نهاية التوازنات التاريخية.. الأمراء الجدد «يحتكرون» السلطة في دول الخليج

شهد هذا الصيف تطورات مهمة في شبه الجزيرة العربية، من الحصار المفروض على قطر من قبل أربع دول عربية، إلى التغيير الحادث في الخلافة في المملكة العربية السعودية.

وتمثل هذه الإجراءات تحولا غير عادي عن التقاليد، وتعد الأزمة المستمرة مع قطر أخطر انقسام في تاريخ مجلس التعاون الخليجي.

ويمثل الصعود السريع للأمير «محمد بن سلمان»، البالغ من العمر 31 عاما، ليكون وريث العرش تعزيزا غير مسبوق للسلطة منذ تأسيس المملكة في يد فرع واحد من العائلة المالكة.

إصرار بعض دول الخليج على استمرار المواجهة مع قطر، وطموح «محمد بن سلمان» للاستحواذ على عرش المملكة من أعمامه وأبناء عمومته الأكبر سنا يشكلان مخاطر عالية في اللحظة الراهنة، فالفوضى الجارية في العالم العربي تخلق منافسة صفرية على النفوذ الإقليمي، ليس فقط مع إيران، ولكن بين الرؤى السياسية المختلفة بين دول الخليج أيضا.

وفي الوقت نفسه، فإن التحول الاجتماعي والاقتصادي الصعب الذي تمر به دول الخليج ينسف التسامح مع المعارضة، خاصة مع شقيق خليجي مثل قطر، وتعكس هذه الأحداث تحولا جوهريا في طبيعة الملكية الخليجية، يتمثل في التحول بين الأجيال والآثار التي سوف يتردد صداها في المنطقة وخارجها.

ويخلق هذا التحول بين الأجيال قواعد جديدة للملكية، حيث يتم استبدال المداولات الجماعية داخل الأسر الحاكمة بالطموح الفردي والوطني، وتزيد المخاطر العالية جراء هذا التحول من الإغراء بالتدخل في الأنظمة الملكية المجاورة، وقد زاد هذا تعقيدا بسبب التحول بين الأجيال.

وتشهد أجندات ومنافسات الملوك الطامحين الآن بيئة إعلامية جديدة أدت إلى إضعاف سلطة التقدير التقليدية التي تجرى عادة في التعاملات الملكية.

تنافس الجيل الجديد

وقد اتبعت الملكيات الخليجية بعض المعايير التي تهدف إلى تحقيق الاستقرار في عملية الخلافة التنافسية بطبيعتها، وتوفير الاستمرارية لسياسات الدولة التي تتبعها الأسر الحاكمة.

وقد بنيت الملكية الخليجية على الالتزام بتقاسم السلطة، الذي يشجع المداولات ويدعم التغيير التدريجي، ومع ذلك، يمثل التحول الحالي من الجيل المؤسس إلى جيل جديد معاصر للتكنولوجيا تحديا لتلك التقاليد والممارسات القديمة.

ويظهر الطموح الكبير للملوك الأصغر سنا الذين وصلوا إلى السلطة في العقد الماضي أو نحو ذلك، وقد سعوا إلى مركزية السلطة في الداخل وتوسيع نطاق النفوذ في الخارج، وقد غير كل واحد منهم الاتجاه الاستراتيجي لبلاده بطرق أساسية، ولم يتراجع عن التدخل في الخارج عن طريق وسائل الإعلام والوساطة بل والحملات العسكرية، وقد أدى هذا الطموح إلى التنافس بين الجيل الجديد للملوك، وقد زاد كل من أمير قطر وولي عهد الإمارات من طموحاتهما المحلية والإقليمية بشكل كبير، اعتمادا على الموارد المالية الكبيرة.

وبعد أن أطاح بوالده عام 1995، شرع الشيخ «حمد آل ثاني» في التحديث السريع لدولة قطر، مستثمرا بشكل كبير في إنتاج الغاز الطبيعي المسال الذي كان من شأنه أن يعزز التنمية الاقتصادية للبلد الصغيرة وأن يسهم في التواصل الخارجي.

