«و.س. جورنال»: قطر تجهزت مسبقًا للحصار.. والتراجع يهز موقف «بن سلمان»

إذا كانت دولة قطر قد استطاعت مواجهة الحظر واسع النطاق من قبل الدول العربية التي تقودها السعودية، فذلك لأنّ الإمارة الصغيرة قد استخلصت الدروس الصحيحة من مشاحناتها السابقة مع دول الجوار.

وسابقًا، في عام 2014، سحبت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين سفراءها من قطر، بسبب نفس الشكاوى التي عادت إلى الظهور في أزمة هذا العام. واعترضت تلك الدول على دعم قطر لجماعة الإخوان المسلمين والمعارضين الإقليميين الآخرين، وأرادت وقف التغطية المحرجة من قبل قناة الجزيرة القطرية.

لكن لم تشمل الأزمة السابقة المنع من السفر والإغلاق الشامل للحدود البرية والمجال الجوي والموانئ مثلما أعلنت دول الخليج الثلاث بالإضافة إلى مصر في 5 يونيو/حزيران. وانتهت أزمة 2014 مع الاتفاق مع أمير قطر الشيخ «تميم بن حمد آل ثاني» على تضييق مساحة السياسة الخارجية النشطة للإمارة.

التنافس التاريخي

لكن بالنسبة للعديد من القطريين، كان من الواضح أنّ أزمة عام 2014، التي كانت نتيجة للتنافس التاريخي بين بلدهم من جهة والسعوديين والإماراتيين من جهةٍ أخرى، لم تكن جولة واحدة. لذا، في الأعوام التي تلت ذلك، تأكدت قطر من تحضير ذاتها لجولةٍ ثانية. وساعدها في ذلك، بطبيعة الحال، أنّها الدولة الأغنى في العالم على أساس نصيب الفرد من الدخل، وهو الدخل الذي مكّنها من توفير الاستثمارات اللازمة.

وقال «مروان قبلان»، رئيس تحليل السياسات في المركز العربي للبحوث والدراسات السياسية، وهو مركز أبحاث بالدوحة مقرب من الحكومة القطرية: «في عام 2014، لم نكن لنتصور أن تصمد قطر إذا أغلق السعوديون الحدود البرية»، لكنّهم قد تعلموا كيف يفعلون ذلك الآن.

وأضاف: «اعتقدت هذه الدول أنّها يمكن أن تجبر قطر على رفع الراية البيضاء، وذلك باستخدام نهج الصدمة والرعب. لكن ذلك لم ينجح. وقد تعلم القطريون الدرس».

ويتوقع الجانبان الآن أن تستمر المواجهة والحظر الذي تقوده السعودية على قطر لشهور، إن لم يكن لأعوام، على الرغم من محاولات الوساطة الدولية.

ولا يستطيع ولي العهد السعودي الأمير «محمد بن سلمان»، واحد من القائمين الرئيسيين على الأزمة، أن يفقد ماء وجهه بالتراجع عن مطالبه ضد قطر. ولم يُظهر بعد نجاحاتٍ واضحة في مشاريعه الأخرى، مثل الإصلاح الاقتصادي المحلي، والحرب في اليمن.

كما ترفض الأسرة المالكة القطرية للاستسلام وإحالة إمارتها إلى مقاطعة سعودية، خاصةً وأنّ العقوبات التي تقودها السعودية، والتي فُرضت في منتصف شهر رمضان المبارك، والتي تهدف إلى تحفيز المعارضة في الإمارة، قد تراجعت حتى الآن، على الأقل. وبالعكس، فقد أثارت شعورًا لدى القطريين بالتحدي والقومية القطرية.

وقد امتلأت الدوحة بصورة مميزة للأمير «تميم» محاطة بعبارات التعهد من قبل المواطنين بالولاء، بالإضافة إلى إداناتٍ لـ «دول الحصار».

وكان «تميم» قد وافق في الأسبوع الماضي على بدء المفاوضات مع المعسكر الذي يقوده السعوديون.

وقال: «منذ بدء الحصار، استمرت الحياة اليومية في قطر بشكلٍ طبيعي». وأضاف: «يقف الشعب القطري بشكلٍ فطري للدفاع عن سيادة واستقلال وطنه».

بين الأزمة السابقة واليوم

وخلافًا لما حدث عام 2014، أصبح لدى قطر الآن ميناءٌ بحريٌ جديد يمكنه التعامل مع سفن الحاويات الكبيرة، وهو ميناء «حمد». وقد سمح ذلك بتعويض الحظر على الشحن عبر دبي، الذي كان حتى وقتٍ قريب المحور الرئيسي للشحن إلى قطر.

وفي الوقت نفسه، سمحت قدرة مطار الدوحة الدولي الجديد لدولة قطر بالحصول على وارداتها الغذائية بواسطة طائرات الشحن. وساعدت قدرة البلاد الفائضة على توليد الكهرباء أن تعمل الأضواء ومكيفات الهواء، في صيف الخليج الحرج، بشكلٍ طبيعي على الرغم من إغلاق الحدود.

وكان الأثر الاقتصادي الأهم للعقوبات التي تقودها السعودية هو اختفاء منتجات الألبان السعودية التي كانت تمثل الغالبية العظمى من سوق منتجات الألبان في قطر، والبالغ قيمتها 1.6 مليار دولار. وقد عوضت قطر ذلك عن طريق جلب منتجات الألبان من تركيا وأذربيجان ولبنان جوًا، ومن خلال شحن الأبقار الخاصة بها من أستراليا.

وكانت قطر قد خططت للاعتماد على شراء الأبقار قبل الحصار السعودي عبر مشروع بلدنا، لكنّها توسعت بشكلٍ كبير في المشروع بعد اندلاع الأزمة. وتتوقع أن تستثمر ما يصل إلى 545 مليون دولار في المشروع، الذي تقوم من خلاله ببناء مزرعة ضخمة للأبقار مكيفة الهواء في صحراء الدوحة.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة بلدنا «جون دوري»: «مثّل الحصار فرصة لتلبية الفراغ الذي حدث. وكان علينا أن نكافح من أجل حصةٍ في السوق قبل ذلك». وبعد انتهاء الحصار، من غير المرجح أن يعود القطريون إلى المنتجات السعودية مرةً أخرى.

وعلى الرغم من الحرب الكلامية، استمرت بعض الأعمال التجارية بين قطر وخصومها الخليجيين. ولا يزال الغاز القطري، الذي يولد جزءًا كبيرًا من الكهرباء في الإمارات، مستمر في التدفق عبر خط أنابيب دولفين إلى دبي. ولم تسحب دول الخليج الأخرى أموالها من البنوك القطرية، ولا تزال الشركات التابعة القطرية تعمل في مصر والإمارات.

وقال «عبد الله باعبود»، رئيس برنامج الدراسات الخليجية في جامعة قطر: «لقد استوعبت قطر الصدمة». وأضاف: «نعم، هناك تكلفة اقتصادية، ولكن عليك أن تقارن هذه التكلفة بتكلفة فقدان السيادة. ولن تتخلى قطر عن سيادتها».

المصدر | وول ستريت جورنال