فاطمة الصمـادي تكتب: كيف قرأت إيران الأزمة مع قطر؟ الوحدة الخليجية أصبحت من الماضي

ما بين قراءة محتاطة رأت في الأزمة “خلافًا بين الإخوة” وأخرى داعمة معارضة للحصار والعقوبات، توزعت القراءة الإيرانية للأزمة الخليجية التي قامت فيها السعودية ومصر والإمارات والبحرين، بقطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر، قبل أن تتبعها دول أخرى، لكن القراءات الإيرانية على اختلافها أجمعت على أن وحدة الصف الخليجي قد أصبحت من الماضي. يقدِّم هذا التقرير رصدًا للكيفية التي تعاملت بها إيران مع الأزمة وكيف شخَّصتها.

جاء الموقف الرسمي الإيراني تجاه الأزمة بين قطر وعدد من دول الخليج قائمًا على عدد من النقاط التي ذكرها بيان وزارة الخارجية الإيرانية، ووصفها المتحدث الرسمي، بهرام قاسمي، بأنها تعد من الثوابت الإيرانية، وهي:

• أن التوتر في العلاقات بين دول الجوار في الظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة والعالم لا يصب في صالح أي بلد أو شعب في المنطقة لاسيما أن المنطقة تعاني من أزمات خلَّفها الإرهاب والتطرف فضلًا عن احتلال فلسطين على يد الكيان الصهيوني، فالتوتر يهدد مصالح الجميع من دون استثناء.

• تطالب الجمهورية الإسلامية الإيرانية دول الجوار بأخذ العبرة من التجارب المرة التي مرَّت على المنطقة، وذلك بالابتعاد عن العواطف وتحكيم العقلانية والمنطق، وضبط النفس إلى أبعد الحدود، في سبيل تقليل حدَّة الصراع والحركة باتجاه تهدئة الأوضاع.

• أن سبيل حلِّ الاختلافات بين بلدان المنطقة، ومن بينها الاختلافات الراهنة بين البلدان الـثلاثة وقطر، لا تتأتَّى إلا عبر الطرق السياسية والسلمية والحوار الشفاف والصريح.

• أن استخدام العقوبات كأداة في عالم اليوم، رغم عدم جدواها، مذموم ومنبوذ وغير مقبول.

• أن السيادة الوطنية ووحدة أراضي الحكومات المستقلة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية واحترام الحدود المعترف بها دوليًّا، تعد أصولًا أساسية وجوهرية في الحقوق والعلاقات الدولية وعلى جميع الأطراف احترامها.

وإن كانت الخارجية الإيرانية قد استخدمت لغة دبلوماسية حملت معارضة إيرانية لهذه الإجراءات ضد قطر، فإن شخصيات سياسية استخدمت لغة ناقدة ضد هذه الإجراءات، ونقلت وكالة مهر للأنباء عن المستشار السياسي لرئيس الجمهورية الإيراني، حميد أبو طالبي، جملة من التغريدات على موقع التواصل الاجتماعي، تويتر، حول مسألة قطع السعودية، ومصر، والإمارات، والبحرين لعلاقاتها مع قطر.

ومن وجهة نظر (أبو طالبي)، فإن “زمان التحالفات ووصاية الشقيقة الكبرى انتهى، والتسلط السياسي، والتلاعب القبائلي بالأمن عبر الاحتلال والاعتداء لن يكون له نتيجة سوى مزيد من عدم الاستقرار والفوضى”.

ولفت المستشار السياسي لرئيس الجمهورية إلى أن زمن الحظر انتهى أيضًا وقطع العلاقات الدبلوماسية وإقفال الحدود وحصار الدول وإخراجها من التحالفات لن يكون سبيلًا للخروج من الأزمات.

ونوَّه إلى أن تآكل التحالف وانهياره هو من نتائج رقصة السيف في الرياض، فليس من المعقول إجراء مراسم رقصة السيف في مكان، وإبداء الود في مكان آخر، فهل تغيرت مكانة الشقيقة الكبرى؟

واستهجن أبو طالبي ما أقدمت عليه السعودية ومصر والإمارات والبحرين ضد بلد صغير مشيرًا إلى أن حل الأزمة لا يكون إلا عبر الديمقراطية في الداخل، والمفاوضات في المنطقة، وقال: “لقد انتهى عصر القبائل”.

