مـصر.. رفع أسعار الفائدة سيؤثر سلباً بمعدلات التضخم

عندما اتخذ البنك المركزي المصري في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016 قراراً بتعويم سعر الجنيه، كان المعنيون بالسياسة النقدية والاقتصادية على دراية بالآثار السلبية لذلك القرار خصوصاً في معدلات التضخم المحلية. فالبلد يعتمد في غالبية حاجاته من السلع الاستهلاكية والرأسمالية على الاستيراد.

والتعويم الذي خفض سعر صرف الجنيه تجاه الدولار من نحو 13 جنيهاً إلى أكثر من 20 جنيهاً، كان متوقعاً أن يضع ضغوطاً كبيرة على معدلات التضخم التي كانت أصلاً عالية. فارتفع من 15.5 في المئة في آب (أغسطس) 2016 إلى 24.3 في المئة في كانون الأول (ديسمبر) من السنة ذاتها، وبلغ في نيسان (أبريل) الماضي ما يعادل 31.5 في المئة أي ضعف ما كان عليه قبل التعويم.

ويذكر ان الكثير من المراقبين والمحللين في مصر يرون أن أرقام التضخم المعلن عنها رسمياً أقل من معدلات التضخم الحقيقية التي يعاني منها الاقتصاد. وتعترف الجهات الرسمية بالتأثيرات السلبية للتعويم في معدلات التضخم ولكنها تصرح بأنَّ التأثير موقت وستتراجع معدلات التضخم متى تأقلم الاقتصاد مع سعر الصرف الجديد.

صحيح أن معدل التضخم في مصر ظل مستقراً في أيار (مايو) الماضي على أساس شهري قدره 1.7 في المئة، وهو الارتفاع ذاته الذي سجل في نيسان، ما أدى إلى انخفاض معدل التضخم السنوي من 31.5 في المئة في نيسان إلى 29.7 في المئة في أيار. وأعطى هذا الانخفاض مؤشراً إلى أن ارتفاع الأسعار بدأ يتراجع بسبب اصلاحات الحكومة الاقتصادية. ولكن المراقبين يرون أن انخفاض معدل الأسعار في أيار ربما يكون موقتاً وسببه استقرار سعر الصرف الذي استخدم في احتساب التعرفة الجمركية، إلا أن استقرار المعدل الشهري للتضخم يشير إلى استمرار الضغوط التضخمية.

معروف أن صندوق النقد الدولي الذي قدم خطاً انتمائياً لمصر بقيمة 12 بليون دولار، هو الذي يضغط على الحكومة المصرية للسيطرة على معدلات التضخم العالية ضمن مجموعة اصلاحات أخرى يشترطها، وقد تفاجأت الأوساط الاقتصادية المصرية في 21 أيار الماضي بإعلان البنك المركزي رفع سعر الفائدة على الودائع والقروض من 14.75 في المئة إلى 16.75 ومن 15.75 في المئة إلى 17.75 على التوالي، معللاً أسباب الرفع بأنه وسيلة لخفض معدل التضخم.

إنَّ معدل التضخم المرتفع حالياً في مصر ليس سببه ارتفاع الطلب على السلع والخدمات وإنما ارتفاع الكلفة نتيجة الاعتماد الكبير على الاستيراد وعوامل أخرى تسببت في ارتفاع كلف الإنتاج.

لذلك فإن رفع سعر الفائدة الأخير على القروض سيؤدي حتماً إلى ارتفاع الكلف التي سترفع معدلات التضخم.

وهكذا ففي وقت يسعى البنك المركزي المصري من خطوته الأخيرة إلى تقليص معدلات التضخم فإنه سيعمل على رفعها.

إضافة إلى أنه في حال بلد كمصر يعتبر 50 في المئة من السكان عند خط الفقر أو دونه، لا يتوقع أن يؤدي رفع سعر الفائدة على الودائع إلى تقليص الاستهلاك وزيادة الادخار، بل سيشجع على الأغلب ميسوري الحال ممن لديهم دخل يفيض عن حاجة الاستهلاك، إلى التحول من أشكال أخرى من الادخار كالأسهم والسندات إلى الودائع المصرفية.

وبما أن القطاع الإنتاجي الخاص يعتمد على الأسهم والسندات لتمويل استثماراته بينما تعتمد الحكومة أكثر على الاقتراض من الجهاز المصرفي، فإن سعر الفائدة على الودائع ربما سيزيد من قدرة الحكومة على الاقتراض من الجهاز المصرفي.

ولكن سيحصل ذلك على حساب سحب المدخرات من الأسهم والسندات وتحويلها إلى الودائع المصرفية. وبمعنى آخر ستنافس الحكومة القطاع الخاص على الموارد المالية المتاحة. كما أن رفع سعر الفائدة على الودائع سيزيد حجم الدَين العام الذي هو أصلاً عالٍ ويضغط على عجز الموازنة.

إن مشكلة وصفات صندوق النقد الدولي هي عموميتها التي لا تأخذ خصوصية كل بلد على حدة. لذلك فهي تعطي هذه الوصفات لكل البلدان التي تضطرها ظروفها إلى الاقتراض منه ويمارس ضغوطاً على الحكومات المقترضة حتى تحقق حزمة الإصلاحات المطلوبة.

وتفيد وصفات صندوق النقد الدولي عادة الدول التي لديها قدرات إنتاجية محلية عاطلة يمكن إعادة تشغيلها بسهولة لإشباع الطلب المحلي وزيادة الصادرات، ولديها ميل حدي عالٍ للادخار وقطاع خاص نشط ومتطور يستطيع أن يوفر فرص عمل.

وبذلك يسحب العبء عن القطاع العام الذي يشترط عليه التخلي عن النشاطات الاقتصادية وتقليص الإنفاق العام.

كما لا تأخذ وصفات صندوق النقد الدولي في الاعتبار الظروف السياسية الإقليمية والدولية التي تؤثر سلباً في البلد المعني من دون أن يكون له أثر فيها.

* ذكاء مخلص الخالدي كاتبة لبنانية باحثة في الاقتصاد

المصدر | ذكاء مخلص الخالدي | الحياة