وعلى الصعيد الإقليمي، اشتهرت الإمارة من خلال إنشاء قناة الجزيرة، وهي شبكة تليفزيونية فضائية عربية، أحدثت ثورة في وسائل الإعلام العربية، ومع انطلاق قناة الجزيرة كمنصة، شرعت قطر في سياسة النفوذ الخارجي من خلال الاستفادة من علاقتها بالشعوب العربية.

وهذا التواصل الإعلامي، الذي تعززه المشاركة الدبلوماسية، جعل قطر على اتصال مع الحركات الشعبية، من «الإخوان المسلمون» إلى القوميين العرب الجدد، والإصلاحيين الشباب، كما تسبب دعمها للثورات العربية في توجيه الاتهامات لها بالعلاقات مع الجهاديين السلفيين في سوريا وليبيا.

وفي الوقت نفسه، وضع ولي عهد أبوظبي «محمد بن زايد آل نهيان»، بالتعاون مع حاكم دبي، «محمد بن راشد»، بلاده على طريق التحديث والتنويع الاقتصادي والتأثير الإقليمي، وتحت إشرافه، تم وضع دولة الإمارات العربية المتحدة تحت سلطة مركزية في أبوظبي، وبدأت نزعة وطنية جديدة.

وقد اعتمدت المصالح الإماراتية، التي اتسمت بالازدراء الحاد للإسلام السياسي، من بين أمور أخرى، على التدخلات العسكرية والتحالفات السياسية، بما في ذلك في مصر وليبيا، وتضاعفت توقعات دولة الإمارات بعلاقاتها الوثيقة واتجاهاتها الأيديولوجية مع السلطة الجديدة في السعودية، من خلال الملك «سلمان» وابنه ولي العهد الأمير «محمد بن سلمان»، الذي أدى صعوده السريع إلى السلطة إلى التراجع عن تقاسم السلطة الذي كان نظام آل سعود يتسم به في وقت سابق، وقد أدت شراكتهم، على الرغم من بعض التمايز في المصالح الوطنية، إلى تدخل الخليج لمواجهة تحالف الحوثيين في اليمن، والتحرك القوي الآن ضد قطر.

وقد أدت الرؤى السياسية المتضاربة والالتزامات الدولية المختلفة للدولتين الخليجيتين الساحليتين إلى زيادة الاحتكاك، خاصة منذ اندلاع الربيع العربي، ودعمت قطر والإمارات فصائل متنافسة في مصر وليبيا، وزاد إحباط الإمارات مع استعداد قطر لاستفزازها من خلال وسائل الإعلام واحتضانها للمعارضين الإقليميين، بما في ذلك من دول الخليج الأخرى، الأمر الذي دفع السعودية والإمارات والبحرين إلى سحب سفرائهم مؤقتا من الدوحة عام 2014.

وتشهد أزمة اليوم تصعيدا، ويُقصد بقطع العلاقات الدبلوماسية، مصحوبا بعرقلة وصول القطريين إلى المعابر البرية والمجال الجوي، ممارسة أقصى قدر من الضغط لإجبار القيادة القطرية على الخضوع والتماشي مع سياسة التصعيد التي تقودها السعودية والإمارات مع إيران، والحد من استقلال الحركات الإسلامية، وتشكل هذه الإجراءات خروجا مفاجئا، ليس فقط، عن مبادئ حرية حركة الناس ورؤوس الأموال التي تتحقق من خلال اتفاقات «مجلس التعاون الخليجي»، ولكن أيضا عن الحماية الضمنية التي يوفرها الملوك لنظرائهم.

إغراء الأجانب

وكان «مجلس التعاون الخليجي» قد تم تشكيله للدفاع المتبادل، خاصة أمام إيران، وإثراء التجارة المتبادلة من خلال سهولة التنقل والاستثمار المالي، ومع ذلك، خاصة منذ انتفاضة عام 2011، اعتبر المحللون المجلس، في المقام الأول، ناديا ملكيا يوفر الدعم للحفاظ على النظام الملكي الحاكم في جميع أنحاء الخليج.