قراءة محتاطة

وفي مقابل الموقف الداعم نجد مواقف حذرة ومحذِّرة، وتنطلق وجهة النظر الحذرة تجاه الأزمة بين قطر وعدد من الدول الخليجية، من ضرورة فهم البنية التي تقوم عليها دول الخليج كما يقول الدبلوماسي السابق والمحلِّل السياسي الإيراني، صادق ملكي، والخلاف ضمن هذه الرؤية هو “خلاف بين الإخوة”، وإن كانت قراءته يجب أن تتم من زوايا وجوانب مختلفة. وتميل هذه القراءة الحذرة إلى قناعة مفادها أن الخلاف بين الدوحة والرياض ليس عميقًا لدرجة تجعل الدوحة تهرول نحو إيران.

ولا تتوانى هذه القراءة المحتاطة عن تحذير صانع القرار الإيراني من الاندفاع وإعلان الدعم للدوحة؛ لأن ذلك من شأنه أن يشكِّل فخًّا تقع فيه إيران، فالعلاقات القطرية شديدة التعقيد مع جهات على طرفي نقيض من الممكن أن توقع طهران في مخاطر هي في غنى عنها، فـ”سياسة الدول يجب أن تُبنى على أسس واقعية، تأخذ في الاعتبار أن هذه الدول وعلى اختلافها إلا أنها متحدة في مواجهة إيران”.

وتقلِّل هذه القراءة من قيمة السيناريو الذي طرحه فريق في إيران لم يستبعد إقدام السعودية على عمل عسكري ضد الدوحة، فـ”الملك السعودي ليس صدام حسين،وحتى مع سيناريو التصعيد فإن واشنطن ستتدخل في النهاية لتُنهي الخلاف”، كما أن السيناريو اليمني غير قابل للتكرار مع قطر، لكن السيناريو الوحيد الذي يجب التوقف عنده هو سيناريو “الانقلاب”.

تأخذ هذه القراءة بعين الاعتبار نهج الإدارة الأميركية تجاه التحولات السائلة التي لا يمكن التنبؤ بها؛ حيث إنها تعمد لبناء استراتيجية بديلة لكل حدث. وقد تسعى الولايات المتحدة إلى إجراءات عقابية لدفع بعض الدول لتغيير سلوكها السياسي بما يتوافق مع الرغبة الأميركية، ومثال ذلك انقلاب غولن في تركيا ودعم الأكراد، وممارسة ضغوط على أنقرة وهي عضو في حلف الناتو، بهدف تغيير سلوكها.

هذه المحاذير تأتي جنبًا إلى جنب مع الدعوة إلى الانتباه للاعتبارات الناشئة من المنافسة الإقليمية، وعلاقات الجيران الذين يملكون مصالح مع واشنطن تحدد سلوكهم الاستراتيجي بشكل كبير.

وكانت القراءة التي تتحدث عن رغبة سعودية بعمل عسكري ضد الدوحة قد صدرت عن أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام والقائد السابق للحرس الثوري، محسن رضائي، الذي اعتبر أن سبب الأزمة الخليجية-القَطَرية يعود إلى سياسات السعودية في المنطقة، وأن الرياض تسعى إلى “ابتلاع” البحرين وقطر.

وقال في تغريدة له على حسابه في موقع “إنستغرام”، وانتشرت بشكل واسع: إن السعودية تخطِّط للهيمنة على قطر بعد البحرين. وأعاد إلى الأذهان احتلال صدام حسين للكويت، وكانت ذريعته “توحيد العرب.. ومن ثم جاءت “داعش” وتحدثت عن توحيد العراق وسوريا، واليوم أخذ الملك سلمان مكان صدام ويريد ابتلاع البحرين وقطر”.

دعم قطر دون ضجيج

ويقدِّم الممثل السابق لإيران في المقر الأوروبي للأمم المتحدة، علي خرم، قراءة ترى أن الخطوة التي قامت بها بعض دول الخليج ضد قطر، هي عمل غير متعارف عليه دبلوماسيًّا وسيشكِّل أزمة جدِّية على صعيد العلاقات الدولية، خاصة أنها تأتي ضد دولة عضو في مجلس التعاون. ولذلك، فإن السياسة الإيرانية يجب أن تكون متزنة وهادئة، وحتى إن تقرَّر مدِّ يد العون لقطر في مواجهة هذا الحصار فيجب أن يتم ذلك بدون ضوضاء ودعاية سياسية.

وتصل هذه القراءة التي يتشارك فيها عدد كبير من المحلِّلين الإيرانيين إلى نتيجة مفادها أن الحديث عن وحدة الصف الخليجي قد ذهب أدراج الرياح، وأن الصورة التي كان يُروَّج لها عن الوحدة والتعاون والتفاهم لم تعد موجودة، وترى أن الخلاف قديم يعود إلى أكثر من 20 عامًا وهو خلاف فكري وسياسي عميق، من مكوناته الأساسية النظر إلى والموقف من جماعة الإخوان المسلمين، والعلاقة مع حماس.

