَّره من أساتذته الناقمين: «ألا فلتعلم أن كل كتاب تصدره، هو بمثابة خنجر في قلوب الحاسدين والحاقدين»؟

وهل نصدق ما قاله عن «عبدالرحمن بدوي» «علي زيعور» تحت عنوان «المذهب الإنسانوي العربي في فكرنا التأسيسي وفي القطاع الفلسفي الراهن»: «نحن إن رفضنا فكريات بدوي، المُعادية للعلم والعقلانية، فلكي نستدل على الطريق. لم تكن فلسفته الطريق، لكنها كانت ضرورية للإرشاد إلى ما يكون الطريق، وإلى ما يجب أن نكون ونرى ونفعل. نظرته علَّمتنا، أرشدَتنا إلى نقائضها، فمعظم نقائض ما قالته الوجودانية العربية، هو المتبقي، والمنعش، وسقطاتها نوّرتنا»؟

وهل ما توصَّل إليه «أحمد بكر موسى» عن مشروع «بدوي» صحيح على إطلاقه: «لم يكن مشروعاً فكرياً واحداً ولم يسلك طريقاً مستقيماً، وإنما اعترته انعطافات حادة ليس منها الدافع المالي وإلا لما أتت هذه الكتب بهذا الإتقان الذي شهد له الجميع، وأرى أن الدافع أقوى من المال»؟

وهل تفسير تلميذه «فؤاد زكريا»، لاتجاهاته الإسلامية عن القرآن والرسول «محمد» (صلى الله عليه وسلم) في أخريات حياته، إنما كانت بدافع المال وحب المال، كان غير منطقي؟ وإلا فلماذا، لم يفز بدوي بأي جائزة مصرية أو عربية، ولم يحز أي تكريم في حياته؟

وهل اهتدى بدوي أخيراً إلى ما أشبع نهمه المعرفي والفلسفي، فاتجه بكليته، كما يقول «بكر موسى»، حيث اكتشف: «طرف المواطنة الثالث، لقد اتسم بدوي طوال حياته بالقلق الروحي وبحثه الدائم عن الاستقرار النفسي، وقد اهتدى أخيراً إلى الدين وإلى الله، أقول اهتدى إلى الدين وركن إليه»؟

الفيلسوف ..الخارج على الأعراف

فإذا أردنا تفسير كل هذا اللغط والصخب الذي صاحب وما زال «عبدالرحمن بدوي»، في مؤلفاته، وبحوثه، في آرائه، وما أحدثته سيرته الذاتية من خروج على الأعراف، والتقاليد، حيث هاجم رجال عصره في المجالات كافة، باستثناء أستاذه «مصطفى عبد الرازق، وبعض المستشرقين، فلا شك في أنه رأى الهزائم العربية المتوالية، والارتدادات المعرفية، والتخلف الحاد يسيطر، وينتشر من حولنا، ورأى أن ما بشَّر به يتهاوى أمام عينيه، وأن ما نظَّر له تصادمه الحياة والناس، فلا نحن حققنا النهضة، ولا

نحن، فهمنا ديننا إلا صورياً شكلانياً.

إزاء كل هذا وذاك، تقوقع «بدوي» على نفسه، وتشرنق على ذاته، وسابَق الزمن، لإكمال مشروعه بشتى السبل، فكان يؤلف وهو مسافر، ويسافر وهو يؤلف، ويقبع في مكتبات أوروبا الأيام والشهور، وهو الذي يدشن بمفرده ما عجزت الجامعات والجماعات عن إنجازه قاطبة. ففيم الحيرة إذاً في أمره وفكره وفلسفته؟ ولماذا كل هذا العقوق الظالم لهذا الفيلسوف الذي تخلى عن الصاحبة والولد، من أجل أن يخرج للعرب والمسلمين ما يشمخون به من نتاج يضارع به فلاسفة الغرب؟

لذلك، عرف «بدوي» قيمة نفسه، وما تحمله من نفيس الفكر، وعريق التفلسف، فجاهَد به الجهل، والتخلف، والتقليد، والجمود، والهزيمة، ووقف يتحف العرب والغرب، بنتاجه الثري الرائق، وجودياً، ويونانياً، وأفلوطينياً، وهيلينياً، ومشّائياً، وصوفياً، وكلامياً، ويهودياً، وكنسياً، وإسلامياً، وإلحادياً، وإشراقياً، واستشراقياً، وصورياً، وتراجيدياً، ومسرحياً، وشعرياً، ومقارنياً، وتحليلياً، ونقدياً.

فرحمة الله على «عبد الرحمن بدوي» في مئوية ميلاده الأولى التي تمر الآن، فمتى تتذكره وزارة الثقافة المصرية، وجامعة القاهرة، وجامعة عين شمس، واليونسكو، ومعهد المخطوطات العربية، بأي تكريم، وهو الفيلسوف المصري والعربي الوحيد في العصر الحديث؟

المصدر | الخليج الجديد+الحياة