وكان هدف الحفاظ على الملكية قويا للغاية لدرجة نظر «مجلس التعاون الخليجي» عام 2011 في إضافة الأردن والمغرب، البعيدين عن الخليج جغرافيا، إلى عضويته، ومع ذلك، يمثل الصراع الحالي مع قطر ائتلافا من الملوك الخليجيين ضد عائلة حاكمة ملكية أخرى، بل يهدف إلى الإطاحة بها، مع هجمات مستمرة من خلال وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي ضد شخص الأمير الحالي، الشيخ «تميم»، ووالده.

ومن المؤكد أن انعدام الثقة قد أعاق وحدة الخليج وفعالية «مجلس التعاون الخليجي»، وعلى وجه الخصوص، كانت دول الخليج الأصغر حجما متخوفة دائما من الهيمنة من قبل شقيقتها الأكبر حجما، السعودية، ومع ذلك، تتجاوز حالة المنافسة والمواجهة الحالية حالة التنافس السابقة، وتبدو مختلفة جدا عن أيام الرضا النسبي التي ارتكزت على بناء الدولة والإثراء المتبادل في ظل المظلة الأمنية الأمريكية وإطار «مجلس التعاون الخليجي».

وكان الإعلان الأولي عن الحصار، الذي فرضه التحالف الرباعي في مايو/أيار (السعودية والإمارات والبحرين ومصر)، يتضمن خطابا يهدف إلى تمييز الشعب القطري عن حكامه، مشيرا إلى «الاحترام والتقدير الكاملين للشعب القطري الشقيق كأشخاص».

وفي الأسابيع التالية، ركزت الصحافة السعودية والإماراتية وحتى المصرية على تشجيع الأمراء الآخرين من عائلة آل ثاني الحاكمة للخروج علنا عن ​​الأمير الحالي ووالده، وقد ضخمت الصحافة السعودية هذه النقطة بنشر مقالات تتبع تاريخ الانقلابات في قطر، وقال السفير الإماراتي في روسيا للغارديان: «إن قطر لديها تاريخ جيد في تغيير النظام من تلقاء نفسها، الأمر متروك للشعب القطري والأسرة المالكة لتقرير ما إذا كان هذا هو النهج الصحيح أم لا».

وفي الآونة الأخيرة، كثفت السعودية من تكهنات الانقلاب الملكي من خلال الترحيب بالوساطة غير المصرح بها لأمير قطري من خط منافس للفرع الحاكم الحالي لتسوية نزاع حول مشاركة القطريين في الحج، وأشادت وسائل الإعلام السعودية بوساطة مزعومة لـ«عبد الله بن علي آل ثاني»، ووصفت أسلافه بـ «بناة قطر الحديثة»، في حين شجع أحد الكتاب البارزين علنا ​​على إنشاء حكومة في المنفى.

وكان مستشار الديوان الملكي السعودي الذي ينشط على وسائل التواصل الاجتماعي، قد أثار فكرة التمرد الشعبي في قطر، تعليقا على تقارير عن مظاهرات داخل قطر، نفاها ممثل للحكومة القطرية.

وكان رد الفعل داخل قطر، على الأقل علنا، هو التجمع حول الأمير، وفي وقت مبكر من الأزمة، انتشرت صور وملصقات للشيخ «تميم» في كل مكان كأداة لإظهار الولاء والتضامن، وقد كتب عليها شعار واضح للفخر بالأمير، «تميم المجد»، والذي تم اعتماده ليس فقط على وسائل التواصل الاجتماعي، بل أيضا من قبل شركات الدولة، وقد جعل إضفاء الطابع الشخصي على النزاع، وخطورة الاتهامات الموجهة، من الصعب تصور كيف يمكن لمجلس التعاون الخليجي العودة إلى العمل من جديد كما كان من قبل، ولا يبدو ذلك ممكنا الآن، ليس في ظل القيادة الحالية على الأقل.