لكنه أيضًا له جوانب اقتصادية وسياسية؛ فالسعودية غير راضية عن الدور والتأثير الكبير لشبكة الجزيرة داخل الوطن العربي، أما الإمارات فتحس بأن شركة الطيران القطرية تشكِّل تهديدًا لواحد من أهم مشاريعها الاقتصادية.

تؤكد هذه القراءة على ضرورة أن تستثمر إيران هذه الظروف، خاصة وأن قيام هذه الدول بمحاصرة قطر، سيجعل من اللجوء إلى إيران مخرجًا لابد منه، لكن التعامل الإيراني مع القضية يجب أن يتم بهدوء وذكاء وبالتنسيق مع عُمان والكويت.

تميل القراءات السابقة إلى تقديم أسباب داخلية للأزمة، لكنَّ قراءة إيرانية أخرى تربطها بشكل أساسي بالتدخل الأميركي في المنطقة، وأن هذه الخطوة جاءت برعاية أميركية؛ حيث اعتبر رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشوري الإسلامي، علاء الدين بروجردي، أن التوترات الأخيرة بين الدول العربية في المنطقة ناجمة عن التدخل الأميركي في شؤون المنطقة.

ترامب سبب ومسبِّب الأزمة

مبكرًا ربطت التحليلات الإيرانية بين زيارة ترامب إلى السعودية والأزمة، ورجحت أن يكون الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قد أعطى الضوء الأخضر للسعودية والإمارات للبدء بخطوات ضد قطر، وتأكد هذا الربط عقب نشره، تغريدة على حسابه الرسمي على موقع “تويتر”، معلِّقًا فيها على الأزمة القطرية-الخليجية؛ حيث قال: “خلال زيارتي للشرق الأوسط أكَّدت ضرورة وقف تمويل الأيديولوجية المتطرفة والقادة أشاروا إلى قطر-انظر!”.

ويدعم هذا التحليل تغريدات أخرى مثل: “من الجيد رؤية أن زيارتي للسعودية مع الملك (العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز) و50 دولة تؤتي ثمارها. قالوا إنهم سيتخذون نهجًا صارمًا ضد تمويل الإرهاب، وكل الأدلة كانت تشير إلى قطر. وربما سيكون هذا بداية النهاية لكابوس الإرهاب”.

وفي تحليلهم لهذه التغريدات، فإن الإيرانيين يتحدثون عن مؤشرات، تفيد بموافقة الرئيس الأميركي على الإجراءات السعودية، وأخطرها، وأكثرها دلالة بأنه ضوء أخضر منه ما كتبه: “كل الأدلة كانت تشير إلى قطر. وربما سيكون هذا بداية النهاية لكابوس الإرهاب”.

وتضع احتمالين لتفسير موقف ترامب:

• الاحتمال الأول: هو أن القمة العربية-الأميركية قررت استهداف قطر، والخطوات السريعة والمتتابعة من قِبل “الشقيقة الكبرى” تدعم بشدة هذا الاحتمال، ومن بين السيناريوهات الثلاثة المطروحة: “عمل عسكري”، و”دعم انقلاب”، و”الحصار الاقتصادي الخانق للدوحة”، ويبدو الثاني والثالث هما الأكثر احتمالًا.

• الاحتمال الثاني: هو أن ترامب، خلافًا لمواقف وزارة الدفاع (البنتاغون) ووزارة الخارجية متمثلة بالمواقف الحكيمة للسفيرة الأميركية في الدوحة، بدعم موقف قطر، يدلي بتصريحات غير ناضجة عبر تغريدات دون أن يدرك عواقب الأمور.

خــلاصة

في المجمل، فإن التفسيرات الإيرانية للأزمة بين قطر وعدد من الدول الخليجية، تُجمع على عدد من القضايا وتختلف بشأن عدد آخر:

• هناك إجماع على دور للرئيس الأميركي كمحرِّك ومسبِّب لها وأنه أعطى الضوء الأخضر للسعودية والإمارات لمعاقبة قطر.

• هناك إجماع على أن الخلافات عميقة وقديمة، وتعود لأسباب سياسية واقتصادية وبنيوية.

• هناك إجماع على أن ما كان يُروَّج حول وحدة الصف الخليجي قد أصبح في طي الماضي.

• هناك إجماع على ضرورة أن تستثمر إيران هذه التطورات استراتيجيًّا.

• هناك اختلاف فيما يتعلق بآليات إيران وسياستها للتعامل مع الأزمة، وحدود التدخل فيها.

• هناك اختلاف في قراءة مآلات الأزمة.

* د. فاطمة الصمادي- باحث أول في مركز الجزيرة للدراسات، مختصة في الشؤون الإيرانية.

المصدر | مركز الجزيرة للدراسات