كيف يقود سلطان عمان القادم سياسة مسقط الخارجية؟

عُرفت عمان على نطاقٍ واسعٍ بدورها كوسيطٍ هادئ وحيوي في مجال الطاقة، وقد ظلت منذ فترة طويلة محافظة على موقف عدم الاعتداء وسط التقلبات، التي لا نهاية لها على ما يبدو، في البلدان المجاورة. ومع وجود إيران والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة واليمن كجيرانٍ لها، تجد عمان نفسها في منطقة خطرة، حيث يصبح الحفاظ على الحياد وتعزيز قنوات الدبلوماسية تحديًا كبيرًا.

ويعتمد مسار السياسة الخارجية في مسقط في معظمه على قيادة السلطان «قابوس بن سعيد آل سعيد» للسلطنة منذ 46 عامًا. ورغم ذلك، مع حالة صحية غير جيدة في الـ 76 عامًا من العمر، وبدون أي أطفال من صلبه، أبقى السلطان خطط الخلافة غامضة إلى حدٍ ما. ونتيجةً لذلك، يجدر التساؤل عما إذا كان خلفه سيحافظ على مسار السياسة الخارجية الإقليمي في مسقط أو سيقوم بتوجيه عمان إلى مسارٍ جديد في مواكبة للحقائق والتحديات المحلية والإقليمية الجديدة.

وجاء «قابوس» إلى السلطة عام 1970، حين أطاح بوالده السلطان «سعيد بن تيمور آل سعيد»، في انقلابٍ دموي بمساعدة بريطانيا والأردن. ومنذ ذلك الحين، شغل السلطان المحافظ الرئيسية للبلاد، حيث شغل منصب رئيس الوزراء، ووزير الدفاع، ووزير الخارجية، فضلًا عن الإشراف على جميع جوانب تمويل البلاد، بما في ذلك البنك المركزي. وفي غضون ما يقرب من 50 عامًا، حوّل «قابوس» دولة شبه الجزيرة العربية القاحلة والفقيرة إلى دولة حديثة مع احتياطيات النفط والغاز المزدهرة، واستثماراتٍ أجنبية مباشرة كبيرة، وقطاع سياحة قوي، إلى جانب البنية التحتية المتطورة والرعاية الصحية.

ومنذ صعود السلطان «قابوس»، انخفض معدل أمية الكبار في السلطنة إلى 5.2%، في حين ارتفع متوسط ​​العمر المتوقع بشكلٍ كبير إلى 76 عامًا. وفي الوقت نفسه، كانت السلطنة فعالة في كبح أي شكلٍ من أشكال المعارضة السياسية والاجتماعية. وينص دستورها المعدل عام 1996 على حرية الصحافة وحظر «التمييز بين الناس على أساس الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو الطائفة أو السكن أو المركز الاجتماعي». ويشرح هذا لماذا ظلت عمان غير متضررة نسبيًا خلال انتفاضات الربيع العربي عام 2011. وعلاوةً على ذلك، ومع الزيادة الأخيرة في النشاط الإرهابي في المنطقة، لم يكن هناك أي عمانيين ينضمون إلى صفوف جماعاتٍ مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا وليبيا، وبالتالي، أحرزت الدولة المركز الأفضل على مقياس مؤشر الإرهاب العالمي السنوي. وعلى الرغم من هذا الاستقرار على نطاقٍ خارجي، فلا يزال من غير المؤكد إذا ما كان التحول الداخلي الوشيك للسلطة في البلاد سيكون هادئًا. وبالاقتران مع الحرب الإقليمية الشديدة بالوكالة بين السعودية وإيران، جذب مسار عمان نحو الخلافة اهتمامًا متجددا، حيث يراقب المجتمع الدولي مجلس التعاون الخليجي والنظام الجيوسياسي الكبير في الشرق الأوسط.

