عبد الحميد صيام يكتب: في الأزمـة الخـليجـية.. انـتـصار القـبـيلة على الدولة

كنت أظن أن زمن داحس والغبراء قد ولى، وأن حرب البسوس أصبحت جزءا من الأساطير، وأن عمرو بن كلثوم ومفاخرته بأن قومه «يجهلون فوق جهل الجاهلينا» ذهب ولم يعد، وأن العصر الذي نعيشة هو عصر الدولة الوطنية حيث تمارس السلطة الشرعية السيادة على الأرض والشعب، وتصوغ سياستها الداخلية بما يضمن أمن الوطن والمواطن، وسياستها الخارجية تعكس رؤية البلاد وتوجه قيادتها الشرعية بما يخدم الدولة ومصالحها الإستراتيجية.

أزمة الخليج الأخيرة التي بدأت يوم 5 يونيو بقيام ثلاث دول من مجلس التعاون الخليجي بقطع علاقاتها مع قطر أثبتت خطأ هذه النظرية. تصرف الدولة التي يحكمها دستور يفصل بين صلاحيات السلطات الثلاث شيء، وتصرف القبيلة التي يحكمها شيخ يسمى ولي الأمر، يملك البلاد والعباد شيء آخر. الدولة محكومة بمسلكيات معينة حتى أيام الأزمات، والقبيلة تنصاع لإرادة شيخها ومزاجه وحالة المزاج المتقلب يوميا. إذن نحن أمام سلوك قبلي لا مدنيا ينتمي إلى عصر كنا نظن مخطئين أنه مضى دون رجعة.

القانون الدولي والعلاقات بين الدول

منذ بدأت العلاقات الدولية تأخذ شكلها النهائي بعد مؤتمر وستفاليا عام 1848 والمجتمع الدولي يعمل من خلال الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف لتقنين العلاقات بين الدول. وبعد تأسيس الأمم المتحدة عام 1945 توسعت عملية تنظيم العلاقات، باعتماد العديد من الآليات لتعامل الدول بين بعضها بعضا، مثل اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961) واتفاقية فيينا لقانون المعاهدات (1969) التي دخلت حيز النفاذ عام 1980 واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية (2003) وغيرها الكثير.

وقد تحولت الممارسة العملية العرفية في العلاقات بين الدول إلى قوانين دولية قائمة على خمسة مبادئ أساسية: سيادة الدولة، المساواة بين الدول بغض النظر عن حجم الدولة مساحة أو سكانا، عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، المحافظة على السلم والأمن الدوليين وحل الخلافات والنزاعات بالطرق السلمية.

ولم يتوقع أحد في الكون ألا تحدث خلافات بين الدول لأسباب عديدة أهمها، اختلاف المصالح والأيديولوجيات، والاعتداءات والتدخلات وترسيم الحدود وتقاسم المياه والثروات، وغير ذلك من أزمات توتر العلاقات الدولية، وتدفع بالدول خاصة المتجاورة إلى قطع العلاقات أو إغلاق الحدود أو التهديد باستخدام أو استخدام القوة لحسم النزاع.

ميثاق الأمم المتحدة فرّق بين نوعين من سبل حل الخلافات: أولا بالطرق السلمية، التي تضمنها الفصل السادس ومن بينها، المصالحة والتحكيم والوساطة والتحقيق لتحديد المسؤولية، واستخدام المساعي الحميدة واللجوء إلى المحاكم الدولية. وثانيا عن طريق الإلزام الذي نص عليه الفصل السابع، باستخدام العقوبات والتدرج فيها وصولا إلى إعلان حالة الحرب لردع المعتدي، إذا كان في ذلك العدوان تهديد للسلم والأمن الدوليين.

مجلس التعاون الخليجي واحتواء الخلافات

قد لا يكون في الوطن العربي منطقة جغرافية متجانسة عرقيا وثقافيا وتاريخيا مثل دول مجلس التعاون. فكثير من سكان هذه الدول، على قلتهم ينتمون إلى التركيبات القبلية نفسها، التي كانت تروم الصحراء متنقلة بين الكثبان، قبل أن يستقر بها النفط والعمران الحديث.

ولأن المنطقة كانت شبه معزولة لقرون عديدة بقي سكانها محافظين على عاداتهم وتقاليدهم ولهجاتهم المتقاربة، وأزيائهم وأنماط حياتهم، وكانت الغزوات بين القبائل ولجوء قبيلة لمنطقة أخرى للاحتماء بشيخ قبيلة آخر، من الأمور المعتادة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ولغاية بداية القرن العشرين، عندما سيطرت قبيلة آل سعود على نجد والحجاز وعسير ونجران وأقامت المملكة عام 1932.

وما قوى علاقات أبناء هذه المنطقة في العصر الحديث، تدفق النفط من تحت أرجلهم وتحول المجموعة إلى نادٍ للأغنياء فقط، حيث رفض مجلس التعاون ضم اليمن أو العراق إلى التشكيلة.

فتحولت «مدن الملح»، على رأي عبد الرحمن منيف، إلى أبراج تناطح السحاب، والرمال إلى مساحات خضراء ومياه الشواطئ إلى تجمعات سكنية فاخرة. لذلك أنشئ مجلس التعاون عام 1981 مباشرة بعد بداية الحرب العراقية الإيرانية، لشعور أعضاء نادي الأغنياء بتهديد مباشر لأمنهم الوطني بعد ثورة الخميني وطرحه شعار تصدير الثورة.

