علي الصالح يكتب:يسرقون انتصار الأقصى

نعم ايها المقدسيون لقد حققتم الانتصار، إنه انتصاركم بامتياز ولا فضل لنظام عربي عليكم ولن نزيد.

نعم حققتم الانتصار بسواعدكم وتصميمكم وصمودكم وتضحياتكم وثورتكم الشعبية، لا بفضل غيركم من المتربصين لاختطاف هذا الانتصار وقطف ثماره، أو على الأقل الحصول على جزء من كعكته،

لكن يظل هذا الانتصار معنويا، وإن كان كبيرا وكبيرا جدا، فالقدس والاقصى والضفة الغربية لا تزال تحت الاحتلال، والانتصار الحقيقي يكون بتحريرها من براثن الاحتلال الصهيوني.

حذارِ ايها المرابطون من مناورات وغدر دولة الاحتلال للالتفاف على انتصاركم ومحاولة إفساد فرحتكم، المعركة لم تنته بعد، والعدو ومن معرفتكم به، بالتأكيد يعد لضربة موجعة، ردا على الصفعة التي وجهتموها إليه وإلى كل دعاة الاستسلام والتطبيع والمتخاذلين والمتأسرلين الذين ومن دون أن يرف لهم جفن، يريدون الالتفاف على صمودكم وانتصاركم وخطف هذا الانتصار منكم ونسبته لأنفسهم.

لم أكن أرغب في العودة إلى موضوع المطبعين والمتأسرلين حتى لا يعتقد البعض أنه جزء من حملة منظمة في إطار الخلافات الخليجية. لكن تبجحهم والضجة التي اثاروها بعد انتصار الأقصى، بدلا من التزام الصمت، وبدلا من التعبير عن الاسف عن مواقفهم المخجلة، راحوا يدعون هذا الانتصار لأنفسهم زورا وبهتانا.

فهؤلاء هم انفسهم الذين دعوا مع بداية انتفاضة الاقصى، قبل أقل من أسبوعين، الفلسطينيين للتخلي عن الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وهم القائلون إنه لا يستحق دم فلسطيني واحد وكأن دماء الفلسطينيين التي تنزف لعقود تعنيهم بشيء.. وهم الذين يرفضون في وسائل اعلامهم الاشارة إليه بالشهيد..

وهناك من أطلقوا هاشتاغ «سعوديون من أجل التطبيع» مع دولة الاحتلال. وهم الذين يرفضون تسمية الجيش الإسرائيلي بجيش الاحتلال، وهم الذين استبدلوا في وسائل اعلامهم ايضا قبل اكثر من عشرين عاما، بمصطلح «دول الطوق (المحيطة بالكيان الصهيوني) دول الجوار (واسرائيل بالطبع هي الجارة الرحيمة المسالمة)».

وهم أنفسهم وباعترافهم في وسائل إعلامهم أيضا من نصح «بنيامين نتنياهو» رئيس حكومة الاحتلال، بوضع البوابات الإلكترونية عند مداخل المسجد الأقصى، وهم أنفسهم الذين التزموا الصمت وعلى مدى اسبوعين، إزاء انتهاكات الاحتلال للأقصى، ولم يتطرق أي من كبار خطباء مساجدهم ودعاتهم حتى بالاشارة ولو من بعيد أو من باب المجاملة، إلى ما كان يجري في المسجد الاقصى.

والآن وبعد كل هذه المواقف، يطلعون علينا يوم انتصار جماهير الأقصى وتقهقر الاحتلال، بهاشتاغ جديد «الأقصى في قلب سلمان»، أطلقه ناشطون سعوديون وكان موضع سخرية للعديد من المغردين، أطلقوه لا تعبيرا عن ندم، أو محاولة مسح الصورة المخجلة، أو محاولة اللحاق بقطار فاتهم.. بعد أن أضاعوا الفرصة، والفرصة لا تأتي إلا مرة واحدة.

والحقيقة تقال أن الملك سلمان كان من اكبر المؤيدين لحركة فتح والفلسطينيين، وهو في حديثنا ليس المعني، بل المطبعين والمتأسرلين.

وسارعت اشهر وسائل الاعلام السعودية إلى الادعاء بان جهود الملك سلمان الموجود حاليا في اجازة في المغرب، بعد أن سلم ادارة شؤون البلاد لنجله ولي العهد محمد بن سلمان، الذي يدعم حملة الانفتاح والتطبيع مع دولة الاحتلال بدفع وتوجيه من عرابه نائب رئيس دولة الامارات محمد بن زايد، رائد التطبيع في المنطقة. أن جهود الملك سلمان، تكللت بالنجاح وبالشكل الذي يسهم في إعادة الاستقرار والطمأنينة للمصلين والحفاظ على كرامتهم وأمنهم.

وهي بالمناسبة وسيلة الاعلام نفسها التي ادعت أن «الجنود الاسرائيليين (الرحماء) (وليس جنود الاحتلال) حاولوا اقناع الفلسطينيين بالدخول إلى المسجد الاقصى»، لكن الفلسطينيين هم الذين يرفضون.

ولم يتطرق هؤلاء ولو بالاشارة إلى دور الشعب الفلسطيني بصموده ومقاومته وتصميمه، في تحقيق الانتصار وارغام جيش الاحتلال على جر اذيال الخيبة، ولعق كل قراراته، والتراجع عن كل اجراءاته من أبواب الكترونية وكاميرات ذكية وأجهزة كاشفة للمعادن وحواجز حديدية.