الخلفاء المحتملون

وكان انتقال عملية السلطة مبهمًا إلى حدٍ كبير حتى عام 1997، عندما وضح «قابوس» تفاصيل هذه العملية. وينص الدستور العماني (القانون الأساسي) على أنّ عائلة آل سعيد الحاكمة مطالبة باختيار خليفة. وأوضح السلطان أنّه عندما يموت، «سوف تجتمع أسرته. وإذا لم يتمكنوا من الاتفاق على مرشح، سوف يقرر مجلس الدفاع، استنادًا إلى اسمٍ أو أسماء قدمها السلطان السابق. ولقد كتب بالفعل اسمين، على الترتيب، ووضعهما في ظرفٍ مغلق في منطقتين مختلفتين».

ويبقى المتنافسون المحتملون في هذه اللحظة أبناء عم قابوس، «هيثم بن طارق آل سعيد» و«الأسد بن طارق آل سعيد» ، و«شهاب بن طارق آل سعيد». وكان «هيثم»، الذي يشغل حاليًا منصب وزير الثقافة والتراث، وكيل وزارة الخارجية والأمين العام لوزارة الخارجية سابقًا. وعلى الرغم من سنوات خبرته في السياسة الداخلية والخارجية التي جعلته الخليفة المحتمل الأكثر ظهورًا في البداية، فإنّ تعيين قابوس الأخير للأسد نائبًا لرئيس الوزراء للتعاون الدولي في مارس/آذار قد أدى إلى تعقيد التسلسل الهرمي.

وكخريج من الأكاديمية العسكرية الملكية البريطانية ساندهيرست، وكممثل خاص للسلطان منذ عام 2002، يدير «الأسد» أيضًا شركته الخاصة، «الأسد» للاستثمار، والتي تدير مليار دولار من الأصول. وهكذا يضع هذا «الأسد» أمام رهانات الخلافة، ليحل محل «هيثم». وأخيرًا، في حين أنّ «شهاب» هو أيضًا مستشارٌ وثيق للسلطان، وترأس البحرية الملكية في البلاد حتى عام 2004، إلا أنّه ليس جزءًا من مجلس الوزراء، ما يجعله في المركز الثالث في خط العرش.

وعلى الرغم من الاختلاف في مؤهلات هؤلاء المتنافسين المحتملين، فإنّهم يشتركون في الافتقار المحتمل للشرعية التي ستجعل الجمهور العماني يعتبر أحدهم خليفة مؤكد. وبعد كل شيء، هناك إرثٌ كبير متعدد الأوجه جمعه السلطان على مدى 46 عامًا من الإنشاء والتطور السريع للمؤسسات السياسية والجيش والصناعة وازدهار التجارة والفوائد الاجتماعية اليومية المدعومة من قبل الحكومة مثل الإسكان والتعليم. ولضمان الحصول على اعترافٍ جدي من الجمهور، يجب على خليفة عمان المقبل أن يواصل اتباع خطا سلفه والتأكد من أنّ قيادته ستواصل دفع نمو هذه الجوانب، مع الحفاظ على الحياد العام خارجيًا الذي ازدهرت معه البلاد في عهد «قابوس. ولن يؤدي الإخفاق المحتمل في اتباع خطا قابوس فقط إلى عدم الرضا على نطاقٍ واسعٍ من الجمهور، بل إلى أمرٍ أكثر صعوبة، وهو فراغ السلطة الذي سيدفع القبائل العمانية المتعددة للسيطرة على السلطنة.

طريق الحياد والوساطة

وبغض النظر عن الغموض وراء مسألة الخلافة، يبقى الشيء الحيوي أنّ السلطان الجديد يجب أن يستمر في توجيه عمان ما بعد «قابوس» نحو طريق الحياد والوساطة. وعلى مر السنين، حصل «قابوس» على مكانة مرموقة في الشرق الأوسط كوسيطٍ فعال في مجال الطاقة. ومن الأمثلة العديدة لتاريخها في الجهود التوفيقية حياد مسقط في الحرب الإيرانية العراقية عام 1980، وعدم موافقة عمان على غزو العراق للكويت عام 1990، وبدلًا من ذلك، عملت عمان كوسيط في الحرب الإيرانية العراقية وفي الصراع عامي 1990 و1991.

