«و.س.جورنال»: «الخوف» هو الدافع وراء جميع السياسات السعودية

كانت المملكة العربية السعودية واحدة من أكثر اللاعبين حذرًا في عالم الدبلوماسية. لكن ليس بعد الآن. وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، شنّ السعوديون هجومًا دبلوماسيًا منسقًا ضد قطر المجاورة، وأشاروا إلى علاقاتٍ جديدة مع (إسرائيل)، ووبخوا باكستان، وصعدوا من مواجهاتهم مع إيران، ودخلوا في حرب كلامية مع تركيا. وفي الوقت نفسه، يواصلون قصف اليمن لدعم حلفائهم المحليين في الحرب الأهلية المريرة في ذلك البلد على نحوٍ متزايد.

كما يجلب السعوديين سياسة جديدة في الشؤون الداخلية، تبعًا لخطة رؤية 2030 التي يدعمها ولي العهد «محمد بن سلمان»، وهو البرنامج الأكثر طموحًا للإصلاح وإعادة الهيكلة، ويأخذه السعوديون على محمل الجد. وتعد خصخصة شركة النفط الوطنية العملاقة أرامكو (أو جزء منها على الأقل) واستخدام الأموال الناتجة عن عملية الاكتتاب لتنويع الاقتصاد، وفقًا للمعايير السعودية، فكرة ثورية.

ولا يدرك المراقبون إذا ما كانت السياسات الخارجية والمحلية الجديدة للسعوديين ستنجح، لكن لا شك أنّ شيئًا أساسيًا قد تغير في ما كان واحدًا من أكثر البلدان حذرًا وبطئًا في الحركة في العالم.

فماذا وراء النشاط السعودي الجديد؟ إنّه الخوف. إنّها المشاعر التي تأتي بشكل طبيعي إلى المملكة الغنية بالنفط صاحبة العدد القليل نسبيًا من السكان في حيٍ مليء بالمنافسين المفترسين. ولأعوامٍ من الخوف، كان السعوديون حذرين، لأنّهم شعروا أنّهم يستندون إلى ركن أمريكا القوي. لكنّهم الآن ليسوا متأكدين من ذلك.

وفي الرياض، بدأ عصر انعدام الأمن خلال فترة ولاية الرئيس «أوباما». وقد دفع تواصل السيد «أوباما» مع إيران، ورغبته في التغاضي عن عدوانها الإقليمي في سعيه لإبرام الاتفاق النووي، السعوديين للشعور بالخيانة. ومع انتشار القوة الإيرانية في جميع أنحاء العراق وسوريا ولبنان، خلص السعوديون إلى أنّ الولايات المتحدة لم تعد ترى الأمن السعودي جزءًا من مصلحتها الوطنية الأساسية.

وسعت إدارة «ترامب» لطمأنة السعوديين إلى أنّ «الميل إلى إيران» قد انتهى، لكنّ انعدام الشعور بالأمن كان عميقًا. لكنّ التحولات غير المنتظمة في السياسة الخارجية الأمريكية، من بوش لأوباما إلى ترامب، تثير تساؤلات مثيرة للقلق حول المستقبل. فمن يأتي بعد «ترامب»؟ «إليزابيث وارن»؟ «شون هانيتي»؟ وبينما تصبح السياسة الأمريكية أقل قابلية للتنبؤ وأكثر تطرفًا، يجب على البلدان التي ترتكز على استراتيجيتها الوطنية على استقرار التحالف الأمريكي أن تعيد تقييم خياراتها.

ثمّ هناك أمر النفط، وهي قضية كان السعوديون والأمريكيون ينظرون إليها من وجهة نظر مشتركة. وبفضل احتياطياتها الضخمة، اعتقدت السعودية أنّها ستقود قطاع النفط على المدى الطويل. وخلافًا للاعبين الأكثر عدوانية، الذين أرادوا دفع أسعار النفط إلى أعلى مستوى ممكن، استخدم السعوديون دورهم كـ «منتج ممرجح» للحفاظ على استقرار الأسواق بشكلٍ معقول، وكان الهدف السعودي هو إبقاء عملائها ملتزمين بالنفط على المدى الطويل وتجنب الاستثمار الكبير في أنواع الوقود البديلة.

وقد غيرت الثورة الصخرية هذا التوازن. ولم تعد الولايات المتحدة والسعودية حليفين في سوق النفط. فقد شكل النفط الصخري الأمريكي تحديًا لدور المملكة باعتبارها المنتج العالمي المرجح.

والأسوأ من ذلك، من وجهة النظر السعودية، يبدو أن الديناميكيات طويلة الأجل لسوق النفط آخذة في التغير. وهناك حديث عن وصول إنتاج النفط إلى الذروة، والمزيد من الحديث عن «ذروة الطلب». ويغير التقدم في كفاءة استخدام الطاقة وتوليد الطاقة البديلة منحنى الطلب على المدى الطويل بالنسبة للهيدروكربونات. وفي الوقت نفسه، سيزيد النمو السكاني السريع في المملكة من الطلب المحلي. وتشعر الرياض بالقلق من أنّه إذا أصبح النفط أقل ربحية، فإنّها لن تكون قادرة على إبقاء شعبها سعيدًا.

ويشير كل هذا إلى أنّ الاضطراب الحالي في الخليج باقٍ لوقتٍ من الزمن. وإذا أرادت إدارة ترامب استعادة الهدوء، يجب أن تفكر بشكلٍ شامل في المشاكل الاقتصادية والأمنية في «السعودية»، وإعادة التفكير حول التحالف الذي يعد كان دعامة الاستقرار في الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الثانية.