الانتصار في معركة الأقصى، ما كان ليتحقق لولا وحدة الشعب وتلاحمه، جماهير وقيادة سياسية ودينية إسلامية ومسيحية وفصائل وتنظيمات.. ولولا الموقف الحازم الذي تبنوه مجتمعين. فباتحادكم قوة لكم.. وقد أثبتم ذلك فعلا لا قولا.. الانتصار على قوى الاحتلال والشر والطغيان، ما كان ليتحقق لولا صمودكم ونضالكم وإرادتكم وتصميمكم وتضحياتكم… كما اثبتم مجددا «.. كم من فئة قليلة غلبت فئة كبيرة بإذن الله والله مع الصابرين».

وكما اسلفنا هذا انتصار معنوي في حرب طويلة الامد.. فلا بد من البناء على هذا الإنجاز الذي حققه الموقف الموحد، بتحقيق المصالحة الوطنية وانهاء الانقسام، الذي لا يمكن تبريره وتفسيره الا بتغليب المصلحة الفصائلية على المصلحة الوطنية ولا استثني احدا.

ان نصب البوابات الالكترونية والكاميرات الذكية.. لم يكن وليدة اللحظة، بل كان جزءا من مخطط احتلالي مبيت.. وكانوا في انتظار اللحظة المناسبة للتأكيد على أن السيادة على الاقصى اسرائيلية بحتة.. وجاءت اللحظة المناسبة في عملية «الجبارين الثلاثة»، فاخرج هذا المخطط إلى حيز الوجود كما يخرج الحاوي الارنب من جرابه..

كان كل شيء مبيتا.. مثلما كان المخطط لتقسيم الحرم الابراهيمي في الخليل جاهزا، وجاءت اللحظة المناسبة في المجزرة التي ارتكبها باروخ غولدشتاين ضد مصلي الفجر في رمضان 1994.

إن ما جرى ويجري وسيجري في القدس ليس صراعا على احجار وجدران وبوابات، إنه صراع قومي وجودي حضاري، وهذا ليس كلامي بل ما قاله الحاخام إيلي دهان نائب وزير الحرب الإسرائيلي:

«الأمر المهم بل الاهم أن نفهم وندرك أن صراعا قوميا يدور هنا وليس نضالا موضعيا يتعلق بنصب بوابة إلكترونية، أو مسا متخيلا بالكرامة العربية.. يدور هنا صراع قومي يوجد هنا عرب يريدون السيطرة على البلاد وان يرثوها ويطردوننا منها، وهذا هو بالضبط جوهر الصراع.. وهم سيقاتلوننا في كل فرصة تسنح لهم، وسيخترعون وجود الشعب الفلسطيني ويواجهون البوابات الالكترونية، وفي كل مرة سيجدون سببا وذريعه لمقاتلتنا، لذلك يجب علينا أن نتحلى بنظرة اشمل وان نتصرف ونتعامل بطريقة مختلفه بشكل مطلق».

نعم انها معركة صراع قومي وجودي تاريخي حضاري.. إنها معركة السيادة على القدس ودرتها المسجد الأقصى، إنها معركة الحرم القدسي بقبة الصخرة، معركة البلدة القديمة، انها معركة القدس التي ستبقى «زهرة المدائن» التي غنت لها فيروز، بعيد احتلالها عام 1967..

إنها معركة وطن، معركة الدولة.. لا فلسطين من غير القدس.. والقدس ليست شعفاط، وبيت حنينا، وصور باهر والعيزرية والعيساوية، أو سلوان وأبو ديس أو جبل المكبر والطور، أو جبل الزيتون أو الشيخ جراح إلى اخره، رغم اهمية ومعزة كل ملميتر من أرض القدس وفلسطين، القدس هي البلدة القديمة بتاريخها ومعالمها وحواريها وأحيائها وحوانيتها ومقدساتها الإسلامية والمسيحية.

إنها معركة يفوز فيها فقط من يصبر ويثابر ويقاوم، لا من «يستسلم ويطأطئ رأسه امام العاصفة.. ويخسر من يرفع راية الاستسلام.. وليس معروفا عن الشعب الفلسطيني أنه استسلم يوما.. إنه شعب اثبت على مر التاريخ انه الشعب الصبور المثابر الذي لا يقبل ضيما ولا ظلما ولا احتلالا ولا استعمارا. انه فعلا شعب الجبارين.

واخيرا.. من يُحرّم على هذا الشعب النضال والمقاومة لاسترداد حقوقه، ليس منا ومن يدعو الفلسطينيين للتخلي عن القدس.. غريب عنا، ومن تذكّر بعد 1400 سنة أن الاقصى ليس المسجد الذي جاء ذكره في صورة الإسراء، ملفوظ من بيننا، من يدعو إلى التطبيع مع دولة الاحتلال.. مدسوس علينا، من يحاول إخفاء عوراته بالخوف على مصالح الشعب الفلسطيني.. مكشوف لدينا، ومن يحاول ذرف دموع التماسيح على دماء الفلسطينيين.. هو بالتأكيد ليس منا.

ليس منا من يرى في الاحتلال حالة لا تستوجب النضال والكفاح والجهاد.. ليس منا «مشايخ السلاطين» الذين يتعاملون مع الدين كوسيلة استرزاق وثراء.. لا يشبع جشعهم وتعطشهم للمال شيئا، و«لا يملأ عيونهم سوى التراب» كما يقال.

فهؤلاء هم المنافقون الملعونون والملفوظون والمرفوضون في مجتمعاتنا.

* علي الصالح كاتب فلسطيني

المصدر | القدس العربي