وفي ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي الذي طال أمده، رحب «قابوس» باتفاق كامب ديفيد عام 1978، وكذلك معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في العام التالي. ورفض المشاركة في قمة الجامعة العربية عام 1979 التي طردت مصر نتيجة لتقاربها مع (إسرائيل).

وخلال الجولة الثانية من الحرب الأهلية في اليمن عام 1994، بدأ السلطان سلسلة من محادثات السلام بين الجانبين فى مدينة صلالة العمانية. وفي مسرح اليمن اليوم، كانت عمان بمثابة القناة الرئيسية للاتصال خلال إدارة «أوباما» بين المتمردين الحوثيين ومسؤولي الإدارة الأمريكية، في محاولة للتوسط في الحرب الأهلية. واستخدم المسؤولون في مسقط أيضًا نفوذهم التفاوضي لضمان الإفراج عن العديد من المدنيين الغربيين الذين تحتجزهم الجماعات المسلحة في اليمن منذ سيطرة الحوثيين على عاصمة البلاد عام 2014.

ومنذ عام 2010، وصولًا إلى توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، فتح السلطان «قابوس» أبواب بلاده لاستضافة المناقشات بين الوفود الأمريكية والإيرانية، ولعب دورًا مهمًا في كثيرٍ من الأحيان في بناء الصفقة النهائية.

وفي عام 2011، خلال التدخل الدولي في ليبيا بقيادة حلف شمال الأطلسي، وباسم القوى المناهضة للقذافي، أيدت عمان مفهوم منطقة حظر الطيران في جامعة الدول العربية، لكنّها ظلت محايدة فيما يتعلق بالتدخل العسكري الفعلي، وظلت محايدة في الحرب الأهلية في البلاد الواقعة في شمال أفريقيا.

وبعد أن بدأت الأزمة السورية، كانت سلطنة عمان العضو الوحيد في مجلس التعاون الخليجي الذي حافظ على علاقاتٍ دبلوماسية مع نظام دمشق، ولم تدعم مسقط أي من الجماعات المعارضة منذ اندلاع الحرب الأهلية، في تناقضٍ كبير مع السعودية وقطر، واللتان قدمتا مساعدة عسكرية واسعة النطاق للجماعات المناهضة للأسد. وبدلًا من ذلك، لعبت عمان مرة أخرى دورها كوسيط، وكثيرًا ما كانت بمثابة حلقة دبلوماسية بين نظام «الأسد» ومختلف الجماعات المناهضة للحكومة.

أهمية الطرف المحايد

ومع استمرار التوترات بين المملكة العربية السعودية وإيران، ظهرت أهمية مكانة عمان كطرفٍ محايد. ويرى بعض النقاد أنّه نظرًا لأنّ السياسة الخارجية المستقلة في عمان تختلف بشكلٍ كبير عن القرارات الجماعية التي يتخذها جيرانها داخل مجلس التعاون الخليجي الذي تقوده السعودية، فإنّها تضعف الأمن العام للمجلس. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا القلق، فإنّ استقرار عمان لا يزال ضروريًا للغاية للمنطقة، وذلك لسببٍ معين، وهو قربها من مضيق هرمز ووصولها إلى المحيط الهندي من خلال المضيق، وهو شريانٌ ضيقٌ ذو أهمية استراتيجية جغرافية، حيث يمر 20% من نفط العالم. وبالتالي، فإنّه غالبًا ما يعتبر الجائزة الأكثر قيمة في المواجهة بين الرياض وطهران. وإذا فقدت عمان موقفها الهادئ بسبب قراراتٍ سياسة خارجية لخليفة السلطان «قابوس»، فمن المحتمل أن يصبح المضيق مصدرًا حصريًا للصراع الكبير القادم في المنطقة. وهكذا، سواء كان «هيثم» أو «الأسد »أو شخص مختلف تمامًا، يجب على العاهل العماني المقبل أن يتأكد من أن تحتفظ السلطنة بدور الوسيط، كقوة ناعمة للبلاد.

