مهنا الحبيل يكتب: العلاقات القطرية — السعودية

رغم أن مجمل بيان وتعليقات وزراء خارجية دول المحور في لقاء المنامة، كان مؤكِدا لوضع التحييد السياسي للأزمة، إلّا أنّ قضية تنظيم الإجراءات الميدانية واللوجستية الضرورية، لحجاج دولة قطر قفزت على سطح الحدث، وكان تصريح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير مفاجئاً في هذا الاتجاه، من خلال طرحه لموقف قطر من تدويل الحج أو منطقة الحرمين، التي لم يصدر عنها أي موقف رسمي بتاتاً، والشكوى التي تقدمت بها المنظمة الحقوقية القطرية، كان نصها يركّز على العمل على ضمان وصول الحجاج من قطر وأدائهم مناسكهم، عبر إجراءات تنفذها الحكومة السعودية.

فكيف يكون تدويلاً؟

وقضية تدويل الحرمين التي تبنتها إيران الجمهورية الدينية تاريخيا، كان لها سوابق ولواحق عديدة، عند اندلاع الأزمات السياسية بين المملكة ودول أخرى، أو حين تندلع مواجهات مذهبية مع مدارس سنية أو دينية متعددة، لها خلافات مع مدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولكن لم تكن تصمد تلك القطيعة، ويعود التواصل السعودي للتوافق في الحج مع المختلفين في العالم الإسلامي، والاتفاق على أن بقاء تنظيم موسم الحج، هو مسؤولية حصرية للدولة السعودية.

وهو موقف دُعم بقوة من قطر تاريخيا، وزَج هذا المصطلح من جديد، داخل البيئة الخليجية خطأ دبلوماسي كبير، لم يكن لشخصية مثل د. الجبير أن يتورط بها، لأنها بالفعل ضد مصالح المملكة، وهو أمرٌ مؤسف بعد خطئِه في حق المقاومة الفلسطينية، والقدس تعيش اليوم معركة هويتها الكبرى.

عموماً هذه القضية ممكنة الحل، وهو حل في صالح المملكة وشخصيتها الاعتبارية، كراع رسمي لموسم الحج منذ وقوع الحجاز ضمن سيادتها السياسية.

ولكن قبل ذلك نُشير إلى أن مسار الأزمة الخليجية، أكد طي صفحة اتفاق 2014م، وقضية المطالب الـ 13 التي صدّرتها دول المحور، ولا يجوز البقاء في دائرة التوتر، في انتظار انفراج في هذين الملفين، لطبيعة المرحلة التي تجاوزت أصلاً البناء الخليجي المشترك، بعد انفجار الأزمة وتوجهات اجتياح قطر، التي رفضها المجتمع الدولي والإقليمي.

وجهود البحث، التي يمكن أن تحقق اختراقا نوعيا، تعطي كل الدلالات بأن طريقها المباشر، والأقل تكلفة هو المفاوضات الثنائية بين الرياض والدوحة حصريا، ثم العبور إلى القضايا الأخرى عبر قاعدة المصالح المشتركة.

ويجب الأخذ بالاعتبار إعلان الوزير قرقاش الرسمي ذاته، بأن دول المحور ستمضي في صناعة بيتها السياسي الخاص، وبالتالي سيُصبح المجلس الخليجي وراء ظهرها كواقع تنفيذي، كون نظام السيسي رسمياً، أقرب من الدول الثلاث بحسب قاعدة التحالف الجديد لدول المحور.

إذن فُرص معالجة الأزمة انتهت من خلال الإطارات السابقة، وحين تُحل الأزمة، وتكون هناك امكانية لإعادة تأهيل المجلس الخليجي المنهار سياسيا، ممكن أن تصاغ بنود التوافقات الجديدة، أما حاليا فالمدخل الكبير هو المفاوضات الثنائية الحصرية، بين الرياض والدوحة، والتي لن توقف حركة التشكل الجديد لجسمَي الخليج.

لكنها ستفتح آفاق تعاون وتنظم تهدئة استراتيجية، تحتاجها دول المنطقة للضرورة، فيما ستجتمع الأطراف التي فرزها الوزير قرقاش خارج المنظومة الاستراتيجية الجديدة لأبو ظبي، في قاعدة مصالح مشتركة، لا تمنع من التنسيق والعمل على تفكيك بعض كوارث الأزمة، عبر إعطاء أطراف التصعيد صلاحيات كبرى لمبادرة الشيخ صباح الأحمد والداعم العماني لها.

من هنا يقوم هذا المقترح، على بنود عملية بالإمكان أن يُتفق عليها بين الرياض والدوحة، بأمل أن تتحول إلى برنامج شامل للعلاقات التصحيحية الجديدة، التي تتزامن مع مسؤولية الأمير محمد بن سلمان في العهد الجديد، والحاجة الماسة إلى تجاوز آثار الأزمة، خاصة مع قطر الشقيق الأقرب من نظام بغداد، الخاضع للمعادلة الإيرانية أو تقاطعات طهران العديدة، والتي تسعى المملكة للدخول فيها، كمحاولة لتحييد آثار القوة الإيرانية الكبرى، وهي معادلة صعبة جدا، لقوة العلاقة الأميركية الإيرانية وتوافقها في ملفي العراق وسوريا، ولصلابة استراتيجية الإيرانيين المهيمنة على البيت الشيعي في العراق.