تضمن النظام الأساسي لمجلس التعاون المقتضب في مادته العاشرة، إنشاء «هيئة تسوية المنازعات»، أي أن المؤسسين توقعوا أن تنشب خلافات بين أعضائه على العديد من القضايا. وبالفعل فما لبثت الخلافات أن ظهرت منذ البداية، لأسباب عديدة لا مجال لتعدادها. فعـمان مثلا لم تأخذ مواقف حادة من إيران ولا من مصر بعد كامب ديفيد. وحافظت الكويت على مساحة مستقلة لسياستها الخارجية وعلاقاتها مع دول الجوار.

بينما تغير الموقف القطري تماما، بعد تولي الشيخ حمد قيادة الإمارة عام 1995. اختط لبلده خطا مغايرا خارج العباءة السعودية، خاصة في مجال الإعلام الجديد الذي مثلته قناة «الجزيرة» وفي الانفتاح على حركات المقاومة مثل، حزب الله وحركة حماس، بالإضافة إلى لعب دور نشيط في الشؤون العربية مثل، لبنان ودارفور وفلسطين، الأمر الذي سبب إزعاجا للسعودية، وبدأت بوادر الانشراخ الكبير تتسع بين أعضاء مجلس التعاون، خاصة بعد ثورات الشعوب العربية ضد الطغاة، في الربيع العربي.

فقد اختارت قطر أن تؤيد الثورات العربية في تونس ومصر خاصة، وأن تقف مع الحركات الإسلامية المعتدلة التي يمثلها الإخوان المسلمون، الذين قفزوا على ثورات الشباب العربي لاستثمارها لصالحهم لأنهم الأكثر تنظيما وإمكانيات. بينما اختارت السعودية مدعومة من الإمارات والبحرين أن تقمع هذه الثورات جميعا بكافة الوسائل، في حين نأت كل من الكويت وعمان بنفسيهما عن الانجرار لأي من المعسكرين.

وقد التقت السعودية وقطر في دعم الجماعات المسلحة في سوريا واليمن، واختلفتا في كافة القضايا الأخرى، خاصة الانقلاب في مصر، لكن الأمور بقيت تحت السيطرة حتى مع سحب السفراء عام 2014. فما الذي جرى بعد زيارة ترامب للمنطقة وانفجار الأزمة بين الدول الثلات ومعها مصر من جهة وقطر من جهة أخرى، بحجة دعم قطر للإرهاب وكأن السعودية تصدر للعالم نسخا عن «الأم تيريزا» و»ديزموند توتو» والأخضر الإبراهيمي. إن حجة دعم الإرهاب أقرب إلى النكتة عندما تأتي من السعودية.

الأسباب الكامنة وراء الأزمة الحالية

الطريقة التي فجرت فيها السعودية الأزمة مع قطر ومعها الإمارات والبحرين غير مسبوقة ربما في التاريخ الحديث: شملت قطع العلاقات وفرض الحصار، وإغلاق الحدود وإغلاق الأجواء وإغلاق مكاتب الطيران، وطرد المواطنين القطريين وسحب مواطني تلك الدول من قطر خلال أسبوعين، وسحب الاستثمارات والشركات، وطرد الطلاب من المدارس وتشتيت العائلات، بل شملت تهديد الدول التي تتلقى مساعدات منها إن لم تقطع علاقاتها مع قطر.

لقد تصرفت السعودية في هذه الأزمة وكأنها شيخ قبيلة تمرد عليه أحد أبنائه ويريد أن يعيده إلى بيت الطاعة صاغرا وبالقوة، دون قبول أية وساطة أو دعوات للعقلانية.

بل إن دولة مثل المغرب أخذت موقفا معتدلا فما كان من السعودية وقنواتها إلا أن بدأت تتحدث عن الاحتلال المغربي للصحراء الغربية، وكأن السعودية بعيدة عن تمويل المسيرة الخضراء عام 1975.

فما هي الأسباب الحقيقة لهذه السياسة الثأرية اللاعقلانية في التعامل مع أزمة كان يمكن أن تحل في أطر مجلس التعاون؟

- أولا، أن فشل السياسة السعودية المدوي في سوريا واليمن ولبنان وإيران، وانهيار الجماعات التي مولتها السعودية وانتقادات العالم لها في اليمن، قد أدى إلى تململ قطري للخروج من ذلك التحالف وإعاة تسخين العلاقات مع إيران.

- ثانيا، ترامب لعب دورا في تأجيج العلاقات. فبعد تجريف أموال السعودية بشكل أقرب إلى الخيال العلمي وعدم انصياع قطر لتقاسم المبالغ، التي حملها ترامب معه، يبدو أنه أجج الخلاف ليعود ويجرف جزءا من الأموال القطرية، وهو ما حدث عند إعلان صفقة السلاح بقيمة 12 مليار دولار يوم 15 يونيو، بدأت بعدها الأزمة تبرد قليلا.

- ثالثا، المطالبة بإغلاق قناة الجزيرة مصدر وجع الرأس الدائم للأنظمة في السعودية والإمارات والبحرين ومصر.

- رابعا وهو الأهم، قضية فلسطين. المطلوب شطب أي نفس مقاوم الآن من فلسطين. المطلوب تركيع غزة تماما، وشطب حماس ومعها السلطة، وإعادة القيادات المصنعة إماراتيا وسعوديا لتكون الجسر الذي سيعبر عليه أعضاء الحلف الجديد الذي يضم إلى عضويته «الشقيقة» إسرائيل.

* د. عبد الحميد صيام محاضر بمركز دراسات الشرق الأوسط — جامعة رتغرز، نيوجرسي

المصدر | القدس العربي