4 مشاهد مأساوية من «رابعة» و«الإيمان»

«يا عم ارفع وخلّص، إحنا مش هنبات هنا، ولو في جثث، ما كله من التراب وكله في التراب، ارفع يا عم، الريحة صعبة خلينا ننظف الدنيا دي ونمشي قبل الليل».

هكذا أجاب معاون النظافة، ردا على سائق أحد أوناش الرفع الذي طلب منه أن يتأكد من عدم وجود جثث في المنطقة التي كان بصدد رفع ركامها، في ميدان «رابعة العدوية»، شرقي القاهرة، 15 أغسطس/ آب 2013، اليوم التالي للمذبحة التي ارتكبت بحق أنصار الرئيس المصري «محمد مرسي».

وخلفت المجزرة ما لا يقل عن 900 قتيل وآلاف الجرحى، ولم يحاسب أحد على تلك المذبحة، فضلا عن ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من بينها استخدام القوة المفرطة بشكل مميت، وتنفيذ عمليات إخفاء قسري، دون حسيب أو رقيب، وفق تقرير منظمة «العفو الدولية».

مشهد ثان، وقع في اليوم السابق، لكنه يفسر كيف هيأ النظام المصري الساحة لارتكاب مجزرته وسط تأييد شعبي ولو مؤقتا، تقول صاحبته: «حد يكلم البوليس ييجوا يشيلوا الحيوانات دول من هنا، مش هيسيبوا رابعة وييجوا يعششوا لنا هنا»، بهذه الكلمات يعلو صوت «نجلاء»، السيدة اﻷربعينية، بينما تغطي وجهها -المكسو بمساحيق التجميل- ملامح غضب شديد، وهي تقف وسط مجموعة من السيدات القاطنات في محيط شارع مكرم عبيد بمنطقة بمدينة نصر. فيما تتردد من بين المتجمعين جمل مثل: «مشوهم من هنا»، «مش عايزين زبالة هنا»، «إحنا مش هنخلص منهم»، «إحنا مش هنسكت»، «ندخل نمشيهم لو الشرطة ما جتش تشيلهم».

مشهد ثالث، توافقت شهادة راويته مع العديد من الشهادات التي كانت إحدى الناشطات، تدعى «ولاء»، تسعى لجمعها وتوثيقها مع إحدى المنظمات الحقوقية المصرية، والتي قالت بعد مرور عام كامل على الفض: «ده ما اسموش فض ولا كان فض، دي كانت مجزرة، مفيش أي تحذيرات حقيقية ولا وقت كافي حصل علشان الناس تمشي ولا كان في ممرات آمنة علشان الناس تمشي، وكان في ضرب نار على الناس وهى واقفة وهى نايمة وهى بتحاول تقف، ودون تمييز.. وأخذ الناس يجرون ويهرولون ويبحثون عن أقاربهم».

ولا ينكر سكان في نطاق الاعتصام تحدثوا في أعقاب الفض أنهم تلقوا تحذيرات من أجهزة الشرطة بصور عديدة قبل البدء في العمليات، تطالبهم التزام منازلهم وإغلاق نوافذهم، كما لا ينكرون أنهم سمعوا إطلاق رصاص وصرخات تتعالى على مدار اليوم كله.

واعتصام أنصار «مرسي»، جاء على خلفية انقلاب عسكري نفذه الجيش المصري بمشاركة قوى دينية وسياسية وشعبية في 3 يوليو/تموز 2013، على «مرسي» المنتمي إلى جماعة «الإخوان»، بعد عام واحد من حكمه البلاد، عقب احتجاجات ضده.

مشهد رابع، يقول عنه «أبو بكر»، شاب دون العشرين،:«إحنا مش عارفين دول جثث مين، مش عارفين إذا كانوا أجزاء لنفس الجثث ولا جثث مختلفة ومش عارفين إذا كانوا جثث نساء أم رجال، ربنا يغفر لنا لو أخطأنا، ولكن المساحة ضيقة وما عندناش أكياس كافية رغم إن في ناس اتبرعت في السر وجابت أكياس وأكفان».

يكمل «أبو بكر» أنه لا انتماء له من «قريب أو بعيد للإخوان» وأن ما أتى به إلى مسجد الإيمان هو ذلك الفزع الذي انتابه عندما سمع من أحد جيرانه في منطقة عين شمس، عن «ما حدث أمس من قتل ودماء أثناء الفض وأن الجثث في كل مكان وأن في جثث أشلاء».

ومساء الخميس 15 أغسطس/آب 2013، كان مسجد الإيمان، في قلب شارع مكرم عبيد القريب من ميدان «رابعة العدوية»، قد تكدس بأكياس مبعثرة تحمل في داخلها جثثًا وأشلاء متناثرة لموتى، رجال ونساء، سقطوا في مجزرة الفض الذي بدأ في السادسة من صباح اليوم السابق، بعد أيام قليلة من عيد الفطر.

شعر «أبو بكر» أنه يجب أن يساعد «لأن ستر الموتى أكبر ثواب، ده مالوش علاقة بإني يمكن مش بأصلي بانتظام كل الوقت، أو ساعات باشرب وكده.. دي ناس ماتت دلوقتي، وماتت موتة بشعة، مش مهم بقى همّا مين».

لم تستكمل «ولاء» مشروع توثيق ما جرى يوم الفض، إذ اضطرت للتوقف عن المشروع بأكمله بعد «ملاحقات وتهديدات أمنية» بحسب «مدى مصر».

تضيف: «لم تكن الدولة تريد سوى رواية واحدة عما كان؛ أن الاعتصام كان دمويًا وأن المعتصمين بادروا بقنص رجال الشرطة فاضطرت الشرطة للرد، ولكن هذه ليست الرواية الحقيقية، لأن الحقيقة أنهم جاءوا، ونحن لا نعلم إذا ما كانوا شرطة أو غيرها، مدججين بالأسلحة ويسعون للقنص والقتل وكان ما كان».

وحلت أمس، الذكرى الرابعة للفض، دون إعلان واضح لفعاليات من جانب أهالي الضحايا أو جماعة «الإخوان» أو مواقف حكومية بشأن تلك الذكرى، وسط مخاوف من أن يتحول الضحايا لـ«مجرد رقم»، ضمن أرقام متناثرة هنا وهناك.

المصدر | الخليج الجديد + مدى مصر