ومرحلة تفكيك نفوذ إيران مدنياً، وإقامة جسور بين الحالة الشيعية والسنية والرابط العربي بينهما، قضية تحتاج إلى جهود وحلفاء وكسب الشقيق القريب فيها، قبل التوسع في أرضٍ تملك إيران فيها قدرات تفجير المشهد في أي وقت، كما أنها تتخذ طابعا حاسما، مع أي تمرد مركزي لأي طرف شيعي، فتتم تصفيته دمويا أو سياسيا، ولكن قد تمنحه مناورة تحقق بها اختراقاً جديدا.

ومع مأزق حرب اليمن مؤخراً، وإشغال الجبهات بأن الحرب ستتحول لضرب الإصلاح اليمني، فإن الدخول في العراق دون استراتيجية قوية ومتزنة، تفرز عناصر الشراكة من عناصر التحييد المتطرفة، مخاطرة صعبة.

فأي خدمات تقدم للقوى المتطرفة كقيادات الحشد الشعبي وميلشياته، سوف تُحول لموسم امدادات تتقوّى به إيران، التي لا تزال واشنطن مؤمنة بأنها الشريك الأقوى في العراق، ولو خاصمتها في ملفات أخرى، وبالذات بعد ان أظهر البيت الخليجي، اضطرابا هائجاً، يضرب داخله بعد قرار تفجير الأزمة الخليجية.

من هنا فإن حسابات المصالح السعودية مع قطر، يجب أن تتجه في هذا الإطار فوراً، لتعوض خسائرها التي سُفكت لمصلحة مشروع أبوظبي الأيدلوجي المتطرف، ولعل حل أزمة الحج لأهل قطر يكون مدخلها الأول، وهنا خطوات الحل المقترحة:

1- لا يوجد أبداً في العلاقات الدولية فضلاً عن العربية، ما يمنع التواصل الرسمي في قضايا المشترك الإنساني، فكل دول العالم تتعامل بدبلوماسية الدعم الإنساني، وتنسق عبرها حتى مع البلدان ذات الجذور الصراعية الشرسة دينيا وسياسيا، في الفضاء الإنساني. والحج من تلك الشعائر العظمى، فلا يجوز مطلقا أن يوقف فيها تلك الجهود لأجل الخلاف مع قطر، فأول الخطوات تكليف فريق تقني سعودي- قطري، للاجتماع في الدوحة وجدة لتسهيل مهام رحلة الحج كليا.

2- يصدر بيان من كل من المملكة العربية السعودية ودولة قطر، بوقف فوري للحملات الإعلامية المتبادلة بينهما، احتراما للنسك العظيم، وتسهيل مهام رحلة الحجيج ونجاح موسم الحج لكل المسلمين بعيداً عن الصراع السياسي والتفويج الإعلامي.

3- تُصدر الجهات المسؤولة في المملكة العربية السعودية، بياناً يحذر من أي تعدٍ، على أبناء قطر أو القادمين منها، بأي جرم مادي أو معنوي، ليس لطرف أهل الحجاز بادية وحاضرة، الذين اعتنوا بالبيت العتيق وزوّاره تاريخياً، ولكن خشية تأثير الحملات الإعلامية السابقة، على بعض السفهاء بما لا تحمد عقباه.

4- يمكن أن تنظّم مواقع مقرات بعثة الحج القطرية، بالتنسيق مع بعثة الحج الكويتية، عبر الفريق التقني المشترك، لو احتاج الأمر لمثل ذلك، وإن كنتُ على ثقة أن قدرات التنسيق السعودي القطري، قادرة على تحقيق أعلى مستويات النجاح لهذه المهمة.

نأمل أن تنجح الجهود، لإنجاز موسم الحج لأهل قطر مع أشقائهم من أبناء الأمة، ويكون فرصة لتنقية الأجواء، لمرحلة الحل الثنائي، والحل الثنائي سيُهيء مدخلاً قابلاً للتطبيق مع الآخرين.

ويبقى ملف أبو ظبي معقّدا، ويحتاج إلى حضور عضو من المجلس الأعلى للحكم في دولة الإمارات العربية المتحدة، ليكون ضامناً لأي اتفاق مع أبوظبي بعد أن يحين وقته، وتجدول قضية تعويضات أبو ظبي لصالح قطر.

لكن المهم الآن المبادرة بمشروع التواصل السعودي القطري، ولعل تلبية المشعر الحرام، تكون مدخل صلحٍ لأهل الخليج، يكبرون الله على ما هداهم في بيته العتيق.

* مهنا الحبيل مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

المصدر | الوطن القطرية