وبعيدًا عن السلام الإقليمي، ينبغي للخليفة الجديد أن يحافظ على هذا التوازن الدقيق بين القوتين انطلاقًا من مصالح عمان. فعلى سبيل المثال، تتعاون عمان وإيران حاليًا على إنشاء خط أنابيب للغاز الطبيعي بين إيران والميناء العماني ظفار. ويعد هذا الخط أمرًا حيويًا للاقتصاد العماني، حيث تملك البلاد وفرة أقل من النفط مقارنةً بجيرانها. وبالتالي، من خلال الحفاظ على علاقاتٍ ودية نسبيًا مع إيران، تصبح عمان قادرة على جني الفوائد الاقتصادية التي تتأتى مع قربها الجيوستراتيجي من جارتها الشيعية.

وفي الوقت نفسه، من الأفضل أيضًا أن تحافظ سلطنة عمان على علاقاتها الحميمة نسبيًا مع السعودية، تحسبًا لأي خيبة أمل مع إيران. وجاء قرار عمان الأخير بالانضمام إلى التحالف العسكري الإسلامي لمكافحة الإرهاب، الذي تقوده السعودية، والذي يتألف من أربعين دولة إسلامية أخرى، في وقتٍ شعرت فيه مسقط بخيبة أمل إزاء توجه إيران لشركاء أوروبيين أكثر ربحًا منذ توقيع الاتفاق النووي. ومن خلال الحفاظ على التوازن بين القوتين، تستطيع عمان تنفيذ سياسة خارجية مستقلة، لا تعني فقط إظهار الحياد الذي تشتد الحاجة إليه في المنطقة، بل تخدم به أيضًا مصالحها الداخلية.

ومن خلال المنظور الدولي، تحتفظ الولايات المتحدة بقواعدٍ عسكرية في دولة الخليج العربي، حيث تملك حاليًا ثلاث قواعد عسكرية في عمان، وقد استُخدمت كلها على نطاقٍ واسع خلال حروب العراق. وأيًا كان خليفة عمان، تحتاج الولايات المتحدة إلى التأكد من الحفاظ على علاقتها الثابتة مع البلاد. ويعني ذلك أخذ دولة الخليج الصغيرة على محمل الجد.

وتُقدم عمان، إلى جانب دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، الدعم العسكري واللوجستي للقوات الأمريكية المتمركزة في المنطقة. وعلاوةً على ذلك، تمكنت عمان، من خلال تقديم نفسها كوسيطة دبلوماسية مطلوبة بشدة في الأزمة اليمنية، من مساعدة الولايات المتحدة في التفاوض مع الميليشيات المختلفة على إطلاق سراح الرهائن الغربيين. وفي المقابل، يمكن لمسقط ما بعد «قابوس»، إذا استمرت في إقامة علاقات دافئة مع الولايات المتحدة، أن تستمر في الاستفادة من صفقات مختلفة مثل اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وسلطنة عمان المربحة للغاية، مما يخلق وضعًا مربحًا للجانبين.

وبشكلٍ عام، مع الدخول في العد التنازلي لأيام «قابوس» في الحياة، في حين لا تزال خطط خلافته سرية إلى حدٍ كبير، يواجه الشباب العماني مستقبلًا غير واضح. أما بالنسبة لباقي دول العالم، فإنّ الوقت وحده هو الذي سيحدد من سيتولى دور السلطان، وإذا كان سيمارس دور السلطان التاريخي كوسيط محترم في منطقة شديدة التقلب.

المصدر | إنترناشيونال بوليسي دايجست