البيئة الإعلامية الجديدة

وتجري الأزمات والتحولات اليوم في مشهد معلوماتي واسع إلى حد كبير، بوجود وسائل التواصل الاجتماعي، التي سهلت تبادل المعلومات وإثارة فكرة إسقاط السلطة بين جمع كبير من الناس.

ورافقت أزمة قطر حرب إعلامية شرسة مع وجود قرصنة مزعومة، وتسريبات إعلامية، واتهامات شخصية ازدرائية، وتهديدات موجهة للأشخاص.

وفي الواقع، يعتمد جزء كبير من المعركة نفسها على التغطية الإعلامية، من خلال انتشار قناة الجزيرة عبر الحدود الوطنية والعديد من المنابر الإعلامية الجديدة التي ترعاها قطر والقنوات الشعبية التي يديرها الإسلاميون والشباب العربي.

ومن الملفت للنظر أنه لم يكن هناك الكثير من ضبط النفس، وتسعى وسائل الإعلام الحكومية في التحالف المناهض لقطر إلى ترسيخ الفخر بالقومية الجديدة في صفوف الجمهور، على النقيض من مواقف الخليج التقليدية التي سعت إلى إبعاد الجمهور عن المشاركة في السياسة الخارجية.

وبينما يشارك البعض بشغف في المواجهة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يشاهد البعض الآخر الأمر بمزيد من الدهشة، ووصف أحد المراقبين الكويتيين الديناميكية الجديدة في قول عميق: «إنها الأزمة الأغرب في تاريخ الخليج وتستحق الدراسة، فبينما تثور وسائل الإعلام، فالناس أكثر هدوءا».

وقد نشرت الدول المتشددة تكتيكات حادة لمنع مواطنيها من التعبير عن أي تعاطف مع قطر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معلنة أنها جريمة تقود للسجن لمدة قد تصل إلى 15 عاما، ونشرت مؤخرا «قائمة سوداء» موحدة لكل من الإرهابيين والمعارضين الذين يهاجمون التحالف الرباعي المناهض لقطر.

كما تمت تعبئة وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن التأييد الشعبي خلال صعود «محمد بن سلمان» وريثا للعرش السعودي، ويظهر التطور في تحول السلطة السعودية والمواجهة القطرية أهمية الرسائل الإعلامية وإدماج الرأي العام في ما كانت عليه في السابق مجالات حكرا على النخبة وأهل السياسة الخارجية.

التكيف مع القواعد الجديدة

وهناك الآن جيل جديد من الملوك الخليجيين يتعاملون مع مجموعة جديدة من التحديات الدولية والمحلية تتضمن المزيد من عدم اليقين بشأن مدى التزام أمريكا بأمن الخليج، وعامة الجمهور الذي أصبحت لديه إمكانية أكبر للوصول إلى المعلومات والتعلم، وتستجيب في ذلك بسياسات خارجية أكثر حزما، وإطارا أكثر قومية لاستيعاب المشاركة العامة.

لكن هذه الحلول تجلب تحدياتها الخاصة، وقد حلت التدخلات الخارجية والمنافسات محل الحذر الخليجي التقليدي في السياسة الخارجية، وفي حين قد تسهل زيادة توطيد السلطة تحت شخصيات مهيمنة عملية صنع القرار، لكنها قد تضخم الأخطاء وتجعل الأسر الحاكمة أكثر عرضة للعزلة، وفي بعض النواحي، تقترب الديناميكيات الحاكمة الجديدة لدول الخليج العربية من ديناميكيات الجمهوريات العربية، حيث يسعى رجال أقوياء وراء حشد جماهير خلف الروح القومية.

وأثبت رد فعل المسؤولين الحكوميين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة اللتين كانتا تعملان تقليديا كسماسرة للسلطة بين دول الخليج، المفاجأة الحقيقية والصدمة أمام الخليج الجديد، وبعض الحيرة حول كيفية إدارة التنافسات الجديدة، وقد تتطلب القواعد الجديدة للملكية في ظل الجيل القادم من قادة الخليج كتيبا إرشاديا جديدا لكيفية التعامل مع الوضع الجديد.

المصدر | كريستن سميث ديوان — لوفير