«فاينانشيال تايمز»: إعلام الحصار شن «حرب الكلمات» ضد قطر

كانت وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرة الحكومات الخليجية، تقليديًا، مثالًا على الاحترام عندما يتعلق الأمر بذكر أفراد الأسر الحاكمة للدول الإقليمية. لكنّ قرار العربية بإسقاط جميع ألقاب الشيخ «تميم بن حمد آل ثاني» يؤكد كيف أصبحت وسائل الإعلام في المنطقة سلاحًا أساسيًا في الأزمة الدبلوماسية بين السعودية وثلاثة من حلفائها العرب ضد قطر.

ويقول «عوض الفياض»، وهو صحفي يعمل في قناة «إم بي سي» السعودية: «تاريخيًا، كانت السعودية متحفظة، لكن هذه المرة يبدو أنّها خلعت قفازيها».

وكانت الأزمة الخليجية في طريقٍ مسدود بعد شهرين من اتخاذ السعودية والإمارات والبحرين ومصر قرارًا استثنائيًا بقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع قطر، التي تتهمها برعاية الإرهاب. وتنفي الدوحة هذه الادعاءات وترفض الخضوع والاستسلام لمطالب خصومها، ومن بينها إغلاق قناة الجزيرة الفضائية. وقد قامت الرياض وحلفاؤها بتصعيد الأزمة بسرعة، الأمر الذي لم يبق لديهم سوى القليل من الخيارات الواقعية لتصعيد الضغوط على قطر، أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم.

لكنّ إطلاق وسائل الإعلام التابعة للدولة ككلابٍ هجومية يعد إبقاءً لمعركة الدعاية على قيد الحياة، ليس فقط للاستهلاك المحلي ولكن أيضًا لجذب الدعم من الحلفاء الغربيين.

وقد تراوحت التغطية من قصصٍ تهدف إلى دعم المزاعم حول دعم قطر للإرهاب إلى أخرى تافهة.

وكانت قناة «سكاي نيوز العربية»، وهي مشروعٌ مشترك بين شركة تابعة لشركة إماراتية تملكها دولة الإمارات وشبكة سكاي نيوز المملكة المتحدة، قد نشرت فيلمًا وثائقيًا، الشهر الماضي، ادعى الكشف عن علاقات الدوحة مع إرهابيٍ متورطٍ في اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول عام 2001 على الولايات المتحدة. وأوضحت صحيفة «عكاظ» السعودية أن سلسلة متاجر «هارودز»، وهي سلسلة تملكها قطر في لندن، تقوم بجمع معلومات بطاقات الائتمان للمتسوقين من الكتلة المناهضة لقطر.

ويقول السيد «فياض» وغيره من الصحفيين السعوديين أنّ الحملة الإعلامية ضد قطر لها ما يبررها لأنّها جاءت بعد عقدين من الزمن استخدمت فيه وسائل الإعلام التابعة لها، بما في ذلك الجزيرة، لزعزعة استقرار المملكة والمنطقة.

ويقول: «اليوم تدرك الحكومة أنّ هذه المعركة يجب أن تُدار على الأقل باستخدام نفس الأدوات».

ضغوط لانتقاد قطر

ويقول بعض الصحفيين السعوديين أنّهم تعرضوا لضغوطٍ من الحكومة لانتقاد قطر. ووصف أحد المحررين السعوديين كيف كان المسؤولون يستخدمون مجموعة الرسائل الهاتفية لإرشاد الصحفيين حول كيفية تشكيل التغطية وما هي القصص التي يجب التركيز عليها. ويقول هذا المحرر: «هذه أوامر، وليس اقتراحات».

وكانت وسائل الإعلام في الخليج دائمًا تحت سيطرة الحكومات. لكنّ إطلاق قناة الجزيرة عام 1996 أحدث ثورةً في المشهد الإعلامي في المنطقة، مع تغطيتها الحرجة لجيران قطر ومنافسيها عبر الشرق الأوسط.

وتصر الجزيرة على استقلاليتها التحريرية، لكنّ الرياض وأبو ظبي تنظران إلى قناتها العربية باعتبارها قناة ناطقة بلسان الجماعات الإسلامية المدعومة من الدوحة. وأنشأت السعودية قناة العربية، وأنشأت الإمارات قناة سكاي نيوز العربية لمواجهة سردية الجزيرة.

تغطية مثيرة للجدل

وظهرت الدلائل الأولية لقرب اندلاع الأزمة الدبلوماسية في مايو/أيار عندما قامت وسائل الإعلام السعودية والإماراتية بتغطية مثيرة للجدل للتعليقات المثيرة للجدل والمنسوبة إلى الشيخ «تميم». وركزت تقاريرها على تصريحاتٍ نشرتها وكالة الأنباء القطرية (قنا)، جاء فيها أنّ الأمير القطري قد أشاد بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) ووصف إيران بأنّها «قوة إسلامية».

وأصرت الدوحة على أنّ موقع الوكالة قد تعرض للاختراق وأُدخلت به التعليقات الكاذبة، لكنّ الرياض وأبو ظبي تجاهلتا الاحتجاجات. وواصلت وسائل الإعلام التابعة لها التعامل مع تعليقات الشيخ تميم كحقيقة، في حين رفض المسؤولون تفسير الدوحة للأمر. وقال معلقٌ مصريٌ على قناة العربية أنّ الشيخ «تميم» يجب أن يُرسل إلى مؤسسة للصحة العقلية.

وبعد أقل من أسبوعين، أُعلن الحظر. وأغلقت السعودية مكتب الجزيرة في الرياض، وحظر حلفاؤها الوصول إلى مواقع الأخبار القطرية.

ومنذ ذلك الحين، اتُهمت الإمارات بأنّها كانت وراء اختراق وكالة الأنباء، بينما ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» أنّ مسؤولين أمريكيين، لم تكشف عن أسمائهم، يؤيدون ادعاءاتها. ونفت الإمارات تورطها.

وكانت وسائل الإعلام القطرية قد أطلقت العنان للتقارير ضد الكتلة التي تقودها السعودية، مع تقارير للجزيرة وصفت الحصار بـ «النزهة السياسية» من قبل «البلدان التي فرضت هياكل بدوية على مؤسسات الدولة الحديثة».

وأبرزت تقارير أخرى في وسائل الإعلام القطرية الدعم السعودي المزعوم للجماعات الجهادية، وهو اتهامٌ ترفضه الرياض.

وقال «عبد الله العذبة»، وهو صحفيٌ قطري، لـ «الجزيرة» أنّ «تنظيم الدولة الإسلامية نشأ وأصبح أكبر حين كانت السعودية مسؤولة عن التعامل مع الأزمة السورية».

غير أنّ البعض الآخر سئم من حرب الكلمات.

وقال أحمد عبد الملك في عمودٍ نشرته صحيفة الشرق في الدوحة الشهر الماضي أنّ «الخطاب الإعلامي الذي يلوث سماء الخليج، منذ 5 يونيو/حزيران، قد زاد من قسوة وظلم الإجراءات السياسية التي أضرت بشعوب المنطقة».

المصدر | فاينانشيال تايمز